Accessibility links

العراق: هشاشة التحالفات


ضابط كردي ينتخب في إقليم كردستان في العراق

بقلم إياد العنبر/

لا تزال انتخابات 2018 تؤشر تحولات مهمة في المشهد السياسي العراقي، على خلاف ثلاث دورات انتخابية بدأت منذ 2005. وعلى الرغم من بقاء التوزيع الطائفي والقومي للمناصب العليا (رئيس الجمهورية ـ كردي، رئيس مجلس الوزراء ـ شيعي، رئيس مجلس النواب ـ سني) إلا أن الاتفاقات السابقة، والتي كان يصطلح على تسميتها بـ"السلة الواحدة" بشأن مرشحي الرئاسات الثلاث، قد انكسرت هذه المرة بوصول محمد الحلبوسي إلى سدة الرئاسة في مجلس النواب بحصوله على 169 صوتا في مقابل حصول منافسه خالد العبيدي على 89 صوتا. فهذا التنافس كان غائبا في الدورات السابقة. ومن جانب آخر، ويبدو أن التنافس بين مرشحي الأحزاب الكردية على منصب رئيس الجمهورية، وبانتظار حسمه حسب التوقيتات الدستورية، مؤشر آخر على عدم العودة مرة أخرى إلى "اتفاق السلة الواحدة".

المؤشر الرئيس في هذه التطورات هو هشاشة التحالفات السياسية، والتي لم تحسم بإعلان الكتلة النيابية الأكثر عددا! ويبدو أن هناك ضبابية وعدم وضوح في مواقف الشخصيات والأحزاب أو الكتل السياسية، حتى وأن بدت منضوية بعناوين تحالفية. إذ حاولت القوى السياسية السنية توحيد مواقفها في تحالف "المحور الوطني" لكنه لم يصمد أمام تقاسم المناصب، واستقطابات القوى السياسية الشيعية المتنافسة على تشكيل الكتلة النيابية الأكثر عددا. والتي انقسمت ما بين "تحالف البناء" بزعامة هادي العامري، وتحالف "الإصلاح والبناء" وصاحب النفوذ الأقوى فيه "سائرون" بزعامة السيد مقتدى الصدر.

الأحزاب العراقية أحزاب هيكلية تقوم على بنية أوتوقراطية، وليست أحزاب جماهيرية

لكن هذه التحالفات سرعان ما كشفت عن هشاشتها أمام تحدي اختيار رئيس مجلس النواب، والذي حسم بالتوافق ما بين السيد مقتدى الصدر وهادي العامري. بعناوينهم القيادية وليس بعناوينهم التحالفية، ولذلك كان ترشيح السيد خالد العبيدي محاولة للانقلاب على هذا التوافق من قبل شركاء السيد مقتدى الصدر في تحالف "الإصلاح والإعمار". ومن مظاهر هشاشة التحالف، الاجتماع الأخير لقيادات حزب الدعوة الإسلامية، والذي ضمن قطبَيه المنقسمَين بين تحالفي البناء والإصلاح والبناء، ليبحث ضمان عدم خروج منصب رئاسة الوزراء من حزب الدعوة.

اقرأ للكاتب أيضا: وطنيون بالشعارات فقط

عدوى الهشاشة انتقلت إلى الأحزاب الكردية، إذ خلافا للدورات الانتخابية السابقة، يبدو أن الأحزاب الكردية لن تكون موحدة داخل قبة برلمان 2018 ـ 2022 تحت عنوان "التحالف الكردستاني". فالتنافس بين الحزبين الكرديين، "الاتحاد الوطني الكردستاني و"الحزب الديموقراطي الكردستاني" على منصب رئاسة الجمهورية بمرشحين الدكتور برهم صالح مرشحا عن الاتحاد الوطني، والأستاذ فؤاد حسين مرشحا عن الحزب الديموقراطي، مؤشر على محاولة لإعادة ترتيب خارطة التوازنات السياسية داخل إقليم كردستان، والتي سوف تعتمد على ما تفرزه نتائج الانتخابات داخل الإقليم في 30 أيلول/سبتمبر.

يمكن تفسير هشاشة التحالف السياسية في العراق بعاملين رئيسيين: يتبلور الأول في تفسير بنيوي يعود إلى هشاشة الأحزاب السياسية في العراق، والثاني يعود إلى طبيعة مرحلة التحول الديموقراطي. وبقدر تعلق الموضوع بالأزمة البنيوية للأحزاب السياسية في العراق ـ باستثناء الحزب الشيوعي العراقي ـ فإنها توصَف مجازا بالأحزاب، والوصف الدقيق لها جماعات سياسية تخضع لقيادات شخصانية تتمتع بكاريزما دينية أو سياسية. وعلى المستوى البنيوي فهي أحزاب هيكلية تقوم على بنية أوتوقراطية، وليست أحزاب جماهيرية تقوم على أساس العلاقة التراتبية والتفاعلية بين القاعدة والقيادة.

ولذلك نجد حزب الدعوة الإسلامية، على الرغم من تاريخه الذي يعود إلى خمسينيات القرن الماضي، قد دخل انتخابات 2018 بعناوينه القيادية وليس بعنوانه الحزبي. وكذلك بالنسبة للحزب الإسلامي العراقي.

والدليل الآخر على هشاشة الأحزاب السياسية في العراق، هو عجز الأحزاب السياسية عن القيام بأهم وظائفها والتي تتحدد بتكوين القيادات السياسية، إذ من مفارقات هذه الأحزاب في العراق أنها غير قادرة على تقديم قيادات سياسية جديدة، ولذلك نجدها تعمل على تدوير قيادتها في المناصب التنفيذية، حتى إذا أثبتت فشلها في الإدارة أو اكتُشِف فسادها.

أما المقاربة التفسيرية الثانية، تحاول أن تقرأ التحالفات الهشة من منظور طبيعة المرحلة التاريخية التي يعيشها العراق، والتي توصف بالتحول نحو الديموقراطية، وهذا التفسير يتجه نحو القراءة الإيجابية. إذ أن عدم العودة إلى التحالفات الطائفية والقومية هو مؤشر إيجابي بحد ذاته، سواء كانت نتيجة لإدراك القيادات السياسية، أو فرضته مصلحة هذه القيادات. فالأمر يقود بالنهاية إلى بداية تصحيح مسار التحول الديموقراطي الذي كان يتخبط ويدور في حلقة مفرغة من الأزمات السياسية.

الأحزاب العراقية توصَف مجازا بالأحزاب، والوصف الدقيق لها جماعات سياسية تخضع لقيادات شخصانية تتمتع بكاريزما دينية أو سياسية

وهذا ما تذهب إليه الدراسات المهتمة بتجارب التحول الديموقراطي، إذ يرى "جون ووتربوري" في مشاركته بكتاب "ديموقراطية من دون ديموقراطيين: سياسيات الانفتاح في العالم العربي/الإسلامي.. بحوث الندوة الفكرية التي نظمها المعهد الإيطالي": "من الناحية العملية إن التطبيقات الديموقراطية قد تنبعث من مساومات يجري التوصل إليها من أحزاب لا خبرة لها وليست ذات التزام فلسفي بالديموقراطية".

إذ يبدأ التحول باتجاه ترسيخ الديموقراطية ـ مع افتراض عدم وجود ديموقراطيين ـ من نقطة أن أطراف المباراة السياسية يبتغون زيادة سلطتهم وقوتهم المادية إلى الحد الأعلى فيتجهون نحو استقطاب المواقف السياسية والاجتماعية، من هنا يكونوا مجبرين على اختيار أنسب الوسائل لتحقيق غاياتهم، فتجري مناصرة الديموقراطية تكتيكيا، كوسيلة للوصول إلى غايات أخرى.

ثم تأتي مرحلة القرار وفيها يمر الخصوم الرئيسيون بمأزق لا يخرج منه أحدهم فائزا فيتفاوضون للوصول إلى حلول وسطى (أو تحالفات كما تسميها الدراسات الخاصة بالتحولات الديموقراطية). ويتم في هذه المرحلة الاتفاق على القواعد الديموقراطية وعلى التعويضات المختلفة التي يحصل عليها كل طرف بالمقابل.

اقرأ للكاتب أيضا: العراق.. المرجعية والاحتجاجات والانسداد السياسي

أما في المرحلة الثالثة، فإن تكرار لعب المباراة الديموقراطية يحدث تعودا، كما يفترض أن يحدث بمرور الزمن تماهي إيجابي لدى معظم المواطنين مع القواعد الديموقراطية.

وبعبارة وجيزة، إن بناء الديموقراطية، إنما ينفذه غير الديموقراطيين الذين يأملون في كسب كل شيء، ولكنهم يتعلمون من خلال التجربة الأليمة والمأزق الذي لا مخرج منه، فإن إمكانية كسب الشيء هي أفضل من إمكانية كسب لا شيء على الإطلاق، وأفضل بكثير من خسارة كل شيء.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG