Accessibility links

الشعوب المنسية


علم السودان يرفرف فوق المعتصمين أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم

كوليت بهنا /

ساهمت ثورات الشعوب العربية المتعاقبة منذ نهاية العام 2010 والمتواصلة حتى اليوم بتسليط الضوء على بعض الشعوب الثائرة وأبرزها الشعب اليمني والليبي والسوداني، وهي شعوب كانت أشبه بالمنسية أو المغيبة عن المشهد العربي العام لعقود طويلة، لأسباب تتحمل مسؤوليتها وسائل الإعلام الرسمي لأنظمتها المخلوعة وهيمنتها على تأطير صورة البلاد، عبر التمجيد المستمر لرموز السلطة وتحركاتهم ونشاطاتهم ونشاطات أولادهم وأحفادهم وموائد حفلاتهم ورقصاتهم التراثية ومهرجاناتهم الخطابية، والتقصير المجحف من وسائل الإعلام العربية والعالمية في معرفة ما يجري في هذه البلاد ومصير شعوبها، أو أحياناً معرفة ما يجري والتواطؤ أو السكوت عنه والتعتيم عليه بمبررات عدة، إضافة إلى مسؤولية المجتمع الدولي في مساهمة بعض دوله ومنظماته بتسليط هذه الأنظمة على رقاب شعوبها ودعمها سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، والتغافل عن انتهاكات حقوق الانسان فيها أو المجاعات وكافة أشكال القمع والقهر التي مورست بحق أبنائها.

وإلى زمن قريب، اعتقد البعض أن بعض الحكام يحكمون بلاداً شبه مهجورة لا صوت يصدر عن شعوبها، أو أن شعوب هذه البلاد هي نسخ متشابهة مع صور حكامها حتى في الشكل الخارجي، بسبب الظهور الاعلامي المكثف والمتواصل لأقرباء الزعيم وإخوته وأبناء عشيرته الواحدة وتشابههم الخارجي نسبياً بسبب صلات القربى، والأنموذج الليبي كان الأقرب لهذا التصور الخاطئ، وأتذكر تعليقاً من نوع المضحك-المبكي كتبه أحدهم على "فيسبوك" ولاقى تأييداً كبيراً من متابعيه، حين اكتشف هذا الرجل تنوع أشكال الشعب الليبي واختلاف ملامحهم من خلال الظهور الإعلامي المتواصل لناشطين ومحللين وسياسيين معارضين ليبيين على شاشات التلفزة العربية مع بداية الثورة الليبية 2011 فعلق بقوله: " يا للدهشة.. إنهم لا يشبهون القذافي" .

لم يقتصر تغييب هذه الشعوب داخل أسوار بلادها العالية من قبل أنظمتها فقط، والتي لم تساهم في تطوير إعلامها، المرئي بشكل خاص، أو دعم ثقافاتها وفنونها وإبرازها للعالم بالشكل اللائق فقط، بل أضيف إليه تقصير مواز من الشعوب العربية والعالمية الذين نسوا أو سهوا، ربما عن دون قصد، أن في هذه البلاد فنانين قديرين في عالم الدراما والسينما والمسرح والفن التشكيلي والموسيقى يمكن التواصل معهم أو عرض أعمالهم أو إشراكهم وإبراز مواهبهم وإبداعهم في الأعمال الدرامية والفنية الكثيرة المنتشرة على الشاشات العربية والعالمية، مع استثناءات قليلة منها الظهور الفني الليبي العالمي الأول عبر مشاركة الطفل "إيهاب الورفلي" من بنغازي في فيلم "أسد الصحراء-عمر المختار" 1981 للمخرج السوري الأميركي الراحل مصطفى العقاد، ومشاركة بعض الشخصيات الثانوية المساعدة والكومبارس الليبي، فيما غاب الفنانون الليبيون والسودانيون واليمنيون عن أبرز الأعمال الدرامية العربية عموماً، فلم يلحظ فيها المشاركة المرجوة لنجومهم، باستثناء النجم ابراهيم خان المتوفى 2007 وهو من أب سوداني وأم مصرية عاش معظم حياته في مصر، والمخرج السوداني سعيد حامد المتألق في عالم السينما المصرية، وتنميط هذه السينما لشخصية السوداني في أفلامها القديمة بصورة متكررة عبر حصرها بـ "بواب العمارة الطيب والأمين العم عثمان" أو "العم أوثمان" كما كان يتم تلفظها.

اليوم، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي كان لها فضل كبير في تعارف الشعوب ببعضها البعض، وانتشار عدوى الحرية الصحية فيما بينها، وبعد نجاح الثورة السودانية واستمرار الاعتصامات في الشارع وتسليط الأضواء الإعلامية العربية والعالمية عليها، انتبه الجميع إلى مواصفات هذا الشعب المتميزة والخاصة، وصارت بعض المحطات تعرض الروبورتاجات عن ثرواته الطبيعية والبشرية والثقافية والفنية وتتحدث عن تراثه وموسيقاه وأغانيه وشعرائه وأدبائه ومثقفيه وعلمائه ومفكريه وكأنهم يكتشفونه من جديد، أو كأنه ولد لتوه.

في الحقيقة، كل قفزة نوعية نحو الحرية والتغيير السلمي هي ولادة جديدة، ولا بأس أن ينتبه العالم بعد تقصير إلى هذا الشعب المنسي، على أن يعترف الجميع أن السودانيين بنوا صروح أنفسهم في الظل، ودون منّةٍ من أحد، ونجحوا بمفردهم في الوصول لأهدافهم المرجوة، على أمل أن يحظى اليمنيون والليبيون بفرصة مشابهة ومرجوة في السلام والأمان والاستقرار بعد طول عناء، ففي هذه البلاد شعوب طيبة وعظيمة تنتظر الفرج والحياة، لتكشف عن ثروتها الانسانية الكامنة، والمغيبة لأسباب خارجة عن إرادتها.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG