Accessibility links

العرب بين الحداثة والواقع التقليدي


كويتيون في معرض الكويت الدولي للكتاب

بقلم محمد المحمود/

هل استطاعت الأيديولوجيات الحداثية/ التقدمية أن تجري متغيرات نوعية على نظام الوعي العام للجماهير العربية؟ وإذا كان ثمة متغيرات من هذا النوع؛ فبأي مستوى؛ وهل تصل لدرجة تجعلها متحررة من نظام الوعي التقليدي الذي أنتج عصور الانحطاط وصادق عليها؟ وهل جرى استثمار المشاريع الثقافية العربية المنحازة للمسارات التقدمية، أم انتهى بها الأمر إلى الإهمال، فالتآكل التدريجي جعلها مجرد ومضات عابرة في السرديات التي تؤرخ للواقع العربي الحديث؟

يجمع هذه الأسئلة ـ في أصل الاستشكال ـ سؤال محوري هو: أين يقف العرب اليوم من مسار التطور التاريخي، هل تغيروا، أم لا يزالون هم عرب القرون الأولى؟ والجواب الأوليّ، الذي لا ينطق به لسان المقال، بل لسان الحال، هو أن العرب ـ في المجمل العام/ في المحصول الكلي ـ لا يزالون عرب القرون الأولى، عرب اليوم لا يزالون؛ كما كانوا، يصنعون ـ بمنطق الأحلام الشاعرية/ بمنطق "أعذبُ الشِّعر أكْذبُه" ـ صورا تبجيلية عن أنفسهم، وصورا تبخيسية عن الآخرين، ثم يعتقدونها حقائق واقعية لا تقبل الجدال. إنهم لا يزالون ـ كما كانوا ـ يعتقدون أنهم إذا أحسنوا قولا (وحتى الإحسان هنا ليس حقيقة؛ بقدر ما هو إحسان متوهم بمعايير بلاغتهم الشعبوية)؛ فقد أحسنوا فعلا، وأنهم إذا رفعوا أصواتهم؛ ارتفع واقعهم، وأن ما يتحقق فخرا كاذبا في متن قصيدة/ منتج مرئي ـ سينمائي؛ يتحقق صدقا في الواقع.

كثير من الرواد التقدميين لم يكونوا تقدميين في العمق، فهم وإن رفعوا أحدث الشعارات التقدمية فقد كانوا يكتنزون أنظمة الوعي العتيقة

إن تغيير القناعات الراسخة التي تجذرت في الوعي عبر مئات السنين ليس بالأمر اليسير؛ كما توهم ويتوهم كثير من رواد الأيديولوجيات التقدمية الذين تصوروا أن نشر الأفكار التنويرية/ التقدمية عبر وسائل النشر النخبوية التي تمارس دورها بأبوية استعلائية، كفيل بتغيير نظام الوعي العام الذي تناسل ثقافيا في تراث أجيال وأجيال.

وحتى كثير من هؤلاء الرواد التقدميين لم يكونوا تقدميين في العمق، فهم وإن رفعوا أحدث الشعارات التقدمية فقد كانوا يكتنزون أنظمة الوعي العتيقة، التي تشكل البنية العميقة؛ مع بعض التحولات في الأدبيات التي لا تتعدى في كثير من الأحيان الأطروحات الشعاراتية القابلة للاستهلاك ضمن منطق السوق الذي يتحكم به صخب "موضات الفكر"؛ على امتداد القرن العشرين خاصة. وهذا يعني أن حضور "المُكوّن العميق للأفكار التقدمية" لم يكن حضورا مؤسسا حتى عند كثير من مروجيه عربيا. وهو على ضعفه التأسيسي كان نخبويا ومعزولا إلى حد كبير. ثم إنه في أفضل مساراته فاعلية كان أشبه بالجزر المعزولة في بحر الثقافة السائد المهيمنة/ الموروثة، التي كانت تحتاج لصدمات كبيرة، صدمات متواصلة، متناسقة/ متناغمة، ذات أثر تراكمي؛ حتى تتحلحل أقفال القلوب والعقول.

اقرأ للكاتب أيضا: أسئلة النهضة.. الدين والإنسان

لا يمكن لمحاضرة عابرة، أو مقال في صحيفة، أو كتاب مخاتل، أو حتى درس منهجي يتيم (والذي لا يصل تأثيره إلا إلى عدد محدود، وفي دقائق محدود)، لا يكمن لكل هذا مجتمعا أن ينافس ثقافة عامة/ موروثة يتشربها الطفل رضيعا، ويشب عليها، ويتعامل بمنطقها مع محيطه الاجتماعي؛ حتى في أدق التفاصيل.

إن هذه الثقافة الموروثة ليست ثقافة ساعة عابرة من نهار، وليست ثقافة مرحلة أو محطة من محطات العمر، بل هي ثقافة تتكاثف لتحكم كل المراحل العمرية، وتتكرر مؤثراتها القولية والفعلية على مدى أربع وعشرين ساعة في اليوم (بما في ذلك منطق الأحلام)، حتى تتجسّد عادات وتقاليد وأعرافا، و"أصعب شيء في مسار تحولات التاريخ البشري هو تغيير العادات والتقاليد، لا سيما ما ترسّخ منها في العقلية الشعبية، وخصوصا ما حظي منها بصفة المقدّس، وما اندغم بترابها واندمج في تراثها، مصدر هوية الجماعة وحافظ ذكرتها التاريخية، ذاكرة المكان حيث يحقق الإنسان وجوده"(التراث العربي، خليل أحمد خليل، ص153).

لا ريب أن الإسلام يمثّل أكبر منعطف روحي وفكري في تاريخ العرب. ومع هذا لم تكن المتغيرات الروحية والفكرية التي أحدثها قادرة على تجاوز الأنساق الثقافية الموروثة التي بقيت في العمق تشتغل من خلال الوسيط الأدبياتي الإسلامي، أو على الضد منه في صراع صريح معه على أرض الواقع. وحتى في لحظات القداسة الأولى، وفي وقت كانت فيه الانعطافة الروحية/ الفكرية في أوج توهجها القدسي، وعلى يد كثير ممن أرسى الدعائم الأولى، كان المكنون الثقافي الأعمق يطل برأسه؛ مهددا كل المكتسبات التي بدت للوهلة الأولى وكأنها استقرت في أعماق النفوس، وتمكّنت من ضبط معادلات الواقع.

يمكن اعتبار ما يسمى بـ"الفتنة الكبرى" نموذجا للثقافة الأعمق عندما تكشف عن نفسها في عناد واضح وصريح مع الطارئ الثقافي/ الروحي الذي مثّله الإسلام. فبعد غياب المُلهِم/ النبي ـ ص ـ مباشرة، عادت معادلات الواقع ـ المحكومة بمنطق الثقافة المطمورة حديثا ـ لتشاغب المشروع الجديد في عَصَبه الرئيس/ تشكيل النظام السياسي ذي المرجعية الروحية. ثم كانت المفاجأة/ الفتنة الكبرى التي صدمت حتى أولئك الذين أصبحوا أهمّ أدواتها؛ عندما بدأ منطق الاحتراب (المتضمن منطق العشائرية الأولى المناقض لمنطق التضامن الروحي) يحاول إعادة نفسه إلى الواقع على حساب أهم وأقدس مبادئ الدين الجديد.

إن هذه الواقعة بأحداثها المتتالية/ المتعاقبة صدمت وأربكت وأحرجت ـ ولا تزال تصدم وتُربك وتحرج ـ الضمير الإسلامي الذي يحاول تفسيرها وتبريرها، بل والقفز عليها بتزييف السرديات التاريخية أو تحويرها؛ تحت وطأة منطق مضمر يهمس قائلا: إن ما حدث ما كان يجوز أن يحدث أبدا. ورغم كل محاولات التفسير التبريري، ورغم كل محاولات القفز والتزييف والتحوير، لا تزال هذه الانتكاسة/ الواقعة الجارحة للضمير حيّة إلى اليوم، حتى في أدبيات المتأسلمين؛ بشكل صريح أو غير صريح.

عرب اليوم لا يزالون؛ كما كانوا، يصنعون صورا تبجيلية عن أنفسهم، وصورا تبخيسية عن الآخرين، ثم يعتقدونها حقائق واقعية لا تقبل الجدال

وإذا كان السائد عند المتأسلمين السنة أن الاعتذاريات الباهتة تقف حائلا دون الصراحة، كما هي تقف حائلا دون التحليل الموضوعي، فإن من يحاولون فهم الواقع الآني بغية الاشتغال عليه تغييرا وتحويلا من المتأسلمين ذوي الطابع الانفتاحي، لامسوا ـ بحذر ـ دلائل مثل هذا الحدث، من حيث إشارته إلى طبيعة المسار الثقافي. فمثلا، نجد التونسي الذي يقدم نفسه كإسلامي تقدمي/ صلاح الدين الجورشي، يقول عن هذه الفتنة الكبرى: "حدثت رجفة حقيقية كشفت طبيعة التوحش الكامن في الإنسان العربي، رغم القناعات الدينية. وبعد عشرين سنة فقط من محاولة رفع البناء والسماح للنواة بالنمو، حدث الانفجار الرهيب" (الإسلاميون التقدميون، صلاح الدين الجورشي، ص164).

إنها الثقافة الأعمق تعبر عن نفسها؛ فتُفاجئ أولئك الذين لا يمدّون نظرهم إلى ما هو أبعد/ ما هو أعمق. تحدث الصدمة لضمير إسلامي يحاول أن يتناسق فكريا وروحيا؛ فيختار عدم مواجهة ما حدث/ مواجهة الذات في فهم ما حدث. يصر هذا الضمير على أن ما حدث لم يكن متوقعا ولم يكن طبيعيا؛ بينما ما حدث كان متوقعا وطبيعيا لمن يعرف كيف تنشأ الأفكار، وكيف تتفاعل مع الواقع وتترسخ فيه...إلخ. وما يؤكد طبيعة ما حدث، كشاهد على استمرارية الثقافة الأعمق في العمل، أن "اللامتوقع/ اللاطبيعي" لم يكن هو الاستثناء في التاريخ الإسلامي، بل كان هو المتن، بل كان هو مسار التاريخ الإسلامي.

اقرأ للكاتب أيضا: وهم الخلافة والتفكير الإمبراطوري

إلى اليوم لا تزال النظرة التقليدية التبجيلية (التي قد لا تكون صريحة، بل هي متضمنة أحيانا حتى في مشاريع نقد التراث) تقف حائلا دون تأسيس وعي حداثي حقيقي. وإذ "لم تكن الأخبار التاريخية عند الرواة المسلمين الأوائل غاية في ذاتها، بل انحصرت قيمتها في تكوين صورة تاريخية دالة ومتسقة مع معتقداتهم وتوقعاتهم" (الإسلام شريكا، فريتس شتيبات، ص150)، فهذا واقع معرفي/ بحثي يحكمه المنطق التبجيلي. وهو واقع لم يتغير منذ فجر تاريخنا حتى اليوم إلا في حالات فردية نادرة جدا؛ رغم كل مسارات التحديث المعرفي التي يبدو أنها لا تسير في اتجاه البحث المعرفي عن الحقيقة؛ بقدر ما هي جزء من مشروع الفخر الذاتي.

لا زالت النتائج ـ في مسار الثقافة العربية ـ توضع قبل بداية البحث. لا تزال البحوث مجرد تهميش/ هوامش على المسلمات العقائدية لتأكيدها (المسلمات العقائدية المقصودة هنا هي ما يكون في السرد التاريخي، لا في السرد اللاهوتي)، بدل أن تكون نتائجها هي التي تكتب المتن العقائدي لتصور أحداث التاريخ. لهذا، بقيت هذه الثقافة تقليدية/ غير حداثية؛ فعجزت عن الوعي بذاتها؛ إذ عجزت عن مواجهة ذاتها وتحويلها إلى موضوع للبحث الموضوعي. ومن ثمّ، تحولت من أداة لنقض وتقويض الواقع التقليدي، إلى أداة لترسيخه وتحصينه؛ بترسيخ وتحصين مكوناته الأساسية التي يتأسس عليها كل ما نراه من مسلمات في كل المجالات.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG