Accessibility links

الطاغية حين يرحل.. وحين يموت


معمر القذافي وعمر البشير في صورة تعود للعام 2010

مالك العثامنة/

نهايات الطغاة، كثيرا ما كانت تشكل عامل جذب عندي. ألملم أيامهم الأخيرة، وأحيانا تفاصيل ساعاتهم بعد رحيلهم (عن الحكم أو الحياة). أحاول، في تخيّل بصري داخلي، أن ألملم تلك الصورة لهم كمادة ثرية أتوسع في رؤيتها ربما كحالة تشفي إنسانية تواجه ما عرفته عنهم من استبداد وطغيان.

كثيرا ما تخيلت تلك الحكاية عن ستالين حين مات، وقد أغلق على نفسه غرفته فأصيب بالجلطة التي قضت عليه، ولم يجرؤ حتى حرسه أن يفتحوا باب غرفته عليه بدافع الرعب الذي ملأهم. الرعب نفسه الذي زرعه ستالين في قلوب كل من حوله، ذات الرعب الذي زرعه، تحول إلى منجل موت حصد روحه.

موسوليني الذي تحول إلى أكبر آلة بطش؛ كثيرا ما سرحت في خيالي محاولا التقاط مشاعره وهو على وشك أن يقتل بثورة غضب جارفة ويعلق من قدميه مقلوبا مع عشيقته كلارا!

الأمثلة على هؤلاء الذين احترموا الإنسان في داخلهم وحولهم، قليلة لأنها لا تثير شهية الرواة

فيديوهات القبض على الرئيس الليبي معمر القذافي؛ كنت أعيد عرضها وأتوقف عند لقطات معينة تم تصويرها برداءة هواتف خلوية مرتبكة ومرتجفة وغاضبة، أحاول التقاط أنفاس الديكتاتور وأسعى لقراءتها.

اللحظات الأخيرة في عملية إعدام الرئيس العراقي صدام حسين؛ كثيرون من مناصريه يرون في ثباته "الإيماني" لحظة شجاعة، وأنا أرى فيها عجرفة لم تمت حتى النفس الأخير، نفس المستبد.

في كتاب "الأسد بين الرحيل والتدمير الممنهج" يروي مؤلفه سامي كليب رواية، لم أجدها عند غيره، عن ساعة الرئيس السوري حافظ الأسد الأخيرة، حيث مات الرجل وهو في غرفة مكتبه وحده وهو يهاتف الرئيس اللبناني الأسبق إميل لحود، انقطع الصوت على لحود فجأة، حين دخلوا على الأسد، كان ميتا وسماعة الهاتف متدلية بجانبه.

حتى الطغاة الذين لم يموتوا، أتابع أخبارهم قدر الإمكان من منافيهم وملاذاتهم، أتابع صورة مسربة لزين العابدين بن علي، أحاول قراءة ملامح الهزيمة على وجه طاغية، أتأمل في صور محمد حسني مبارك وأحاول تصيد لحظة أسف على وجهه.

آخر عنقود الثورات العربية، عمر حسن البشير، ولندرة ما يتم تسريبه عنه، أحاول بجهد تخيل ملامح المستبد الذي انكسرت صنميته بين يوم وليلة.

في المقابل..

وبدون كثير من جهد، أتخيل ذلك الاطمئنان في رحيل هؤلاء الذين احترموا إرادة شعوبهم، الذين لم يطغوا ولم يستبدوا، فأتخيل رحيلا هادئا لا أوجاع فيه.

فعلى عكس عمر البشير أو جعفر النميري الذي مات مقهورا في منفاه، يموت المشير الراحل عبد الرحمن سوار الذهب فتشعر بالأسف والحزن على الرجل حتى لو كنت على نقيض من رؤيته السياسية، تحترمه وتحني رأسك لذكراه.

شارل ديغول، الذي قال ذات رجفة كبرياء وطنية أمام ونستون تشرشل: أنا فرنسا، اختار أن ينحني لإرادة الفرنسيين فترك الإليزيه وغادر إلى بيته الريفي ليموت هناك بهدوء فبقي عظيما في عيون العالم.

قرأت مرة منذ زمن طويل أن جواهر لال نهرو، زعيم الهند وسيد استقلالها الوطني، حين حضره الموت، كان يتمتم أبياتا شعرية تتحدث عن رؤيته لغابة عميقة وكثيفة أمامه.

الرعب نفسه الذي زرعه ستالين في قلوب كل من حوله، تحول إلى منجل موت حصد روحه

فاتسلاف هافيل، المسرحي العظيم الذي تولى رئاسة تشيكوسلوفاكيا وقام بهندسة تفكيك الشيوعية فيها، ثم تولى رئاسة التشيك بانتخابات حرة، وقضى عمره مدافعا عن حقوق الإنسان، غادر العالم بهدوء وبلا ضجيج عام 2011 لكن ذكراه بقي محترما ومؤبدا.

الأمثلة على الاستبداد كثيرة، لأنها مثيرة وتجد صداها في الحكايات الصحفية والمتواترة، لكن الأمثلة على هؤلاء الذين احترموا الإنسان في داخلهم وحولهم، قليلة لأنها لا تثير شهية الرواة وناقلي الحكايات ولا تثير شهية المتلقي أيضا. ذلك المتلقي العادي الذي يبحث عن الانتقام من الطغاة ولو بالحد الأدنى المتمثل بصيغة الرحيل والموت.

اقرأ للكاتب أيضا: الأردن: انزلاق من مكاتب الدولة إلى دولة المكاتب

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG