Accessibility links

الصحافة المستقلة.. شبه مفقودة في عالمنا


لافتة تقول إن "الصحافة ليست جريمة" اعتراضا على زيارة أردوغان إلى ألمانيا

بقلم داود كتّاب/

إن دلت الأحداث المتعلقة باختفاء الصحافي السعودي المستقل جمال خاشقجي على أي شيء، فإنها تدل على صعوبة البقاء لمن يعتبرون أنفسهم صحافيين مستقلين.

تمتلئ الصحف والتلفزيونات والإذاعات والمواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي بأشخاص يقومون بعمل صحافي على مستويات مختلفة، إلا أن عنصر الصحافي المستقل، خاصة في عالمنا العربي، شبه مفقود ويعتبر عنصرا في خطر الانقراض.

حماية الصحافيين ليست مسؤولية الصحافيين لوحدهم؛ هي أيضا ليست مسؤولية مؤسسات حقوق الإنسان والمجتمع المدني

يعمل صحافيون كثر بمعرفة، أو من دون معرفة، لدعم الأمر الواقع ولتوفير الشرعية والدعم لأنظمة غير ديموقراطية تعيش على خداع شعوبها وتدعي شعبية غير موجودة وشرعية تشوبها التساؤلات والشكوك الحقيقية، خصوصا أنها لا تتجدد عبر عملية انتخاب ديموقراطية.

تنجح الدول والنخب الحاكمة بالحفاظ على أماكنها وامتيازاتها وقوتها من خلال الاستخدام الذكي لمبدأ العصا والجزرة. فالجزرة متوفرة بسخاء لكل من يمدح الحاكم ويرفض تناول أي انتقاد له؛ في حين تطال العصا بأشكال علنية وخفية كل من يتجرأ على قول الحقيقة والسير ضد التيار الجارف.

اقرأ للكاتب أيضا: هل يأتي الخلاص الفلسطيني من حيفا والناصرة؟

جزء من المشكلة قانوني وتنظيمي؛ ففي غياب الحرية بامتلاك الإعلام من دون قيود وفي ظل المنافسة غير العادلة لتوزيع رخص البث والنشر، وسطو الحكام على شركات الإعلان وتوجيههم إلى الإعلان في وسائل إعلامية محددة، فإنه من الصعوبة أن ينمو قطاع إعلامي مستقل وفعال. ورغم أن غالبية الإعلام، المكتوب والمرئي والمسموع، في عالمنا العربي مملوك من الدولة، وإن بأشكال مختلفة، فإن الإعلام التجاري المستقل اسميا لا يجرؤ على محاسبة الحاكم ومن يدور في فضائه من أشخاص ومؤسسات ومجموعات ضغط لا تهتم بحرية الكلمة ونشر الحقيقة.

يقبل البعض الجزرة على مضض لعدة أسباب؛ منها معيشية وبعضها عائلية أو مجتمعية. فغياب الملكية المستقلة للإعلام يعني أن المالك أو الناشر أو رئيس التحرير المعين من المالك يضمن سير الأمور كما يريدها الحاكم وإلا خسر المالك امتيازاته وقربه من أصحاب السلطة والقرار. وقد طال الاحتواء الناعم، كما جاء في إحدى الدراسات التي أجراها مركز حماية وحرية الصحفيين في الأردن، نسب خيالية تفوق الـ 90 في المئة من الصحفيين.

أما الأمر الأكثر خطورة هو الاستخدام السيء والمخالف للقانون والعرف؛ وهو ما يعتبر العصا الموجة ضد الصحافيين المستقلين الأحرار الذين يمتلكون الجرأة على قول الحقيقة للمسؤول ونشر الأخطاء الموثقة على الملأ في عملية محاسبة تعد جوهر عمل الصحافي.

تستخدم الحكومات، خاصة في عالمنا العربي، العديد من الطرق للسيطرة المباشرة وغير المباشرة على الإعلام. من التهديد عبر الهاتف من قبل مسؤول أمني، إلى التوقف أو التأخير المتعمد لأي إجراء إداري رسمي يحتاجه المسؤول في الوسيلة الإعلامية. وتستخدم الإشاعات والتهم والتسريبات لوسائل الإعلام بمعلومات ليس بالضرورة أن تكون صحيحة، للإساءة مهنيا، وأحيانا عائليا للصحافي. هذا أسلوب بات "عاديا" ومعروفا، وتعتمده كثير من الأنظمة. ولا يمكن أن ننسى تهمة العمالة لأميركا وإسرائيل وغيرها من الدول. الطريف في الأمر أن بعض الأنظمة التي تستخدم هذه "التهمة" على علاقة وثيقة بهذه الدول.

وفي حال استمرار العمل الصحافي الحر والمستقل يتم رفع وتيرة استخدام العصا إلى الاعتقال الإداري وتوجيه تهم مفبركة تعتمد على أدلة لا يقتنع بها أبسط القضاة إلا أن القضاء (المستقل طبعا!) يقبل بتلك الأدلة المفبركة والتهم المعلبة وكأنها عين الصواب والعدل.

العالم العربي بحاجة ماسة إلى نهضة حقيقية في مجال حماية الإعلام المستقل

وفي الحالات المستعصية وعند الفشل من تغيير وترويض بعض الصحافيين، وخصوصا من لديهم الجرأة على النقد عبر وسائل إعلام دولية فان أسوأ القرارات تتخذ في الغرف المغلقة لإسكات دائم لذلك الصحافي أو تلك الإعلامية.

إن معالجة هذه الظاهرة المتشعبة والعابرة للحكومات وللدول وللمراحل الزمنية، يتطلب عمل وحدوي داخلي وقطري ودولي. فالدول التي يفرض عليها ثمن باهض لقمعها للصحافيين تفكر أكثر من مرة قبل القيام بخطوة مماثلة؛ في حين أن غياب النقد وإفلات المسؤولين من ذلك القمع من العقاب يعني استمراره وتطوره إلى مراحل الاعتقال وحتى الاغتيال.

اقرأ للكاتب أيضا: هل سنرى حملة ضد التحرش والاعتداء الجنسي في العالم العربي؟

حماية الصحافيين ليست مسؤولية الصحافيين لوحدهم؛ هي أيضا ليست مسؤولية مؤسسات حقوق الإنسان والمجتمع المدني. غياب الإعلام المستقل يضر الدول بأركانها كافة ويشجع الفساد ويقلل من وصول الدول إلى مبتغاها السياسي والوطني والاجتماعي والاقتصادي.

العالم العربي بحاجة ماسة إلى نهضة حقيقية في مجال حماية الإعلام المستقل وتوفير التشريعات والأنظمة والبيئة المناسبة لضمان قدرته على العمل الحر والمستقل. وغياب ذلك يعني الاستمرار في حقبة اللاديموقراطية وتراجع الحريات وغياب الوسائل الضرورية لتقدم المجتمعات وازدهاره.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG