Accessibility links

المسلسلات التلفزيونية.. خصم جديد في حملة السيسي للتضييق على الحريات


الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في باريس - 23 أكتوبر 2019

يعد الإنتاج الفني لشركة "العدل جروب" من أكثر الأعمال التلفزيونية شعبية في الشرق الأوسط.‭‭ ‬‬وتتناول مسلسلاتها موضوعات، مثل إدمان المخدرات بين أبناء الطبقة المتوسطة والانتهاكات الجنسية والحياة في سجن النساء، وقد حققت نجاحا كبيرا بين المشاهدين في مصر ومختلف أنحاء العالم العربي.

ظل هذا هو الحال حتى أطلق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي موجة جديدة من الرقابة، وفقا لما ذكرته رويترز.

ففي السنوات الثلاث الأخيرة أحكم السيسي، قائد الجيش السابق، الرقابة على صناعتي الترفيه والأخبار. وأنشأ مجلسا تنظيميا جديدا للإشراف على الإنتاج وأصبح المحتوى الإعلامي يخضع لرقابته.

وتصر لجنة الدراما، التابعة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ألا تتضمن المسلسلات التلفزيونية مشاهد جنسية أو ما ينطوي على الإلحاد وألا تتناول السياسة ضمن موضوعاتها. كما يتعين تقديم رجال الشرطة وأي شخصيات أخرى تمثل السلطات بصورة إيجابية.

ويقول جمال العدل أحد مؤسسي الشركة، إنه كان يظن أن بوسعه تسيير الأمور بالابتعاد عن أكبر القضايا الممنوع تناولها. لكنه عدل رأيه عندما سمع أن الشرطة داهمت موقع تصوير فيلم ينتجه أحد منافسيه العام الماضي، وذلك لعدم الحصول على تصريح ضروري.

أوقف العدل على الفور العمل على مسلسلين تلفزيونيين كان يصورهما خوفا من أي مشاكل قد يواجهها لعدم حصوله على تصريح.

وقال: "أنا شعرت أنها بيئة لا أقدر العمل فيها، لم أقم بأمر خاطئ".

وأضاف أن الإنتاج الفني أصبح يمثل وجهة نظر واحدة، "عين واحدة، رؤية واحدة".

تلك الرؤية هي رؤية الرئيس السيسي، وهي قائمة على فضائل البطولة والوطنية. وتستخدم السلطات أساليب مبتكرة في العمل على تحقيقها.

وفي مقابلات وصف عدد من القائمين على إنتاج أعمال تلفزيونية ومسؤولون تنفيذيون في القطاعات الإخبارية الأساليب التي اتبعتها حكومة السيسي لإحكام رقابتها، التي يصفونها بأنها أشد صرامة من وسائل الرقابة في عهد حسني مبارك الذي حكم مصر بقبضة قوية إلى أن أطاحت به انتفاضة شعبية عام 2011.

وهذه هي المرة الأولى التي تُنشر فيها تفاصيل كثيرة عن هذه الوسائل الجديدة.

من هذه الوسائل حجب تصاريح التصوير وإعداد قائمة بالموضوعات المحظور تناولها في المسلسلات يتعين على القائمين على العمل الموافقة عليها. كما أنشأت الحكومة مجموعتين على تطبيق واتساب لتوجيه تعليمات بما تنشره وسائل الإعلام الإخبارية وعينت رقباء في القنوات التلفزيونية للإشراف على ما يذاع.

وازداد تغلغل الحكومة أيضا في صناعة الترفيه نفسها. فمنذ 2017 اشترت شركة جديدة اسمها "الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية" منافذ إخبارية وشركات للإنتاج التلفزيوني وقنوات تلفزيونية، لا يقل عددها حتى الآن عن 14، الأمر الذي أتاح لها سيطرة لا مثيل لها على مواعيد بث الأعمال التلفزيونية. وعملت الشركة المتحدة بكل همة ونشاط على تنفيذ قواعد الرقابة الحكومية.

وقالت أكثر من عشرة مصادر في صناعة التلفزيون وفي الحكومة لرويترز إن "الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية" أسستها الدولة. وتوصلت رويترز إلى أن لاثنين من أعضاء مجلس إدارتها الأربعة صلات بجهاز المخابرات العامة المصري كما كان مدير المخابرات يرأس في السابق إحدى الوحدات التابعة للشركة.

ويقول ممثلون ممن ينتقدون الحكومة المصرية إنهم يخشون القبض عليهم. ويقول العاملون في إنتاج المسلسلات إن أعمالهم الفنية أصبحت باهتة مثل المسلسلات المبتذلة التافهة. وأصبح العزل أو التهميش مصير مضيفي البرامج الحوارية التلفزيونية الذين لا يتبعون النهج الحكومي.

وقال أحد المنتجين إن السلطات منعته من العمل في التلفزيون أو في السينما دون أن تذكر له السبب.

وقال المخرج السينمائي خالد يوسف، عضو مجلس النواب المصري، إن الحكومة "بدأت تتدخل في المحتوى الدرامي نفسه" ودفعت شركات الإنتاج الخاصة إلى التوقف عن العمل لفرض سيطرتها.

وقال يوسف وهو من منتقدي السيسي ويعيش في باريس حاليا في منفى اختياري "هم لا يرغبون أن يفكر أحد".

يأتي إحكام السيسي السيطرة على قطاعي الترفيه والإعلام في وقت تخوض فيه حكومته معارك مع متطرفين شنوا هجمات دامية على السياحة وعلى كنائس وفي شوارع القاهرة.

وتعد سيطرة الرئيس على الإعلام سمة أساسية لدى العديد من الحكومات الشمولية من الصين إلى روسيا. ومع ذلك فإن للتضييق الإعلامي في القاهرة أهميته بفعل تداعياته خارج البلاد. فمصر بسكانها المئة مليون ليست أكثر دول العالم العربي سكانا فحسب، بل إنها موطن أكبر صناعة للسينما في المنطقة بفارق كبير.

ويقول معدو المسلسلات والبرامج إن الرقابة أشد إزعاجا مما كانت عليه في عهد حكم حسني مبارك الشمولي. ففي السنوات العشر الأخيرة من حكمه أذيعت أعمال تناولت انتهاكات الشرطة والمثلية الجنسية.

ويقول منتجون إن الرقباء في عهد مبارك كانوا يصدرون موافقتهم على المسلسل بعد استعراض بضع حلقات فحسب، إلا أنهم يصرون في ظل حكم السيسي على مشاهدة المسلسل بالكامل سواء كان من 30 حلقة أو أكثر.

وقال رئيس تحرير إحدى الصحف الكبرى لرويترز إن الناشرين في عهد مبارك لم يواجهوا ترهيبا إلا إذا تناولت المقالات ضباط المخابرات أو الجيش. وأضاف أن لمدير المخابرات العامة، عباس كامل، وضباطه سيطرة محكمة ومباشرة على ما تنشره وسائل الإعلام. وقال إن الأمر وصل إلى حد إطلاق الصحفيين عليهم وصف "رئيس تحرير مصر".

ولم تتلق رويترز ردا من الحكومة المصرية وجهاز المخابرات والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على أسئلة تفصيلية تتعلق بهذا التقرير. كما أنها لم تتلق ردا على مكالماتها للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية.

تدهور العلاقات

بدأت رئاسة السيسي بموجة من حسن النية في 2014، بعد أن قاد الجيش في الإطاحة بالرئيس محمد مرسي، أحد قادة جماعة الإخوان المسلمين الذي تولى الرئاسة في انتخابات ديمقراطية لكن شعبيته تراجعت بشدة حتى سقوطه. وتحرك الجيش لعزل مرسي إثر احتجاجات شعبية حاشدة على حكمه.

وحث السيسي وسائل الإعلام على دعم حكومته. وأعلن عن خطط لإنشاء مشروع قومي ضخم في قناة السويس، وقال مخاطبا وسائل الإعلام: "من المهم للفاية أن تساعدونا في معركتنا" لتوحيد مصر. وقال: "إحنا في معركة كبيرة جدا".

وفي كلمة لتكريم رجال الشرطة، قال السيسي موجها حديثه للعاملين في إنتاج الأعمال الدرامية والأفلام السينمائية: "نرغب في منح الناس أملا للغد وأن نحسن في قيمنا وأخلاقنا".

وبحلول العام 2016، كانت علاقة السيسي بوسائل الإعلام تتدهور. وفي أبريل من ذلك العام سلم الرئيس جزيرتين في موقع استراتيجي بالبحر الأحمر للسعودية الأمر الذي أدى إلى احتجاجات.

وعندما شاركت بعض الصحف في موجة الاحتجاج، داهمت قوات الأمن مقر نقابة الصحفيين بالقاهرة. وتم اعتقال اثنين من الصحفيين المنتقدين للحكومة ووجهت لهما تهمة "نشر أخبار كاذبة".

وكانت تلك بداية حملة تضييق أوسع نطاقا.

ثم أسس السيسي في العام 2017 المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، للإشراف على كل المنافذ الإخبارية والترفيهية. وتم تكليف لجنة الدراما بالمجلس بمراقبة جميع المسلسلات المعروضة في التلفزيون المصري. واختار السيسي بنفسه رئيس المجلس.

وأبدت اللجنة اهتماما كبيرا بالقضايا الأخلاقية.

وفي تقرير صدر هذا العام انتقدت اللجنة بعض المسلسلات التلفزيونية لتصويرها شخصيات تدخن أو تنطق بألفاظ نابية بأن فيها "إساءة للغة العربية" لاستخدام كلمات إنكليزية.

وخلال أسبوع واحد في شهر رمضان الماضي، الذي تتجمع فيه الأسر المصرية حول أجهزة التلفزيون في المساء لمشاهدة مسلسلاتها المفضلة، سجلت اللجنة 948 مخالفة لميثاقها. وكان من نصيب مسلسل واحد هو "مملكة الغجر" 105 مخالفات بسبب استخدام ألفاظ نابية والعنف والتلميحات الجنسية والإساءة للغة العربية.

ولم تستطع رويترز التحقق مما إذا كان المسلسل أو القائمون عليه قد نالهم أي عقوبات.

"تغطية محدودة"

تتعرض وسائل الإعلام الإخبارية لتدقيق أكبر. وقد تم حجب مئات من المواقع الإخبارية والمدونات في السنوات الأخيرة كما يتيح قانون جديد لصناعة الإعلام صدر عام 2018 لسلطات الدولة حجب حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي ومعاقبة الصحفيين على نشر ما تراه السلطات أخبارا كاذبة.

وأنشأت الأجهزة الأمنية مجموعتين على تطبيق واتساب لنقل التعليمات إلى المؤسسات الإخبارية عن كيفية تغطية الأحداث. وراجعت رويترز رسائل على المجموعتين. وتسمى إحداهما "رؤساء التحرير" ويديرها جهاز المخابرات العامة. أما المجموعة الثانية فتديرها وزارة الداخلية.

ولم ترد وزارة الداخلية أو جهاز المخابرات على طلب من رويترز للتعليق على مجموعتي الواتساب.

وعندما سقط 20 قتيلا في تفجير خارج مستشفى للأورام بالقاهرة في أبريل الماضي كتب مسؤول بالمخابرات يقول: "لا أود توسيع تغطية حادث مركز السرطان ... تغطية محدودة".

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG