Accessibility links

الشعبان اللبناني والعراقي.. لا لإيران نعم للدولة الوطنية


متظاهرون في بغداد

د. نجاة السعيد/

تدل هتافات المتظاهرين في لبنان، "كلن يعني كلن نصر الله واحد منن" وفي العراق، "إيران برا برا بغداد تبقى حرة" أن إيران كسبت هيمنتها السياسية والعسكرية من خلال ميليشياتها والأحزاب الموالية لها، إلا أنها خسرت الشعبين بسبب فشلها وعملائها في توفير الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية كما هو الحال في داخل إيران.

واختصرت تغريدة الإعلامي اللبناني، نديم قطيش، الوضع في لبنان والعراق

فالنظام الإيراني على يقين أنه لا يستطيع السيطرة على دولة وطنية قوية لذلك يسعى لضرب مفهوم الدولة الوطنية ومؤسساتها وخلق دولة رديفة فاشلة ودعم حكام دُمَّى.

فالمطالب في لبنان والعراق تتجاوز مشكلة الخدمات الأساسية وازدياد معدلات البطالة والمعاناة من الفقر والفساد، بل أن كيان الدولة فاشل وضعيف وهذا جعل من البلدين مشروع مافيات فاسد، ولذلك لفَظ كلا الشعبين هذا المشروع. والجديد في هذه التظاهرات أنها شملت مدنا ذات غالبية شيعية وبالتالي فإن اتهام هذه التظاهرات، من قبل عملاء إيران، بالطائفية أمر غير وارد.

كَوَّنَ وكلاء إيران في لبنان والعراق سياسة تابعة للنظام الإيراني واقتصادا رديفا محاكيا لنظام المافيات

ولأول مرة منذ فترة طويلة، أدرك اللبنانيون والعراقيون، أن العدو الأول هو عدو الداخل المتمثل في الحكومات الفاسدة المتحالفة مع نظام لا يعرف سوى البطش والانتهازية ويستخدم اقتصاد البلدين كبديل لتفادي العقوبات الاقتصادية.

وهذا ما دفع كثير من المجتمعات في لبنان والعراق إلى إدراك أن الهوية الوطنية هي الضامن لكرامتهم وليست الهوية الدينية المتمثلة في الأحزاب والميليشيات التي أخفقت بالحفاظ عليها.

إن انتصارات "حزب الله" العسكرية المزعومة سواء في سوريا أو ضد إسرائيل فشلت بأن تتحول إلى مشروع اقتصادي تنموي يضمن الرفاهية للشعب اللبناني بما فيهم الشيعة الذين أصبحوا أكثر عزلة من أي وقت مضى وهذا مما دفعهم للتظاهر.

ولأول مرة منذ تشكيل "حزب الله" في ثمانينيات القرن الماضي، انقلب الشيعة اللبنانيون ضده. ففي النبطية وصور، معقل الحزب في جنوب لبنان، أحرق المحتجون مكاتب لنواب "حزب الله" وحليفته حركة أمل.

وفي العراق خرجت المناطق ذات الأغلبية الشيعية في جنوب العراق احتجاجا على إخفاق الطبقة السياسية العراقية في توفير الخدمات الأساسية والحد من البطالة والفساد. كما حرق المتظاهرون صور الخميني والمرشد الإيراني علي خامنئي في المحافظات الجنوبية ورفع آخرون علم العراق فوق مبنى القنصلية الإيرانية في كربلاء، وهم بذلك يشيرون إلى رفض تبعية الحكومة العراقية وأحزاب الإسلام السياسي للنظام الإيراني.

وقد هوجمت التظاهرات في العراق بوحشية أكثر من لبنان، وهي وحشية تذكرنا بنفس الأسلوب الدموي الذي يستخدمه النظام الإيراني ضد شعبه، مما أدى إلى مقتل أكثر العشرات وإصابة أكثر من ستة آلاف بجروح والأعداد في تزايد.

كذلك ذكرت تقارير صحفية أن من قام بذلك هم قناصة تابعون لميليشيات مدعومة من إيران اعتلوا الأسطح وأطلقوا النار على المتظاهرين. وأشارت منظمة العفو الدولية أن الحشد الشعبي، المدعوم عسكريا وأمنيا من النظام الإيراني، قام بعمليات قتل واختطاف.

وكما كَوَّنَ وكلاء إيران في لبنان والعراق سياسة تابعة للنظام الإيراني كذلك اقتصادا رديفا محاكيا لنظام المافيات. فبحسب بيان للخارجية الأميركية، فإن "مداخيل "حزب الله" تصل إلى نحو مليار دولار سنويا تتأمن عبر الدعم المالي المباشر الذي تقدمه إيران، والمبادلات والاستثمارات الدولية، وعبر شبكة من المانحين ونشاطات تبييض أموال".

أما الفساد في العراق فهو أسوء. وبالرغم من أن العراق يملك رابع أكبر احتياطي للنفط، لكن 22.5 في المئة من سكانه البالغ عددهم 40 مليون نسمة يعيشون بأقل من 1.90 دولار يوميا وفقا للبنك الدولي. وتعاني أسرة من بين كل ستة أسر من انعدام الأمن الغذائي، هذا عدا عدم توفر الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه ناهيك عن ازدياد عدد البطالة والذي يعتبر أمرا معيبا لدولة غنية.

اختلف التعامل بين المتظاهرين بين العراق ولبنان. وقد يجيب ما ذكر حسن منيمنة بمقالته في موقع الحرة: "كلّن يعني كلّن: هل يستكمل لبنان ثورته؟" عن السبب؛ إذ لفت منيمنة إلى أن أساس نشأة لبنان قبل مئة عام كان مشروعا حداثيا رأت فيه البطريركية المارونية ضمانا للوجود المسيحي بدون المصادمة مع محيطه.

وقد دعم الانتداب الفرنسي ومعظم النخبة الفكرية المحلية، وغالبية مسيحية هذه الرؤية. وبالرغم من إقرار المحاصصة الطائفية في تركيبة لبنان إلا كان هناك ترابط بين مكونات المجتمع، وإن تعرضت لبعض العوامل القاسية.

آخر هذه العوامل هو اقتحام إيران للمشهد اللبناني وتأسيسها لدولة داخل الدولة مدعمة بسلاح أقوى من الجيش منع تحقيق هذه اللحمة الوطنية. ونتيجة لهذا التأسيس اللبناني لا يستطيع "حزب الله" بكل عدته وسلاحه صد التظاهرات بنفس الطريقة البشعة في العراق.

ففي العراق، بعد سقوط نظام صدام حسين، لم تنفذ الولايات المتحدة الأميركية بالتنسيق مع النخبة العراقية مشروعا حداثيا كما حدث في لبنان، وزاد الطين بلة عندما سحب الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما قواته من العراق وبالتالي سُلِّم العراق بالكامل لإيران والآن يدفع شباب العراق الثمن.

فالعراق الجديد بعد 2003 منذ نشأته بُنِيَ على أساس طائفي رجعي في مجمله يحمل كل طيات النظام الإيراني من قمع وبؤس ولذلك انهارت شعبيته بسرعة ولم يتحمله حتى من هم منتمين لنفس طائفة الفئة المسيطرة في الحكومة.

لذلك على أميركا والمجتمع الدولي بما فيه الأمم المتحدة، أن يسلطوا الضوء إعلاميا ـ وهذا أقل الإيمان ـ على الانتهاكات الدموية التي تمارس ضد المتظاهرين.

هوجمت التظاهرات في العراق بوحشية أكثر من لبنان

فكيف يمكن أن تسمح أميركا بالدولة التي كانت تريدها نموذجا يحتذى به في الشرق الأوسط أن يكون حالها الآن من الأسوأ في المنطقة؟ فقد أغلقت الحكومة العراقية مكاتب قنوات الحرة والعربية والحدث بسبب تغطيتهم الواسعة للوحشية التي تمارس ضد متظاهرين سلميين، لكن السؤال: أين القنوات والصحف الأميركية الأخرى وأين المدافعين عن الصحافة الحرة؟

وبغض النظر عن الاختلاف بين لبنان والعراق، لا يمكن للمجتمع الدولي السماح بفشل الدول في المنطقة والتغاضي عما يمارسه النظام الإيراني وحلفائه. فالأمر بات أكبر من مجرد تصدير ثورة أو انتشار فساد بل هو تأسيس نظام مافيات وميليشيات وغياب كامل لمؤسسات الدولة.

والمأساة، هو غياب دولة في لبنان والعراق تكافح الميليشيات، وفي المقابل تتحكم الميليشيات بمصائر الدول. الخطير في الأمر، أن من يحكم لبنان والعراق أصبحوا جزءا من هذه المنظومة الميلشياوية، لذلك لا عجب أن الشعب اللبناني والعراقي غير مكترث بالإصلاحات التي تقدم من قبل الحكام ويريدون إسقاط الأنظمة وبناء دولهم على أساس صحيح.

اقرأ للكاتبة أيضا: السينما المصرية والعدو الأول

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG