Accessibility links

الصدى المفقود لصوت المعلم الأردني


صدامات بين الشرطة الأردنية ومعلمين خلال تظاهرة لنقابة المعلمين في 5 سبتمبر 2019

مالك العثامنة/

كلما تم الربط بين تيار الإخوان المسلمين وقطاع التعليم في العالم العربي، تحيلني ذاكرتي فورا إلى ذلك المشهد وأنا في المدرسة الإعدادية في مدينة أبوظبي منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وقد اقترب مني معلم اللغة العربية السوري (حليق الذقن وأنيق الملبس)، ليسألني همسا وعلى انفراد، إن كنت أردنيا أم من أصول فلسطينية، فأجبته ليبادرني فورا أنه من مريدي الشيخ يوسف العظم، الإسلامي الأردني الراحل وأحد أقطاب الإخوان المسلمين. وفي اليوم التالي، أعطاني المعلم السوري حليق الذقن وأنيق الملبس شريط تسجيل "كاسيت" فيه محاضرات دينية للشيخ يوسف العظم الذي كان يلقب بشاعر الأقصى، وفي الكاسيت الذي استمع إليه الشاب المفتون حينها بكل ذلك، كان العظم رحمه الله يتحدث عن الجهاد ودولة الخلافة!

مؤلفات يوسف العظم كانت بمجملها موجهة لتنشئة الجيل القادم، وتركيزه كان دوما على مناهج تربية الأطفال والشباب على مبادئ الدين، لكن ضمن رؤية ومنظور الإخوان المسلمين، يعني ببساطة ضمن رؤية ومنظور سيد قطب، وكتابه الشهير معالم على الطريق.

يوسف العظم، بعد سنوات طويلة من استماعي لأول كاسيت له (وآخر كاسيت أيضا)، صار نائبا في مجلس النواب الأردني ثم وزيرا في حكومة أردنية وقد استلم فيها حقيبة التنمية الاجتماعية، أما وزارة التربية والتعليم، فقد كانت دوما ومنذ نهاية سبعينيات القرن الماضي تحت سيطرة التيار الإخواني وبعلم ومعرفة ورضا أجهزة الدولة الأردنية ضمن سياق معادلة سياسية تم تركيبها وبناؤها بدقة وتوازن يحمي العرش ويخفف عدد خصومه قدر الإمكان.

♦♦♦

في الجامعة، وهي هنا جامعة مؤتة تحديدا، بجناحها المدني التوأم لجناحها العسكري، وفي أول تسعينيات، كانت مادة "الثقافة الإسلامية" متطلبا إجباريا في الدراسة، وكان يعلمنا إياها الدكتور وليد عوجان، والذي كان يصر على أن مقرر المادة الوحيد ومرجعيتها المنفردة سيكون كتاب سيد قطب نفسه "معالم على الطريق".

في تلك المرحلة من نهاية التسعينيات كانت الدولة الأردنية قد أعلنت عن اكتشاف خلية مرشحي ضباط من طلاب الجناح العسكري في جامعة مؤتة، وقد شكلوا خلية متطرفة من أهدافها اغتيال الملك حسين.

خلف المشهد البائس، كان الأردني "المتعاطف مع المعلمين والطلاب عموما"، يحاول حسم قراراته بحيرة وارتباك واضح

كان مدهشا بين زحمة التساؤلات والاستغراب عن كيفية تسلل فكر التطرف إلى هؤلاء الشباب المحاطين بكل الضبط والربط العسكري الصارم والمحترم، أن لا ينتبه أحد إلى أن كتاب سيد قطب كان في غرفة كل طالب يدرس الثقافة الإسلامية، ومعالم طريق سيد قطب كانت إجبارية الحفظ (أو الفهم) وأن هناك امتحانا برعاية رسمية يتعلق بكل فكر سيد قطب ودستوره الإخواني.

المفارقة أن الدكتور وليد عوجان، أيضا وبانتخابات نيابية صار نائبا ومشرعا في مجلس النواب بعد ذلك بسنوات.

♦♦♦

مؤسف بعد كل ذلك أن ننكر حجم التغلغل الإخواني في ماكينة التربية والتعليم في الأردن، وحضور الفكر الإخواني ضمن رؤية سيد قطب المتطرفة في المناهج كما في أساليب التربية وقواعد وصيغ التعامل اليومي مع الطلاب من الصف الأول الابتدائي حتى المرحلة الجامعية.

والمؤسف أكثر، أن مواجهة هذا "الاحتلال الذكي"، والشرعي جدا عبر الانتخاب الديمقراطي، والذي استطاع عبر سنوات طويلة أن ينجح في غسيل الأدمغة، اقتصر على حلول أمنية ساذجة وعبثية يقودها جهاز المخابرات الأردني، وبطريقة كانت دوما تخدم التيار الإخواني في الانتشار.

♦♦♦

في أزمة "المعلمين" التي بدأت كأزمة مطالب مهنية شرعية في الأردن، وانتهت كأزمة حرجة في الدولة الأردنية بمجملها، فإن تعاظم الأزمة لم يكن بسبب أخطاء "الدولة" مطلقا، بل كان بسبب غياب تلك "الدولة" عن المشهد كله، واقتصار المشهد على صراع نفوذ وكسر عظم سياسي بين العقل الأمني "الكلاسيكي" للدولة، وتيار الإخوان المسلمين في تلك الدولة، وحولهما جمهور واسع يتم استقطابه (وغالبيته مع مطالب المعلمين الصادقة والمخلصة)، وهذا الجمهور هو عموم المواطنين وغالبيته الساحقة والمسحوقة بنفس الوقت.

ورغم أن الأزمة تعاظمت لتصبح تحديا شرسا على مستوى عالي تعطلت فيه قطاعات واسعة من الحياة العامة في الأردن، إلا أن رأس الدولة الأردنية، الملك نفسه، وهو الذي بيده كل السلطات فعليا وحصريا، لم يتدخل في المشهد إلا بعبارة استطرادية في لقاء مع نخب إعلامية وسياسية، وكانت عبارته عامة جدا إلى درجة أنه يمكن لأي طرف من أطراف الصراع أن يستخدمها بنفسه.

صار التعليم الخاص "التجاري البحت" حلما لكل أردني وإن عجز عن ذلك

في المقابل، كان نقيب المعلمين بالوكالة، يوجد إنذارا بلهجة تهديدية لرئيس الوزراء نفسه، وفي منطق الديمقراطية فالرجل يملك ولايته العامة ضمن حدود نقابته بالكامل ضمن شرعية الانتخاب، أمام موظف خدمة عامة بأعلى منصب تنفيذي لا يملك من ولايته العامة ما يكفي ليصدر قرارا مثلا بوقف الاعتقالات أو محاسبة التجاوزات الأمنية ضد المعلمين المضربين.

وفي أكثر مشاهد الأزمة بؤسا على الصعيد الإعلامي والذي تجلت فيه بؤر الصراع وقوته الحقيقية، كان في برنامج حواري شهير على قناة رؤيا الأردنية، حين تواجه نقيب سابق (وهو إخواني منظم ومسيس) مع ضيف آخر، هو أفضل ما حصدته العقلية الأمنية البائسة في ثنايا الإعلام الأردني منذ سنوات طويلة، ليتمخض الجبل الإعلامي الهلامي فيتولد ذلك المنطق الهزيل في استحلاب العواطف "الوطنية" بشكل بائس أمام تيار إخواني عريق ومنظم وقادر بحكم الخبرة على المواجهة أمام تلك الخطابات الهزيلة.

لكن، وخلف المشهد البائس كله، كان الأردني "المتعاطف مع المعلمين والطلاب عموما"، يحاول حسم قراراته بحيرة وارتباك واضح، فهو الآن في أكبر هزة يشهدها أكبر قطاع عام في الدولة، ماكينة التربية والتعليم، المنهار أصلا لا ببؤس واقع وحال معلميه وحسب، بل ببؤس حال مناهجه الحكومية التي تراجعت إلى حد صار التعليم الخاص "التجاري البحت" حلما لكل أردني وإن عجز عن ذلك، وصار القطاع التجاري "المتنفذ والمتحكم جدا بأعلى مستوياته" يحاول التوغل في قطاع التعليم العام والتغول عليه، وإلا ما المعنى القانوني والمهني والدستوري والأخلاقي لإقحام أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين في مسارات أداء معلمي وزارة التربية وهي شركة أهلية مسجلة بهدف الربح التجاري؟!

♦♦♦

ومن ضمن الاستقطابات على هذا الجمهور، كانت ولا تزال محاولة خطف روح النقيب الراحل في حادث مؤسف ومفاجئ، أحمد الحجايا.

فهو الذي انتشر له فيديو شهير يواجه فيه نائبه (الذي أخذ موقع القيادة الآن) يتهمه فيه بأن ولاءاته للحزب الإسلامي وليست للوطن ولا للمهنة!

كل ما هو مطلوب، في الأزمة وحتى ما بعدها، استعادة الدولة الأردنية

اليوم، وفي ظل كل هذا الاستقطاب، يمكن ملاحظة خطف مواقف النقيب الراحل من كلا الطرفين، الأمني الذي يقود موقف الحكومة ببؤس، والإخواني الذي يختطف موقف العموم بخبث، فالموقف الرسمي يركز على هذا الفيديو، متناسيا أن الحجايا كان مقاتلا شرسا في الدفاع عن مصالح المهنة والمطالبات المهنية التي ترفضها الحكومة، والتيار الإخواني عبر أذرعه الممتدة بذكاء يروج للنقيب الراحل بلغة وخطاب "الشهيد" ويحاول تجيير كل ثقافة سيد قطب في مربع ذلك "الشهيد" الذي يعملون على تصنيعه من جديد.

بينما الحجايا ـ رحمه الله ـ في الحقيقة هو نموذج ورمز الأردني المعياري الذي يحمي العرش حتى من مغامرات المحيطين بهاذ العرش، هذا الأردني الواقع في كمين بين أطراف غريبة عنه بمطالبها وغاياتها ومصالحها.

♦♦♦

أسوأ ما يواجه أي دولة في عالمنا، هو نقض وهدم بنيتها التعليمية والمعرفية، ومطالب المعلمين ضمن وصفة وبرنامج مرحلة الراحل الحجايا، كانت مطالب مهنية بحت، لا تملك الحكومة (أو من يقودها) إلا أن تعترف بها ولو على مراحل، والتفاوض والحوار حتى على مستوى رئيس الوزراء الذي كان وزير تربية وتعليم سابقا هو الحل ضمن أسس تراعي العدالة المهنية وتفويت صناعة كرة الثلج المتدحرجة لتصبح أزمة سياسية لا يمكن التحكم بمآلاتها.

كل ما هو مطلوب، في الأزمة وحتى ما بعدها، استعادة الدولة الأردنية، لا أكثر، وهو أكثر نفعا من محاكمات عبثية لرجل مهزوز يتصادف أنه اختير (ربما عمدا) رئيسا لحكومة المملكة الأردنية الهاشمية.

اقرأ للكاتب أيضا: همزات الوصل والقطع في البلاغة السياسية العربية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG