Accessibility links

الطريق إلى مستنقع الوطنيات


لبنانيون أقاموا سلسلة بشرية للتأكيد على الوطنية ورفض أية استقطابات دينية أو سياسية.

رستم محمود/

طوال قرن مضى من أعمار بلداننا الحديثة، شغلت "النزعة الوطنية" موقعين استقطابيين. هامشي خاضع لديناميكيات وسلطة القومية المطلقة والإسلام العالمي والطائفية المناطقية. وموقع آخر تسلطي، عنفت فيه النزعة الوطنية غيرها من الحساسيات، أنكرتها وطغت عليها، وألبستها أثواب التآمر وتحطيم الأوطان.

في الحيز الأول، تقاسم كل من الإسلام السياسي والقومية العسكرية، العربية منها بالذات، محاولات كبح وكبت الوطنيات. إذ كانت الإيديولوجيتان القومية والإسلامية تريان في الوطنية منبعا لمنع تشكل الأمة، جماعة وكيانا، وهو ما كان يضرب أُس الخطاب والسطوة التي كانت لهما. فالوطنية بما كانت تعنيه من ضبط وتعيين وتعريف للمجتمعات حسب الكيانات المتوفرة، أنما كانت تختلق أمما وشعوبا جديدة، غير متطابقة لما كانت تطرحه تلكم الإيديولوجيتان. وبذا فأن هذه الوطنية كانت تنفذ عمليا برنامجا يضرب الأساس التاريخي للإيديولوجيتين الإسلامية والقومية، ويسحب منهما شرعية أوهام الجماعة الكبرى المطلقة وأساطير الأصل المشترك، التي يحق لها أن تمحق أية جماعات أو شعوب مختلقة.

أعتبر الإسلاميون أن الوطنيات تفكك أداتهم لوعي المجتمعات. فالوطنيات حينما تسعى لمساواة مختلف الجماعات الأهلية في المتن والقانون العام، أنما تتجاوز منطق الإسلاميين التقليدي في فهم مجتمعاتنا، عبر تقسيمها إلى جماعات أهلية، مذهبية وطائفية، يشغل فيه المسلمون السنة السلطة المركزية، السياسية والرمزية، بينما تدور باقي الجماعات وحقوقهم في فلكها.

القوميون كانوا يرون في الوطنيات منبعا لتشكل مراكز القوة الداخلية، الاقتصادية والسياسية والمجتمعية، التي تقف بمجموعها في وجه سياسات القوميين الخطابية/الشعبوية والانقلابية/العسكرية. كان القوميون في مختلف البلدان، يرون في الوطنية ورجالاتها ورموزها المرآة التي تعكس رثاثتهم وتواضع منابتهم الاجتماعية والثقافية، وطبعا بدلاء موضوعيين لسطوة القوميين على الكيانات والمجتمعات. لأجل كل ذلك، فإن القوميين عاشوا عداوة مطلقة مع تلك الوطنيات، ليس داخل بلدانها فحسب، بل حتى في دول الجوار.

من الجزائر إلى العراق، مرورا بليبيا ومصر وسوريا، ومثلها دول وأنظمة غير قليلة أخرى، كان قمع النزعتين القومية والإسلامية لنظيرتها الوطنية، الركن الأساس للحياة العامة. الشيوعيون والقوميون السوريون، وغيرهما الكثير من التيارات السياسية الإطلاقية، كانت تملك عداء مماثلا للوطنيات، لكنها لسوء حظها، ولحسن حظ أبناء هذه الكيانات، لم تتبوأ مقاليد السلطة في أي من هذه البلدان، لتكون جزء من هذا الصراع.

***

في بعض الكيانات الأخرى، الأصغر حجما وحيوية، مثل لبنان والأردن وتونس وبعض دول الخليج العربي، وفي حُقب سياسية متفاوتة، تمكنت الوطنية من أحراز مواقع الصدارة السلطوية، لكنها لم تكن أفضل حالا في علاقتها الصراعية مع باقي الحساسيات، وفي مستوى ما مارسته من قمع وإقصاء وسادية بحق الحياة العامة في تلك التجارب.

فالوطنيات غالبا ما كانت غطاء لطغيان جماعة أهلية ما في واحدة من هذه البلدان على باقي الجماعات الأهلية في نفس البلد، عبر احتكار الطاقة الرمزية والسياسية للنزعة الوطنية، وبالتالي للكيان ومقدراته ومؤسساته. فعلت المارونية السياسية ذلك في لبنان، أثناء خمسينات وستينات القرن المنصرم. كذلك مارس الأردنيون الشرقيون أشياء كثيرة من ذلك في الأردن، وجربت البورقيبية في تونس وقلدتها العشائر الرئيسية في الكويت.

طابقت تلك الوطنيات الأوطان مع الجماعات المركزية وحساسياتها ولغاتها ورموزها وقراءاتها للتاريخ والحاضر، وسمحت لنفسها لأن تكون قومية محلية مقنعة، تفعل عبرها وتمارس ما تراه مناسبا لمصالحها وتطلعاتها هي.

كذلك فأن الوطنية كانت أداة طيعة بيد الحاكمين الأقوياء لتلك الدول، ليصنعوا وشائج رمزية وهمية عبرها، فيما بينهم وبين القواعد الاجتماعية الجاهزة الأكثر جاهزية لقبول الشعبوية الوطنية. كانت العصبية الوطنية أساس تلك العلاقة الجوفاء بين هؤلاء الحاكمين وتلك القواعد. تلك الوشائج التي كانت بالضرورة مناهضة لواحدة أو أخرى من الجماعات الأهلية الداخلية وتطلعاتها، أو حتى لواحد من دول الجوار. بذا كانت الوطنيات غطاء جاهزا للعصبيات الشعبوية العدوانية، سواء للجماعات الداخلية أو دول الجوار.

على أن أفظع ما فعلته الوطنيات، هو تحويل الكيانات والدول إلى بداهات مطلقة، أظهرتها وكأنها متأتية من تاريخ سحيق غير معروف الأصل، سابق لوجود المجتمعات، أيا كان شكلها وأدوات حضور مختلف طبقاتها وحساسياتها ومواقفها من/في هذه الكيانات. فعلت الوطنيات بالكيانات شيئا مماثلا لما كانت تتصوره وتفترضه الإيديولوجيات الإطلاقية الإسلامية والقومية حول الأمة، كغول أسطوري عتيق، سابق لكل قديم، وصاهر لكل حديث.

لأجل تلك الفاعلية بالضبط، كانت الوطنية في مرات غير قليلة صهرية وعنيفة، لأنها كانت بكماء غير قادرة على سماع "الأساطير" الأخرى، التي كانت تفترض بداهات مثيلة لما تفترضه الوطنية من بداهات حول الأوطان، وتصطدم معها.

***

قد يكون ذلك مفاجئا للكثيرين، بالذات ذوي الخطاب الخلاصي عبر شعارات "الوطنية هي الحل"، الذين صار ما أكثرهم بعد الربيع العربي. هؤلاء الذين لا يتناسون بأن اللاجئين الفلسطينيين في كل من الأردن ولبنان، ومن بعدهم السوريون في كِلا البلدين، إنما واجهوا أفظع أشكال العنصرية من ذوي النزعات الوطنية في كلا البلدين. وأن العنصرية الموجهة ضد اللاجئين والأجانب أنما تتأتى دوما من عقل وطني.

يجود تاريخ منطقتنا بأمثلة لا تُحصى، الوطنية العراقية في زمن عبد الكريم قاسم هي من فتحت مهرجان الدم السياسي وسحل الخصوم في الشوارع، والوطنيون السوريون عام 1961 هم من سحبوا الجنسية من مئات الآلاف من الأكراد السوريين، ودول الخليج تستند على ترسانة العنف الوطني الفظيعة لعدم منح المقيمين من العمالة الأجنبية أية حقوق، ولو الآدمية بحدها الأدنى، وأن عبد الكريم قاسم استند على خطاب الوطنية العراقية لمحاولة غزو الكويت عام 1959، وأن صدام حسين أعاد الكرة نفسها بعد أربعة عقود، وأن الوطنيين السودانيين كانوا الأكثر قسوة مع سكان جنوب السودان، وهكذا.

بمعنى مباشر، كانت الوطنيات تملك الأدوات الكافية لأن تمارس كافة سلوكيات وسياسات ومخرجات الإيديولوجيات السياسية الإطلاقية في بلداننا، وإن بخطاب أكثر ليونة.

تعود الوطنية راهنا لأن تنمو في أكثر من بلد من بلدان منطقتنا، خصوصا منها تلك تشهد أجواء الموجة الثانية من الربيع العربي، في لبنان والعراق، ومن قبلهما في الجزائر والسودان.

تعرض الوطنية نفسها في هذه البلدان كخلاص ثلاثية الفاعلية. فهي من جهة تناهض أشكال الهيمنة الإقليمية على هذه البلدان، الهيمنة الإقليمية التي تسعى لتحطيم رموز وإمكانية استقلال المجال العمومي في هذه البلدان. كذلك فإن الوطنية تعرض نفسها كعتبة خلاص من أشكال الطائفية والمناطقية السياسية، التي تحولت إلى تحاصص بيني لموارد وخيرات البلاد، المادية والرمزية، وأدوات اشعال حروب أهلية باردة، لكن مستمرة. فوق ذلك، فأن الوطنية تفترض بأنها الحل الواقعي لمجموعة الأزمات الخدمية والاقتصادية والاجتماعية في هذه البلدان، التي تهدد كل لحظة بتحطيم السلام الاجتماعي.

لكن، ومع كل ما تعرضه الوطنية في هذه أو تلك من البلدان، وبالرغم من التاريخ المريع للإيديولوجيات الإطلاقية التي ناهضت نمو الوطنيات في بلداننا، لكن المعروض من نزعات الوطنية راهنة، تبقى غير محصنة من الوقوع في براثن ما ارتكبتها من قبل.

هي كذلك لأنها غير واعية لتراث الوطنيات في بلداننا والعالم، ولأنها مجرد ردة فعل عمياء على مجموعة من القوى والنزعات الإيديولوجية الإطلاقية المختلفة عن الوطنية ظاهرا فحسب، ولظرف الهيمنة الإقليمية المتعامدة مع الشعوبية العالمية، وأولا لأن مجتمعاتنا تظهر وكأنها عارية من كل شيء، لا شيء يجمع ويحمي ويعاضد مكوناتها وقواها.

لأجل كل ذلك، فإنها جاهزة لأن تُصلي وراء أي "نبي"، وإن كانت قد جربت صلاحه من قبل، وعرفت طلاحه تماما.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG