Accessibility links

"العشق الحرام" بين سُنة العراق وإقليمهم الخاص


تظاهرة لطلاب جامعة الموصل رفضا للقمع والقتل الذي يتعرض له المتظاهرون في بغداد والمدن الجنوبية في العراق

رستم محمود/

لا يكاد يمر يوم واحد على المشهد السياسي العراقي، دون أن يصدر "زعيم" سياسي سُني عراقي ما بيانا أو توضيحا حول موقفه الرافض لتشكيل إقليم إداري/ سياسي/ مناطقي خاصة بالعرب السُنة.

في ثنايا تلك البيانات، من خلال لغتها التقريعية وتأكيدها على الرفض المطلق لهذا الطرح، ثمة ملامح لاستجداء طهرانية طافحة، شبيهة بأدوات وسلوكيات ولغة رجال الدين التقويين أثناء تناولهم للمسائل والأشياء التي يعتقدون بأنها تمس جوهر معتقداتهم. يتبرأ هؤلاء الزعماء من طروحات الإقليم السُني وكأنه رجس يمس طهاراتهم الوطنية والقومية والهوياتية.

في خبيئة أنفسهم، لا يملك الزعماء والسياسيون العرب السُنة العراقيون نفس هذا الموقف، إذ يُصرحون في مجالاتهم الخاصة ولأناس مقربين منهم بأنهم يفعلون ذلك خضوعا لابتزاز يومي وحاد وعنيف يطالهم من نظرائهم الشيعة، خصوصا قادة القوى والأحزاب السياسية الشيعية المركزية، صاحبة الهيمنة الحقيقية والكلية على سلطة حكم العراق. وهؤلاء، يرفضون أي سياق أو طرح قد يؤدي إلى تشكيل إقليم أو أقاليم سُنية ما، لأن هذه الأقاليم ستكون استقطاعا من هيمنتهم وسلطتهم الكلية على البلاد.

♦♦♦

منذ قرابة السنتين، بعد الخلاص عمليا من تنظيم "داعش"، تجري تلك المراوحة اليومية بشأن هذا الموضوع. وفي هذا الوقت تعيش في القواعد الاجتماعية العربية السُنية العراقية ديناميكيات شديدة الإحباط، تطيح بكل تفصيل من حياتهم اليومية وأفقها المنظور.

القوى الشيعية تفعل ما كان يفعله نظام البعث الشمولي، من احتكار للوطنية وديناميكيات عنفها

إذ تشاهد هذه القواعد الاجتماعية السنية كيف أن كامل طيف نخبهم السياسية، وبالرغم من ترسانة وعودهم الانتخابية قبل شهور قليلة، ومع اجتماعاتهم الماراثونية التي لا تتوقف، داخل العراق وفي عواصم القرار "السُنية"، فإنهم في المحصلة لم ولن يتمكنوا من تحقيق شيء؛ بل هم أشبه بأدوات شكلية تجميلية في المشروع السياسي المركزي والوحيد في العراق، والذي يقوم في أهم أسسه على إقصاء الكُرد والعرب السُنة من دائرة الشراكة الحقيقية لبلورة القرار الاستراتيجي العراقي.

يعايش العرب السُنة ذلك، في وقت يلاحظون فيه النجاة النسبية لأكراد العراق بسبب حفاظهم على حقوقهم الفيدرالية المحلية ضمن إقليمهم الخاص. فصحيح أن الأكراد مقصيون من الشراكة الحقيقية مع القوى المركزية الحاكمة في مسألة حكم البلاد، لكنهم، وبفضل إقليمهم الخاص، محافظون على البنية التحتية لمدنهم ومناطقهم، وتعيش مجتمعاتهم المحلية سلاما اجتماعيا معقولا، دون هيمنة من المليشيات الطائفية أو القومية، وطبعا مع تنمية اقتصادية وتعليمية وعمرانية لا تقارن بكامل مناطق العراق، فكيف بمناطق العرب السُنة، التي تقول مؤشرات العمل فيها خلال العامين الماضيين، بأنها تحتاج لعقود كثيرة لتعود فقط إلى ما كانت عليه قبل سنوات، لا أن تلتحق بإقليم كردستان.

مئات الآلاف من أبناء العرب السُنة، من سكان مخيمات البؤس المنتشرة في كل حدب من مناطقهم، في مدنهم المحطمة والفاقدة للحد الأدنى من الخدمات العامة الضرورية، وما يضاهيهم من اللاجئين في كردستان والدول الإقليمية، يجدون أنفسهم يوما بعد آخر يدفعون أثمان تدهور كل شيء في العراق.

يجدون كيف أن كل الصراعات والحسابات الإقليمية إنما تمت تصفيتها على حسابهم، وأنهم دفعوا ثمنا قاسيا لتحول العراق إلى دولة ذات سلطة طائفية، ثم تحملوا كامل وزر ملف مكافحة الإرهاب، وفوق ذلك احتلالا مقنعا من قبل المليشيات الطائفية.

في الأمر ديناميكية معقدة يمكن تسميتها بتراجيديا "ابتزاز الذات"

في جميع تلك المراحل والتحولات، كانوا الجماعة الأهلية/السياسية الوحيدة غير المحصنة؛ فالسلطة الحاكمة كانت قادرة على اعتقال زعمائهم السياسيين وتخوينهم ونفيهم، إلى جانب تنفيذ ما تراه مناسبا من أشكال العقوبات الجماعية في مناطقهم، والقول عنها بأنها حاضنة الإرهاب ومقعل البعث "الذي لم يُعقم"، وإذا لزم الأمر اعتبارها بيئة للوهابية والإمبريالية الأميركية.

فقدان الحصانة الجماعية تلك يمكن رده إلى سبب واحد فحسب، عدم امتلاكهم لحيزهم الخاص، سلطتهم الذاتية على مجالهم وذاتهم، وحتى جغرافيتهم ومواردهم، من خيرات مادية وبشر، وسلطة أمنية ورمزية.

♦♦♦

فوق كُل ذلك، وبالرغم قتامة الأفق المنظور لأحوال العرب السُنة المستقبلية، وإدراك نخبهم السياسية بأن أشكالا من الحكم المحلي، من إدارة ذاتية لبعض الأقاليم الصغيرة وصولا إلى الفيدرالية السياسية التعاقدية الدستورية، مثل إقليم كُردستان، هي الحل النسبي الأكثر واقعية وحقيقية، فإنه ثمة رفض إطلاقي، سياسي وأيديولوجي وخطابي، لمجرد طرح الأمر.

تقف القوى السياسية الشيعية المركزية، بأدواتها وميليشياتها واحتكارها للحيز العام، تقف مانعا أوليا وقويا أمام طرح كذاك. فهذه القوى الشيعية تفعل بالضبط ما كان يفعله نظام البعث الشمولي، من احتكار للوطنية وديناميكيات عنفها المادي والرمزي، التي تستطيع عبرها أن تخون وتعنف وتحطم أية قوة أو جهة سياسية تطرح ما لا يتوافق مع توجهات ومصالح هذه القوى المركزية.

تخشى الأطراف السياسية السُنية، وحتى القواعد الاجتماعية نفسها، تخشى من قسوة ردود الفعل التي قد تطلقها سلطة الحكم المركزية، فيما لو طرحت شيئا ما واضحا ومضادا لمصالحها، وهي السلطة التي ما تركت مناسبة إلا وفتكت بسببها بالقوى والمناطق السُنية.

لكن هذا ليس كل شيء، فالعرب السُنة العراقيون، ولأسباب شديدة التعقيد، تتعلق بتاريخهم السياسي وذاكرتهم الجمعية وطبيعة فهمهم لهوياتهم السياسية، فإنهم يعتبرون تلك الطروحات شكلا من "الخيانة" لما ظلوا لعقود، وربما لقرون، يقنعون أنفسهم بأنها طروحاتهم ومشاريعهم المطلقة، من الأمة الكبرى إلى الدولة الواحدة، مرورا بالأوطان القوية والشعب المرصوص على شكل جيش جبار، أشياء هي مجموع خطابات البعث وأحلام الإمبراطوريات القديمة وأوهام الجماعة المركزية ومهامها التاريخية.

في الأمر ديناميكية معقدة يمكن تسميتها بتراجيديا "ابتزاز الذات"، ثمة إيمان ورؤية موضوعية بأن أشكال الحكم المحلية، من الإدارة الموسعة وصولا إلى الفيدرالية الدستورية هي الحل لتحسين أحوال هذه الجماعة الأهلية/السياسية ومناطقها، وفي نفس الوقت ثمة رفض مطلق لذلك، تحت تلك الأشكال المركبة من الضغوط الذاتية.

يجد العرب السُنة أنفسهم يوما بعد آخر يدفعون أثمان تدهور كل شيء في العراق

إلى جانب ذلك، فإن فوقية ومستوى ترف النخب السياسية لهذه الجماعية، بطبيعة تشكيلتها كتنظيمات سياسية تابعة إما لرجال أعمال أو أحزاب سياسية رديفة للقوى الإقليمية، يفقدها شجاعة الطرح، لفقدانها الصلة الوجدانية والأيديولوجية بأوجاع قواعدها الاجتماعية. فوقيتها وترفها السياسي ذاك، يفقدها أيضا القابلية لطرح ما يتعارض من أوهام المخيلة العامة.

يظهر ذلك التناقض جليا في طروحات بعض النخب السُنية العراقية التي تعتبر نفسها الأكثر اتساقا مع ذاتها، هؤلاء الذين يطرحون بكل شفافية موضوع الإقليم السُني، لكنهم في الوقت نفسه يرفضون حل مسألة المناطق المتنازع عليها مع إقليم كردستان العراق.

يعتبرون أنه البديهي أن تكون هذه المناطق تابعة لإقليمهم هم! ببساطة لأن إقليمهم هذا، ومهما كان صغيرا ومحليا وطائفيا، لكنه وحسب ذاكرتهم ووعيهم وصورتهم عن أنفسهم، هو صورة عن الأمة الكبرى والإمبراطورية العظمى، لذا فمن البديهي أن يكون الآخرون تابعون لهم. يا للهول!

اقرأ للكاتب أيضا: النظام الإيراني السلام المستحيل

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG