Accessibility links

السياسة اللبنانية و... الترهيب


توقفت الاغتيالات في لبنان مع "التسوية الكبرى" التي أوصلت ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية

بقلم فارس خشّان/

ما لن يقوله أي زعيم لبناني علنا وما لن يعترف به بعضهم، حتى في الجلسات المغلقة، بسيط وواضح وخطر في آن: نحن نخاف من "حزب الله" ليس بصفته قوة سياسية طبعا، إنما لأنه آلة عنف لا تحدها سوى مصلحته.

وبحدي "معادلة الخوف" هذه، توائم جميع الأطراف في لبنان سلوكها السياسي، حتى أن بعضها يرعبه مجرد التفكير في الانتظام ضمن معارضة وطنية شاملة، قادرة على صنع بعض التغيير، كتلك التي عرفها لبنان في الفترة الممتدة من بعيد تمديد ولاية الرئيس الأسبق إميل لحود وحتى قبيل تشكيل حكومة الرئيس تمام سلام، في الفترة الأخيرة من ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان.

في فترة المعارضة الشاملة هذه، شهد لبنان موجة اغتيالات بدأت بمحاولة اغتيال الوزير مروان حمادة التي تلاها اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وانتهت باغتيال اللواء وسام الحسن الذي تلاه اغتيال الوزير محمد شطح.

لن يخشى "محور طهران" على اللبنانيين أكثر مما يخشى على الإيرانيين الذين يواجهون شبح المجاعة

تجمدت الاغتيالات مع "التسوية التمهيدية" التي أنتجت حكومة تمام سلام، وتوقفت مع "التسوية الكبرى" التي أوصلت العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية.

ومن دون أي حاجة إلى أقوال المنابر، يتضح أن نقطة ضعف القوى السياسية المناوئة لـ"حزب الله" في رسم مسارها السياسي يكمن هنا، لأن الخوف في المفاوضات الحكومية من استعمال قوة التلميح بإمكان خروج تحالف سياسي كبير وله حاضنة شعبية كبيرة إلى المعارضة لا يمكن تجاوزه إلا إذا توافر الاستعداد لتلقي موجة جديدة من العبوات الناسفة وتاليا لذرف الكثير من الدماء والدموع.

اقرأ للكاتب أيضا: الغائب الأكبر في لبنان

وفي علم المفاوضات، فإن كل من يوحي بأنه يفتقد إلى الليونة اللازمة للانتقال من موقع إلى آخر يحكم على نفسه بالخسارة.

وفي السياسة كما في الحياة، القوي ليس فقط من يملك أدوات البطش، بل هو أيضا من يجسد حاجة للآخرين.

وإذا كان "حزب الله" قوي ببطشه، فإن المناوئين له أقوياء، بوصفهم حاجة داخلية وخارجية.

داخليا، لأن "الأقوياء بحاجة إليهم" يرمون كثيرا من الرماد فوق الجمر الشعبي المتقد. وخارجيا، لأن الحزب ومن يدور في فلكه سياسيا غير مؤهلين لحكم دولة قابلة للحياة، فصلاتهم بالعمق الاستراتيجي الاقتصادي للبنان، أي الخليج، تتراوح بين العدائية من جهة وبين السيئة للغاية من جهة أخرى على اعتبار أن هؤلاء هم الجزء اللبناني من "محور طهران"، كما أن صلتهم بالمجتمع الدولي بدءا بالبوابة الأوروبية تتراوح بين الباردة من جهة والرديئة من جهة أخرى.

وما تعيشه دولة كبرى ومتمكنة مثل إيران من أزمات اقتصادية ومعيشية ومالية سيعاني لبنان أضعافه إذا ما استفرد الجزء اللبناني من "محور طهران" بالسلطة.

وقد بدأ تفاقم أزمة لبنان الاقتصادية يوم أخذ "حزب الله" قراره الشهير بالاستيلاء على السلطة التنفيذية وتسليم واجهتها، بعد الإطاحة بالرئيس سعد الحريري، للرئيس نجيب ميقاتي الذي وجد بعد فترة جنته في استقالة بدت في عمقها ومسبباتها ومتتبعاتها، أقرب إلى الهروب.

ولكن عامل القوة هذا مضروب بالخوف. صحيح أن للسلطة مغرياتها، وهي ليست بسيطة، ولكن الظفر بها يفترض في كثير من الأحيان التخلي "تكتيكيا" عنها. ولكن في لبنان، إن لم تكن "قوة البطش" راغبة بذلك فإن "قوة التخلي" تصبح محظورة.

ما تعيشه إيران من أزمات اقتصادية ومعيشية ومالية سيعاني لبنان أضعافه إذا ما استفرد الجزء اللبناني من "محور طهران" بالسلطة

والإشكالية التي يعاني منها الفريق المناوئ لـ"حزب الله" في عملية تشكيل الحكومة تكمن هنا بالتحديد، فـ"محور طهران" يريدها حكومة ممسوكة كليا منه، ولكن بحضور القوى المناوئة له.

والقوى المناوئة له تريد حكومة قادرة على منح الحد الأدنى من الثقة السياسية للمجتمعين العربي والدولي اللذين يحتاجها لبنان إذا كان يريد أن ينجح في التخفيف من وطأة أزمة اقتصادية كبيرة لها تداعيات مالية وشيكة.

اقرأ للكاتب أيضا: لبنان: الشعبوية والماركنتلية في خدمة الأسد

ولكن "محور طهران" الذي لن يخشى على اللبنانيين أكثر مما يخشى على الإيرانيين الذين يواجهون شبح المجاعة، لا يفكر إلا بمكتسبات في بلاد الأرز التي يريدها جزءا من أمة ولاية الفقيه، خصوصا وأن الزمن ضاغط؛ فعلاقة هذه الأمة في سورية مع روسيا متأزمة مع بدء نضوج صفقة تسليم الجنوب السوري لبشار الأسد مقابل إبعاد إيران بما يرضي إسرائيل والأردن، ووضعية هذه الأمة متوترة في اليمن، حيث إن ما كان محظورا سابقا على التحالف العربي أتيح حاليا، كطرد الحوثيين من "الحديدة" الاستراتيجية، وتجارة هذه الأمة بقضية فلسطين قد يعاني الأمرين في حال اكتملت المسارات المؤدية إلى "صفقة القرن" بدءا بإخراج قطاع غزة من الحرمان وإدخاله ضمن سياق المناطق التي تفرق فعلا بين الحياة والموت، كما أن تحديات هذه الأمة في عقر دارها هائلة بعدما تبين أن الشعارات الصاخبة لا تسكت الأمعاء الخاوية.

إن فريقا مثل "حزب الله"، مأكله ومشربه وثيابه وسلاحه وماله من إيران، لا يمكنه، مهما تعاظمت وقاحته، اتهام الفريق السياسي المناوئ له بالخضوع لإملاءات المملكة العربية السعودية في عملية تشكيل الحكومة، إلا لأنه يريد أن يرعبه بإفهامه أن عدم قبوله بما يوفر سيطرته الحاسمة على لبنان يجعله أحد أذرع الدولة التي يعاديها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG