Accessibility links

دماء العراقيين وتخويف اللبنانيين و"ابتسامة" الجزائريين.. إلى أي نهاية؟


امرأة تحمل الورود خلال مشاركتها في احتفال بعيد الاستقلال اللبناني في بيروت - 22 نوفمبر 2019

لا تزال الاحتجاجات مستمرة بشكل متزامن بين ثلاثة دول عربية يواصل فيها المحتجون المناداة بالقضاء على رموز الفساد كليا، بعد إصرار الحكومات على تمسكها بالسلطة، فمع مقتل المزيد من المتظاهرين في العراق تزداد حدة التوتر في لبنان، بينما يواصل الجزائريون سعيهم نحو الديمقراطية.

كان علي الشمري يبلغ من العمر 29 عاما عندما قصف بيته في الفلوجة خلال معارك مع تنظيم داعش.

سقط سقف البيت بينما كانت أبناؤه الثلاثة وزوجته ووالداه في الداخل، هلكوا جميعا، ولم ينج إلا علي.

وبعد خمسة أعوام تحولت خيمة في ساحة التحرير بالعاصمة العراقية بغداد، إلى مأواه الدائم يقضي فيها كل وقته، معتصما ضد "حكومة مهملة وفاسدة تميت الأطفال" بحسب تعبيره.

جانب من ساحة التحرير التي يعتصم فيها آلاف العراقيين وتتداول خطة لإخلاءها بالقوة
جانب من ساحة التحرير التي يعتصم فيها آلاف العراقيين وتتداول خطة لإخلاءها بالقوة

يقول علي: "لا شيء لدي لأخسره، لذا فإنني لن أغادر أبدا الاعتصام"، مضيفا أنه يطالب بـ"الأمن والرعاية الصحية والتعليم والعدالة وفرص العمل".

ومنذ الأول من أكتوبر، تشهد العاصمة العراقية والمحافظات الجنوبية تظاهرات حاشدة احتجاجا على الفساد ونقص الوظائف وضعف الخدمات. وتصاعدت تلك المظاهرات إلى دعوات لإصلاح شامل للنخبة الحاكمة.

فبعد أقل من أسبوعين من بدء الاحتجاجات، قامت عناصر من الميليشيات في الفلوجة بإشعال النار في منزل علي الشمري، الذي كان قد أعاد بناءه، ردا على تواجده في الاحتجاجات، بحسب وصفه.​

رغم ذلك، لا يزال علي متمسكا بمشاركته في المظاهرات، حيث يقول: "إذا أقدموا على قتلنا فإننا قد نموت، ولكن ستكون الأجيال القادمة قد حصلت على الحقوق الأساسية التي نطالب بها".

وقتل أكثر من 350 متظاهرا وجرح الآلاف في اشتباكات مع قوات الأمن في العراق.

العراق في المركز 169 بين 180 دولة على مؤشر الفساد
العراق في المركز 169 بين 180 دولة على مؤشر الفساد

لبنان.. "العنف الطائفي"

وفي لبنان، بقيت المظاهرات سلمية في معظمها على مدار شهر ونصف، قبل أن يهاجم أنصار لحزب الله وحركة أمل المتظاهرين، صباح الإثنين، بعد اشتباكات متقطعة ومقتل ناشط.

وتتظاهر نجلاء الجبوري، وهي تبلغ من العمر 42 عاما وأم لطفلين، في بغداد كل يوم تقريبا منذ أكثر من شهر وتقول: "بلدنا مليء بالنفط، لكن الحكومة لا تقدم لنا قطرة من المساعدة".

نجلاء الجبوري (42 عاما) وأم لطفلين في المظاهرات في بغداد أملا في مستقبل أفضل لأولادها
نجلاء الجبوري (42 عاما) وأم لطفلين في المظاهرات في بغداد أملا في مستقبل أفضل لأولادها

وعلى خلاف العراق، لا يصدر لبنان النفط، لكن المحتجين يرون أن النخبة السياسية لا تزال تسيطر على معظم ثروات البلاد، تاركة عموم الشعب دون وظائف أو رعاية صحية أو حتى خدمات حكومية جيدة، مثل كهرباء مستقرة وإزالة القمامة.

ورغم أن المتظاهرين في لبنان خرجوا في البداية ببهجة مطالبين بالحصول على حقوهم والقضاء على الفساد، إلا أن الأمل بدأ يخفت في القلوب حيث لم تشهد الأوضاع أي تغيير.

وفي المظاهرات يهتف المحتجون "كلن يعني كلن"، مطالبين بإسقاط النظام السياسي وعناصره كليا، وعندما سئل بعض المتظاهرين إن كان هذا يعني قادة حزب الله، طالب البعض بإطفاء الكاميرات والهواتف التي كانت تقوم بتسجيل الحوار.

فعندما صعد المتظاهرون، الأحد، وقاموا بقطع الطرقات للضغط على السلطات، نزل أنصار حزب الله وحركة أمل الشيعيتين واشتبكوا مع المتظاهرين ليل الأحد الاثنين، رافعين الأعلام الشيعية، في تطور لافت للاحتجاجات في لبنان، وتخوف من أن تتخذ المظاهرات التي يغلب عليها الطابع السلمي مسارا دمويا.

أنصار حزب الله وحركة أمل يلوحون بأعلامهم في وقت يقف فيه الجيش اللبناني ليفصل بينهم وبين المتظاهرين
أنصار حزب الله وحركة أمل يلوحون بأعلامهم في وقت يقف فيه الجيش اللبناني ليفصل بينهم وبين المتظاهرين

وقالت مديرة البحوث للشرق الأوسط في منظمة العفو الدولية، لين معلوف، إن "صور الرجال الذين يحملون أعلام اثنين من الأحزاب السياسية في الحكومة وهما حزب الله وحركة أمل، مسلحين بالهراوات الحديدية والسكاكين والأحجار، ويلاحقون ويضربون المحتجين في الأزقة، ويضرمون النيران في الخيام، ويدمّرون الممتلكات الخاصة في اليومين الماضيين، أمر يثير القلق البالغ، ويتطلب اتخاذ إجراءات حازمة وفورية من جانب السلطات".

وأكدت معلوف أن هذه "الهجمات، التي تبدو وكأنها منسقة، على مدار اليومين الماضيين، قد تشير إلى تصعيد خطير"، ودعت السلطات اللبنانية إلى التحرك على الفور لحماية المحتجين، و"صيانة الحق في التجمع السلمي".

ويخشى عضو البرلمان اللبناني آلان عون من أن تتأزم الأمور وتنقلب إلى عنف إذا بقيت الأمور متوترة، مضيفا أن "الاشتباكات بين قوات الأمن والمتظاهرين غير مرجحة، لكن الانقسامات الطائفية عميقة ومعقدة، ولا تزال ذكريات الحرب الأهلية في البلاد التي دامت 15 عاما حاضرة في الأذهان".

ويواجه لبنان أسوأ أزمة اقتصادية منذ الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين عامي 1975 و1990.

"ثورة الابتسامة"

أما الجزائريون، فلا يزالون يتظاهرون كل أسبوع منذ فبراير الماضي، لكن تتوالى اعتقالات للناشطين في الحركة الاحتجاجية التي سميت بـ"ثورة الابتسامة".

نجح الثوار الذين يتظاهرون أسبوعيا بسلمية منذ فبراير الماضي في إزاحة عبد العزيز بوتفليقة من الحكم في أبريل، بدلا من أن يرشح نفسه لولاية خامسة كما كان قد خطط.

بدا للمتظاهرين أنهم انتصروا في معركتهم، لكنهم لم يفوزا في الواقع، حيث قررت السلطات تنظيم انتخابات رئاسية جديدة في 12 ديسمبر، معظم المترشحين فيها كانوا جزءا من النظام القديم، وهو عكس ما نادوا به برحيل الطبقة الحاكمة كلها.

ويهتف المحتجون حاليا ضد إجراء هذه الانتخابات التي يسعى إليها الجيش بقوة.

تستمر تظاهرات الجزائريون الرافضة للإجراء الانتخابات بالشكل الذي يتم التحضير له
تستمر تظاهرات الجزائريون الرافضة للإجراء الانتخابات بالشكل الذي يتم التحضير له

ويقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة فوردهام جون انتليس إن "الحكومة لم تتغير جذريا، النظام السياسي فاسد في جوهره".

ويضيف أن الحكومة الجزائرية تتسامح مع الاحتجاجات إلى حد ما، لكن إذا تحولت الأحداث الأسبوعية السلمية إلى شيء أكثر صخبا، قد تتحول بسرعة إلى أعمال عنف".

ويوضح "إنه يشبه المسرح السياسي تقريبا، إذا خرج عن النص المسموح به، فإن الجيش سوف يتدخل بقوة".

بدون قيادة.. أفضل أم أسوأ؟

تتقاطع الثورات في الدول الثلاثة مع عدم وجود قيادة محددة أو رؤية واضحة حول طبيعة النصر المنشود.

حراك شعبي غير مسبوق في لبنان يستمر لإسقاط الطبقة السياسية الحاكمة
حراك شعبي غير مسبوق في لبنان يستمر لإسقاط الطبقة السياسية الحاكمة

المتظاهرون في هذه الدول لا ينشدون فقط عزل أفراد ديكتاتوريين، بل يطالبون بتغيير الأنظمة السياسية بالكامل لمعالجة الظلم الهائل، الذي يشمل الفساد والبطالة والخدمات الحكومية الرديئة.

يعتقد المتظاهرون أن دولهم غنية بعكس شعوبها الفقيرة. الحكومات من جانبها وعدت بالإصلاحات بعدما اندلعت الاحتجاجات، لكن في الحقيقة لا توجد إجراءات ملموسة على أرض الواقع.

تستمر الاحتجاجات في الدول الثلاث في التصاعد بدون قيادة، وبخلاف ما يرى أحد المتظاهرين اللبنانيين بأنها "فوضى جميلة"، يخشى أستاذ العلوم السياسية انتليس أن تفشل الحركات الاحتجاجية في تفعيل التغييرات التي تطالب بها إذا لم تكن هناك قيادة.

ويقول: "إنها ليست ميزة على المدى البعيد، لأنه من الصعب تنسيق الحركة الوطنية التي يمكنها أن تتحدى الدولة".

ويدلل انتليس على ما آلت إليه ثورات الربيع المصري في 2011 حيث "انزلقت مصر في نهاية المطاف إلى ديكتاتورية عسكرية أخرى، ولا تزال سوريا في حرب، وانقسمت ليبيا إلى نصفين في الشرق والأخرى في الغرب، تستمر تونس فقط .. في التحول الديمقراطي".

لكن في شوارع العراق ولبنان والجزائر، تواصل الحشود تجمعها، مؤكدين بأنهم لن يتوقفوا حتى يتم استبدال حكوماتهم وتلبية مطالبهم.

المصدر: صوت أميركا

XS
SM
MD
LG