Accessibility links

السينما المؤثرة.. هوليوود تستعيد هيبتها


فيلم الجوكر هو الفيلم الأكثر إشكالية، وهو مستمر حتى اليوم بإثارة الانقسام العالمي حوله، بين منع عرضه والتحذير منه

كوليت بهنا/

بعد تراجع ملحوظ، أو ما يمكن أن يطلق عليه بهمود الدور الفني السينمائي الأميركي في السنوات القليلة الفائتة، شكّل العام 2019 مفاجأة سارة للنقاد وعشاق السينما عبر العالم بما حمله من تعويض مجزٍ عن تلك السنوات، بحيث يمكن وصفه بالعام الذهبي للسينما، أو عام هيمنة هوليوود بكل زخمها.

عدد الأفلام التي طرحت كبير من حيث الكمّ، وهو ليس بالأمر الجديد أو الطارئ، الملفت هو كمّ الأفلام ذات النوعية الاستثنائية للمحتوى الفني والفكري والفلسفي، واجتماعها معا في وقت واحد، حاملة تواقيع أهم وأبرز صانعي الأفلام، يتقدمهم مارتن سكورسيزي وكوانتين تارانتينو، ينافسهما بقوة الشابان سام منديز وتود فيليبس.

وحضر كبار النجوم المخضرمين بثقلهم وخبراتهم وجاذبيتهم القصوى، جنبا إلى جنب مع نجوم من أجيال مختلفة، وأبرزهم روبرت دي نيرو، آل باتشينو، جو بتشي، أنتوني هوبكنز، خواكيم فينيكس، براد بيت، ليوناردو دي كابريو، إضافة إلى أهم كتاب السيناريو والفنيين ومدراء التصوير يتقدمهم روجر ديكنز في فيلم 1917.

لا شك أن شبان العالم تعاطفوا مع هذين المجندين، بل تماهوا مع دوريهما

ثلاثة أفلام من سلة هوليوود العامرة لهذا العام أبرزها الجوكر، الإيرلندي، 1917، ليست هي الأكثر حظا لنيل جوائز الأوسكار بحسب التوقعات النقدية فقط، بل يمكن الملاحظة بأنها الأكثر جاذبية على المستوى العالمي، وتكاد المنافسة تنحصر بين الجوكر و1917، أو ما يمكن أن نعتبره توقعات وتقييم الجمهور العالمي، الذين يتبادل بعضهم مثل هذه الأفلام كهدايا ثمينة على أقراص مقرصنة حين لا دور سينما في بلدانهم، أو مالا يكفي لثمن البطاقة، أو مقاعد تتسع لهم ولرأيهم في حفل جوائز الأوسكار، لكن انطباعاتهم عن الفيلمين، وتعليقاتهم العميقة عنهما، وإن بلغة بسيطة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كافية لتقييم هذا النجاح الشعبي الكبير.

من المجحف هنا إيجاز فيلم الإيرلندي، رائعة سكورسيزي الأخيرة، والذي يحتاج إلى قراءة مطولة ومعمقة بسبب طول الفيلم (ثلاث ساعات ونصف) تناول فيها حقبة هامة في التاريخ الأميركي بين الخمسينيات والسبعينيات، غنية بالمعلومات وتشابكها ودور الدولة العميقة في أحداث هذه الحقبة، ويمكن القول إن رسالة الفيلم بدت أشبه بكشف حساب لشخصيات حقيقية مؤثرة في عالمي السلطة والمال وما بينهما من ضحايا.

أما فيلم 1917 المتجه نحو المقدمة بسرعة مدهشة، لا يكمن سر نجاحه بسبب أسلوبيته الإخراجية الملفتة وإن غير الجديدة التي بدا فيها وكأنه لقطة واحدة متواصلة فقط، إنما لعدد من الأسباب البارزة، أهمها قصره زمنيا (ساعة و19 دقيقة)، وبساطة وأحادية مسار القصة مع عمق المعاني السامية التي تضمنتها بانسيابية عن الحياة وجحيم الحرب والصداقة والأخوة والتضحية، حملها الفيلم كرسالة متماسكة في بنائها ودقة هدفها، سريعة مثل طلقة رصاص، تشابه السرعة التي اضطر إليها المجندان المكلفان بإيصال رسالة تحذير للفرقة الثانية في الجيش الانكليزي تفاديا لمجزرة بشرية عسكرية.

لا شك أن شبان العالم تعاطفوا مع هذين المجندين، بل تماهوا مع دوريهما في ظل قسوة الحروب الكثيرة المشتعلة في عدد من دول العالم، والتي يتصارع فيها كل مجند شاب مع ذاته بصفته وقودا أبديا لعبث وجحيم الحروب، وبين معنى التضحية بالنفس من أجل الوطن والآخرين، إضافة إلى أهم وأعمق ما حمله فيلم 1917 من معنى ورسالة، وهو مفهوم حمل رسالة بحد ذاتها والايمان بها، أية رسالة كانت، فلسفية أو دينية أو فنية أو ثقافية أو سياسية أو غيرها، وكيف تقاوم خلال مسارك الصعب في الحياة، وتتحدى الصعاب لإيصال رسالتك التي يمكن أن تضيف للبشرية أية إضافة إيجابية.

اصنعوا سينما قبل أن تخافوا منها أو تمنعوها

يبقى فيلم الجوكر بصفته الاستثناء السينمائي الأبرز ضمن هذه الحزمة الثرية، وبصفته الفيلم الأكثر إشكالية، مستمرا حتى اليوم بإثارة الانقسام العالمي حوله، بين منع عرضه والتحذير منه واعتباره محرضا، صنعته الإمبريالية العالمية انطلاقا من مؤامرة كونية لتأليب شعوب العالم ضد أنظمتها ونشر "التخريبيين والفوضويين" الذين يقلدون أنموذجا إنسانيا هداما يعتبرونه ثائرا، وهو ليس سوى مريض نفسي ومجرم قاتل، جسدّ شخصيته ببراعة تعتبر درسا في فن التمثيل، أي النجم خواكيم فينيكس بدور المهرج الجوكر، وبين اعتباره أحد أهم الأفلام التي صنعتها هوليوود بشغف فني خالص، تماسكت فيه قوة صنعته السينمائية، فكرة وتمثيلا وإخراجا، جلبت إيرادات فاقت المليار دولار حتى اليوم، وفاق حجم انتشاره وانتشار قناعه كرمز وتأثيره العالمي جميع التوقعات.

في الحديث عن التأثير العالمي، يمكن القول إن النوعية والرؤية الإنتاجية السينمائية الأميركية التي تجسدت عبر هذه الأفلام الهامة، لم تكن اعتباطية، وهي رؤية أو مجموع من الرؤى الهادفة تستعيد بها هوليوود هيبتها السينمائية، وتستعيد دورها وتأثيرها على العالم، عبر استقراء توجهات الذات الأميركية اليوم أولا، واستقراء العالم وأحداثه، دون توجيه أو وصاية، إنما تقديم رؤيتها بقوالب سينمائية عميقة قد تساعد المتلقي في فهم ما يدور حوله من تبدلات مصيرية ومهولة.

أما نظرية المؤامرة الإمبريالية والسينما الهدامة المخربة التي تحذر منها بعض دول العالم، يمكن الرد عليها ببساطة بمؤامرة مماثلة عبر صناعة أفلام قوية ومؤثرة.. اصنعوا سينما قبل أن تخافوا منها أو تمنعوها.

اقرأ للكاتبة أيضا: التقدم في العمر لا يمنح صكوك براءة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG