Accessibility links

السيسي يُحْيي التراث اليهودي في مصر


رئيسة الطائفة اليهودية في مصر ماجدة شحاتة هارون داخل كنيس "شاعار هشّمايم" في القاهرة

هيثم حسنين/

في 10 ديسمبر/كانون الأول، أعلن وزير الآثار المصري خالد العناني أن الرئيس عبد الفتاح السيسي أمر الحكومة بتخصيص 1.3 مليار جنيه (أو حوالي 72 مليون دولار) لإحياء التراث اليهودي في البلاد. وخلال اجتماعه مع "لجنة الإعلام والثقافة والآثار" التابعة لمجلس النواب، قال عناني "لن أنتظر أن يمنحني أحد المال لخدمة هذا التراث. إنه يمثل أولوية بالنسبة لي مثل التراث الفرعوني والروماني والإسلامي والقبطي".

وردّ بعض الخبراء السياسيين المحليين على هذه المبادرة بالقول إنه لا ينبغي أن تأتي على حساب المصريين الفقراء وإنه يتعيّن على اليهود الأجانب تحمّل الكلفة بدلا من الدولة. إلا أن الإعلان جاء في أعقاب سلسلة من التصريحات المؤيدة من جهات بارزة تتعلق بالتراث اليهودي المصري.

في 6 ديسمبر/كانون الأول، غرّد خالد صلاح رئيس تحرير صحيفة "اليوم السابع" ـ وهي وسيلة إعلام إخبارية ذات علاقات وثيقة بأجهزة الأمن المصرية ـ مُثنيا على "عيد الأنوار" اليهودي، واصفا إياه بانتصار التوحيد على "الوثنية" ونصح جمهوره بقراءة تاريخ يهودا المكابي، الشخصية التاريخية المركزية لهذا العيد اليهودي. وتزامن ذلك مع أول احتفال علني بـ"عيد الأنوار" منذ عقود في كنيس "شاعار هشّمايم" في القاهرة، حضره أفراد من الجالية اليهودية الصغيرة في مصر إلى جانب وفد أميركي.

يجب أن لا تعطي إجراءات السيسي الأخيرة أي أوهام لواشنطن بأنه أصبح حاكما عالميا متسامحا

وفي 4 تشرين الثاني/نوفمبر، وخلال "منتدى شباب العالم" في شرم الشيخ، قال السيسي إن مصر مستعدة "لبناء دور عبادة" لليهود تماما كما تفعل مع الأديان الأخرى. وأعلن أيضا أن "لكل مواطن حق العبادة كما يشاء".

هناك ثلاثة دوافع تشرح بصورة أفضل خطاب الحكومة الإيجابي تجاه اليهود منذ تولي السيسي الحكم في عام 2013:

تحسين نظرة واشنطن إلى القاهرة. ترى الحكومة المصرية أن المنظمات والمواطنين اليهود الأميركيين يشكّلون بوابة إلى صناع القرار الأميركيين الذين تعتبرهم متعاطفين بشكل صريح مع القضايا اليهودية.

تعزيز السياحة. منذ الانقلاب عام 2013، تحاول الحكومة المصرية جاهدة استعادة عائدات السياحة المفقودة إلى البلاد. ويبدو أن المسؤولين يعتقدون أن استثمار المزيد من الأموال في استعادة التراث اليهودي سيساعد في تسويق البلاد كوجهة للسياحة اليهودية العالمية.

إظهار الاعتدال. وفقا لشائعات وسائل الإعلام المصرية، تنوي الحكومة تعديل الدستور في وقت قريب جدا بحيث يتيح للسيسي البقاء لفترة أطول من الفترات الاعتيادية. وقد يحاول مستشارو الرئيس المصري صقل صورته وإظهاره كزعيم متسامح مسبقا بغية تخفيف حدة الغضب الذي من المرجح أن يندلع من هذا القرار وغيره من القرارات المقبلة. وبالإضافة إلى تعزيز العلاقات مع المنظمات اليهودية الأميركية، يمكن لهذا النهج أن يحظى بتأييد المجتمع المسيحي الإنجيلي والأجهزة السياسية المرتبطة به.

ومع ذلك، يطرح اتّباع نهج ودي تجاه اليهود وإسرائيل أيضا عدة تحديات أمام السيسي. فمن الناحية التاريخية، اعتبر الإسلام اليهود أقلية دينية محمية ومتقبَّلة تحظى ببعض الحقوق المدنية والدينية، ولكن دون وضع سياسي.

وبالتالي، يواجه معظم المسلمين التقليديين في مصر صعوبة في فهم أو تقبّل فكرة قيام دولة يهودية أو جيش يهودي أو مجتمع سياسي يهودي. بالإضافة إلى ذلك، تتمثّل العقيدة الأساسية في الإسلام الأصولي الذي يمارَس على نطاق واسع في مصر في أنّ إسرائيل والغرب الأوسع يشكلان تهديدات هائلة للأراضي والثقافة الإسلامية ـ وهو رأي يتم تعزيزه على نحو دوري من خلال التصوير السلبي لليهود في بعض التقاليد الإسلامية.

يعتقد المسؤولون أن استثمار المزيد من الأموال في استعادة التراث اليهودي سيساعد في تسويق البلاد كوجهة للسياحة اليهودية العالمية

وحتى أولئك المصريين الذين يتفقون مع موقف السيسي تجاه اليهود، سيجدون صعوبة في تقبّل فكرة الدولة الصهيونية المجاورة. فقد تمّ رفض مفهوم الصهيونية بقوة في الخطاب الوطني منذ عقود، لدرجة أنه من شبه المستحيل ذكر الكلمة في العلن بسبب دلالاتها العاطفية السلبية.

وهكذا، في حين قد يتمكّن بعض المصريين من تقبّل فكرة إسرائيل كدولة إقليمية لها حكومة وسفراء وجيش، إلا أن قبول الأسس الأيديولوجية الإسرائيلية كدولة يهودية هو أبعد من أي فكرة تعلّموا تقبّلها منذ الصغر.

أما الناصريون واليساريون في مصر، فلن يتقبّلوا إسرائيل على الإطلاق. فالناصريون يميلون إلى النظر إلى إسرائيل كموقع أمامي للإمبريالية الغربية، في حين يعتبرها العديد من اليساريين (وخاصة أولئك الذين لديهم توجها قويا مؤيدا لروسيا) أداة للهيمنة الأميركية لا يمكن تحمّلها في الشرق الأوسط.

توصيات في مجال السياسة العامة

يجب أن تستمرّ واشنطن في تشجيع القاهرة على الضغط على المؤسسات الدينية المصرية لجعل خطابها أكثر اعتدالا، كما ينبغي أن تصرّ على الحكومة بأن تفتح الباب أمام الليبراليين ورجال الدين المصريين المعتدلين الذين يعتنقون الأفكار السلمية وقيم التسامح تجاه الأقليات الدينية.

يتعيّن على القاهرة أن تبقى محايدة وتكفّ عن معاقبة من يعبّرون عن رأيهم في الحالات التي تُنظم فيها الشخصيات العامة أو وسائل الإعلام الناصرية/اليسارية مناقشات شعبية حول مواضيع مثيرة للجدل.

وفي الوقت نفسه، يجب أن لا تعطي إجراءات السيسي الأخيرة أي أوهام لواشنطن بأنه أصبح حاكما عالميا متسامحا. فلا يزال ينبغي أن يهمزه المسؤولون الأميركيون عندما يتعلق الأمر بسياساته الإشكالية بشأن المنظمات غير الحكومية وحقوق الإنسان والتمييز ضد الأقباط.

هيثم حسنين كان زميل "غليزر" في معهد واشنطن في الفترة 2016 ـ 2017.

المصدر: منتدى فكرة

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG