Accessibility links

الصين.. الخطر القادم


متظاهرون في هونغ كونغ يحملون علم الصين ووضعت فيه النجوم على شكل علامة الصليب المعقوف النازية_أرشيف

محمد المحمود/

ينظر كثيرون بتفاؤل إلى صعود المارد الصيني بنهضته الاقتصادية/ التقنية التي تعد بقرن صيني قادم؛ وفق تقديرات كثير من المراقبين، بينما أنظر بتشاؤم، بل وبقهر وغيظ وألم، إلى هذا النهوض الصيني الذي سيؤدي في النهاية إلى منح القيم الشرقية الكُلْيَانية المعادية للحريات الفردية كثيرا من الاعتبار والنفوذ. ما يعني أن هذه القيم لن تبقى حبيسة الظرف الزمكاني الشرقي في معاقله الأصلية في الشرق الأقصى الناهض على محاور رؤية استبدادية شمولية، بل سيمتد إلى كل العالم، وسيتسع باتساع نفوذ الشرقيين.

لا يخفى أن ثمة متفائلين بالنهوض الصيني، وأن هؤلاء المتفائلين هم من جماهير متخلفي العالم الثالث، الواقعين في أسر الضدية الغربية التي لا ترى الغرب إلا من خلال زمن الاستعمار البائد، أي من خلال رؤية دوغمائية ضدية تتصور الغرب دائما، وأبدا، وأزلا، وفي كل الأحوال، بوصفه عالم القهر والعدوان والاستغلال.

يتصور أولئك الذين يحملون الغرب مسؤولية تخلفهم، أولئك الذين يرمون على الغرب مسؤولية فشلهم، وعجزهم المزمن، وانحطاطهم، وتردي قيمة الفرد الإنساني في عالمهم، أن النفوذ الصيني المتصاعد سيكون مزاحما ومناكفا لهذا الغرب الذي يتوهمونه عدوا بالأصالة، وبالتالي، سيتراجع النفوذ الغربي المقرون ـ في أوهامهم ـ بالقهر والعدوان والاستغلال. فهو ـ إذن ـ ليس فرحا وابتهاجا بالصين والشرق الناهض، بقدر ما هو شماتة بالغرب الآفل، أو الغرب الذي يتوهمونه آفلا عما قريب؛ بينما لن يأفل على المدى البعيد، إذ هو الأقدر على الصمود الطويل بما يمتلكه من قدرات الوعي العميق الذي يُتِيح له مراجعة الذات، واستئناف مشروع الانبعاث الحضاري.

في العالم الغربي تقع بعض الأحداث وحالات الطوارئ التي تتطلب مقدارا من القوة الخشنة للحفاظ على السلام الأهلي؛ ولردع الاستثناء المشاغب والعابث الخارج على المجتمع. غير أنه يخضع لنوع من التعامل المرن


عندما تأسست الولايات المتحدة كفردوس للحرية؛ كانت مفردات حقوق الإنسان تتخلل مراحل بنائها النظري، بصرف النظر عن التطبيقات المتعثرة، والاضطرارات الملجئة التي استمرت تنازع المثالية النظرية على مدى قرن ونصف تقريبا، بل وبعضها لا يزال حلما نظريا لم يتحقق بالكامل، أو لم يتحقق دونما انقطاع أو تأزم. الدستور الأميركي، فضلا عن دساتير بقية دول أوروبا الغربية، كلها تضع حرية الإنسان وحقوقه في صلب مدوناتها الرئيسية وشروحها/ موادها التفصيلية. ومن ثم، أصبحت حقوق الإنسان في هذا العالم الغربي مرجعية عليا في الضمير، وتحولت التصورات المنبثقة عنها إلى أقانيم مقدسة لا يجوز المساس بها، ولا الخلاف عليها، فهي مرجعية نهائية في التفكير الإنساني/ التنويري الذي تنتسب إليه حركة الفكر الغربي صراحة أو ضمنا؛ كما هي مرجعية في النصوص الدستورية المسطورة نصا. وبهذا، تكون كل المراجعات والمرافعات والتعديلات ليست نشاطا نقضيا لتلك المرجعية؛ بقدر ما هي نشاط تكميلي، من حيث هو يتمحور حول المفاضلة بين أكثر الأفكار/ النّظم/ الإجراءات/ الآليات ضمانة لحقوق الإنسان.

في العالم المتحضر حقا/ الغرب قد تقع بعض الانتهاكات التي تطال حقوق الإنسان. وهذا طبيعي؛ لأن من يوكل إليهم وضع هذه الحقوق على أرض الواقع هم بشر تتجاذبهم نوازع شتى، نوازع ليست إنسانية في كل الأحوال. المهم، أن هذه الانتهاكات في الغرب ليست كتلك التي تكون في الشرق. الانتهاكات في الغرب تتميز بميزتين تجعلانها تختلف اختلافا جذريا/ جوهريا عن الانتهاكات التي تجري في الشرق. الميزة الأولى أنها انتهاكات معزولة واستثنائية وعابرة، ومن ثم ـ وهذا هو المهم ـ ليست سلوكا ممنهجا، ليست منهج إدارة، ولا منهج سلوك اجتماعي/ سياسي، بل هي خارج السياق العام: الثقافي الاجتماعي والسياسي. والميزة الأخرى أن الوعي الثقافي العام يجرمها؛ كما تجرمها الأنظمة والقوانين، وبالتالي، فهي مرفوضة بقوة الضمير وبقوة القانون، ما يجعلها تخضع للمساءلة الثقافية والقانونية التي تمنع تكرارها، أو تحد من احتمالية تكرارها، كما أنها تهبط بها إلى أدنى مستوياتها؛ فيما لو تكررت في ظرفا ما/ ظرف طارئ. وقد أثبتت الأحداث والوقائع خلال العقود السبعة الماضية أن الغرب المتحضر/ العالم الأول لديه حساسية فائقة في كل ما يمس انتهاكات حقوق الإنسان، وأن كل مكونات المجتمع الغربي فيه متعاضدة ومتضافرة ـ على نحو صريح أو ضمني ـ للحفاظ على هذه الحقوق، وعلى الحريات التي يقع الحفاظ عليها في صلب هذه الحقوق.

في العالم الغربي ـ كما في غيره ـ تقع بعض الأحداث وحالات الطوارئ التي تتطلب مقدارا من القوة الخشنة للحفاظ على السلام الأهلي؛ ولردع الاستثناء المشاغب والعابث الخارج على المجتمع. غير أنه يخضع لنوع من التعامل المرن/ العلاج بأقل قدر ممكن من القسر والإكراه، وبكثير من الضوابط التي تضمن عدم الإفراط في استخدام القوة. بينما في الشرق، ولتفاهة قيمة الإنسان في الوعي العام، نجد الحلول/ آليات التعامل تتوسل القوة الخشنة المتوحشة من دون أية ضوابط تقريبا، بل غالبا ما يتم الأمر في سياق مواجهة تغالبية قهرية مفتوحة، حتى إنها في أحيان كثيرة تصل حد الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، وقد "تغلب الاتحاد السوفييتي على أزمته العميقة في الثلاثينيات من خلال القتل المنظم للعدو الداخلي "الكولاك" أي الفئات الوسطى والكبيرة من الفلاحين الذين قتل منهم الملايين، أو كذلك "المنحرفون والخونة" بشتى أشكالهم في داخل الحزب الشيوعي (تعايش الثقافات، هالد موللر، ص92). وطبعا، مثل هذا المسلك الاستئصالي من المستحيل أن يحدث في الغرب في الزمن الذي حدث فيه في الشرق/ الاتحاد السوفييتي، لا لأن الأنظمة والقوانين ونصوص الدساتير الصارمة تمنعه فحسب، وإنما أيضا لأن الوعي الثقافي العام والمتجذر يرفضه، بل ويجرمه، إنه "مسلك/ حل إجرامي" يقع خارج نطاق المفكر فيه غربيا، مسلك/ حل لا يقع ولا حتى في خيال السياسيين الغربيين.

إن الحياة البشرية، من حيث هي وقائع فردية، لا اعتبار لها في الثقافة الشرقية، والمتشكلون بهذه الثقافات الشرقية يعجبون أشد العجب من هذا الاهتمام/ التوقير لـ"الحياة البشرية" في الثقافة الغربية، بل ويرون أن ثمة مبالغة كبيرة في هذا الأمر، مبالغة لا يستطيعون تفسيرها إلا في سياق أوهام المؤامرة الغربية/ الهجمة الإمبريالية على الشرق؛ كما هو واضح من سلوك الصين مع الانتقادات الغربية في كثير من الملفات. فما ليس طبيعيا في الغرب (من حيث هو جرائم وانتهاكات تستحق العقاب والتجريم)؛ هو في الشرق طبيعي جدا، بل وأكثر من طبيعي في بعض الأحيان، حيث ينال كبار المجرمين المكافأة والتكريم، وتستقبلهم الجماهير (الجماهير التي مردت على ثقافة تهميش الإنسان) بالتوقير والتعظيم.

لقد حاولت المفكرة الألمانية-الأميركية/ حنة أرندت تفسير ظاهرة الاستهانة الشرقية بقيمة الإنسان من حيث هو إنسان، ورأت أن السبب الأهم يرجع إلى النمو السكاني الذي كان منذ القدم ظاهرة تسم الشرق دون الغرب. تقول: "الشعور الغالب لدى إنسان الجمهور بأنه غير ذي نفع، إن كان ظاهرة جديدة في أوروبا، إذ نبع من البطالة ومن النمو الديمغرافي في 150 سنة الأخيرة، فإنه ظل يسود في الشرق منذ غابر العصور، في حالة عميقة من احتقار قيمة الحياة البشرية"، وفي اعتقادها فإن "مخاطر النظام التوتاليتاري ماثلة بصورة مخيفة في البلدان التي ألفت الاستبداد الشرقي التقليدي، كالهند والصين، إذ توجد المادة الأولية للاستبداد الكلي وآلياته، وهي كثرة السكان" (أسس التوتاليتارية، ص36)

وما تؤكد عليه حنة أرندت هنا من حيث كون الشرق كان يتشكل منذ القدم بثقافة راسخة الجذور في تبخيس الإنسان، كان الفيلسوف الألماني الشهير/ هيجل قد ألمح إليه من قبل، عندما لاحظ "أن ماهية الإنسان غائبة عن التفكير الشرقي، ولأنهم كذلك "الشرقيين"، فإنهم يعيشون عبودية دائمة، ذلك أنهم لم يكونوا في يوم ما أحرارا" (الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة، عبدالله إبراهيم، ص179). وهذا يعني أن الإنسان الشرقي لا يستهين بحياة الآخرين ويهمش وجودهم الحقيقي في تمظهره على مستوى الحرية الفردية فحسب، وإنما يستهين ـ ابتداء ـ بذاته هو؛ بقيمته كإنسان يتجاور ـ على مستوى الندية الكاملة؛ حرية وحقوقا ـ مع أي إنسان.

إن قيم ومبادئ الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية وحقوق الإنسان التي شكلت العمود الفقري لمجمل الحراك النهضوي/ التنويري الغربي لم تتعولم، وتصبح أُفقا للوعي الإنساني العالمي، بل وضميرا كونيا/ كليا، إلا بفضل قوة الغرب المادية، وابداعه التقني، وإبهاره الثقافي، وتقدمه الاستثنائي في كل هذه المجالات، وهو التقدم الذي صنع نفوذه الطاغي خلال القرنين الماضيين؛ فكان العصر بحق هو عصر الغرب. وهذا يعني أن الصين ستستطيع بنفوذها ـ إذا ما استمر في تصاعده على هذه الوتيرة ـ تحقيق ما يشبه الانقلاب على مستوى القيم المتعولمة التي كانت تسير نحو أفق إنساني واضح يجد جذوره الأساسية في تراث التنوير؛ لنصحو على عالم يتعولم صينيا، أي عالم مأساوي يتعولم وفق القيم والمبادئ والتصورات الشرقية التي تسترخص حياة الإنسان.

_________

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG