Accessibility links

العلاقات الأردنية العراقية... من ينتصر 'لغة المصالح' أم إرث الماضي؟!


رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي مستقبلا الملك الأردني عبدالله الثاني

نضال منصور/

بفارغ الصبر ينتظر الأردنيون والعراقيون تاريخ الثاني من شباط/فبراير 2019 ليتأكدوا أن مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين قد دُشنت، وأن عهد الفتور والجفاء في العلاقات قد أصبح من مخلفات الماضي، ولن يعود، وأصبح وراء ظهورهم.

هذا التاريخ لحظة فاصلة حددتها قيادة البلدين بعد زيارة رئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز إلى بغداد في نهاية شهر كانون الأول/ديسمبر 2018، ووقع خلالها 15 اتفاقية لتعزيز العلاقات الاقتصادية تتويجا لمرحلة سياسية جديدة قائمة على تعظيم "المصالح المشتركة" بعد أن ولى زمن الشعارات القومية.

لكن الهواجس في البلدين على المستوى السياسي وحتى الشعبي ما تزال تعتقد أن هناك قوى خفية ستعطل، أو ستفرمل، التوجهات لطي زمن العلاقات الباردة والمضي لفتح صفحة جديدة.

اقرأ للكاتب أيضا: حين تصبح الرياضة 'أفيون الشعوب'

زيارة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني إلى بغداد خلال شهر كانون الثاني/يناير من هذا العام عكست إرادة سياسية حاسمة لتحقيق التقارب، ولقطع الطريق على كل الشكوك التي تراهن أن الأردن لا يستطيع أن يمضي في علاقته مع العراق دون مراعاة للتوازن الإقليمي، خصوصا مع تحفظ دول عربية على التشبيك مع العراق الذي يرتبط بعلاقات أكثر من مميزة مع إيران.

في عمان قناعات لم تتغير أن علاقات الأردن مع العراق يجب أن تمر من "البوابة الإيرانية"

وكانت زيارة رئيس الجمهورية العراقية برهم صالح في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي 2018 إلى عمان، والتي جاءت في مستهل زياراته بعد تشكيل الحكم الجديد في بغداد، رسالة أخرى بأن العلاقات قد تنجح في تحقيق اختراق لحالة الشد والجذب التي عاشتها منذ سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين عام 2003.

في عمان هناك قناعات، لم تتغير كثيرا، ترى أن علاقات الأردن مع العراق يجب أن تمر من "البوابة الإيرانية"، ودون مباركة طهران فإن من الصعب توقع ثمار كثيرة للتقارب؛ وفي بغداد هناك من ينظر إلى الأردن بعين الريبة والشك، فهم ما زالوا حتى اليوم يرونه البلد الذي ناصر، وما زال، نظام صدام حسين، وتقيم فيه حتى الآن ابنته رغد وبعض رموز نظامه.

يلقي التاريخ وتداعياته بالظلال على صانعي القرار في البلدين، وإن كان النظام الأردني أكثر قدرة على التحرر من شبح الماضي بكل تفاصيله، فإن العراق، تسيطر على الحكم فيه قوى متصارعة بمرجعيات مختلفة ما يزال بعضها أسيرة الماضي ولم تتحرر منه بشكل كامل.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

هل يمكن التخلص من إرث الماضي حتى تنطلق العلاقات العراقية ـ الأردنية نحو مرحلة الثبات وتعظيم المنجز لمصالح الشعبين؟!

ربما يكون هذا السؤال المهم قبل استحقاق الثاني من شباط/فبراير، تاريخ سريان الاتفاقيات، وهل تشفع سنوات الجفاء لعهد جديد دون اتهامات وتلاوم؟

لا يبدو الأمر سهلا، فبعد أيام من عودة العاهل الأردني من زيارته لبغداد فُتح في الأردن ملف ما يُسمى الديون الأردنية على العراق التي لم يُعرف رقما محددا لها، وإن كان الحديث يدور عن أكثر من مليار دولار. وهذا استدعى ردا عراقيا على لسان مقرر اللجنة المالية في البرلمان العراقي هوشيار عبد الله مذكرا الحكومة الأردنية بأن هناك ودائع عراقية من زمن صدام في عمان تحفظ عليها البنك المركزي وتقدر من 3 إلى 5 مليار دولار. الشيء المؤكد في هذا التراشق والاتهامات أن هذا الملف فُتح رسميا بين مسؤولي البلدين ولم يُحسم، والمهم أنه التوطئة "لنبش" الماضي والتناحر وتذكير كل طرف بأنه يستغل الآخر.

التجاذبات ليست حصيلة اليوم، وقراءة دفاتر الماضي كفيلة بتوليد إجابات تشفي الغليل لهذا التراشق المستمر بالاتهامات. فحتى الآن بعض القيادات العراقية المعارضة التي أصبحت في الحكم ببغداد تسترجع ما تعتبره موقفا أردنيا داعما لحكم صدام، وتعود إلى حرب الخليج، واحتلال الكويت، والتباس الموقف الأردني عند المجتمع الدولي، رغم أنه كان مع الحل العربي وأصدر "الكتاب الأبيض" إبان حكم الراحل الملك حسين لتوضيح موقفه.

وتعتبر "لوبيات" قوية داخل البرلمان العراقي، وكذلك تيارات سياسية وحزبية مثل "الحشد الشعبي"، بأن الأردن كان يتعامل مع العراق على أنه "بقرة حلوب"، مستذكرين النفط المجاني لعمان، وصفقات النفط مقابل الغذاء، ويتهم هؤلاء عمان بأنها كانت "وكرا" لاستخبارات صدام وتحركاته لتصفية معارضين عراقيين.

يتجاهل هؤلاء حقائق تحول الموقف الأردني بعد عام 1990 من نظام صدام حسين، ولا يستذكرون ـ سوى قلة منهم ـ أن بعض المعارضة العراقية كان لها مكاتب ووسائل إعلام في عمان، ولا يتوقفون عند استقبال الأردن واحتضانه لحسين كامل بعد هروبه من العراق مع ابنتي صدام رغد ورنا.

ما هو عالق في أذهانهم حتى اللحظة أن هناك حزب بعث أردني، وموالون له ما يزالون يهتفون للرئيس السابق صدام، وأن احتفاليات كثيرة لتأبين صدام تقام في ذكرى إعدامه كل عام؛ وهو برأيهم لا يحدث إلا في الأردن، وأن رغد ابنة صدام يُوفر لها الحماية حتى حين تخرق "اتفاقية الضيافة" وتُوزع خطابات لها تدين نظام الحكم الحالي في العراق.

تغير الحكم في العراق، لكن النظام الأردني لا يملك "ريموت كونترول" ليغير ولاء بعض الناس والمجموعات التي تحب صدام، وتستذكر مآثره، ودعمه السخي للأردن في الزمن الصعب، وتراه زعيما قوميا عروبيا وليس طائفيا، وتتذكر بفخر أنه أول زعيم قصف إسرائيل بالصواريخ، وهؤلاء لا يرونه "دكتاتورا" وحاكما مستبدا بطش بشعبه.

منذ سقوط صدام عام 2003 سارت مياه كثيرة في العلاقات الأردنية ـ العراقية. تسلم زعماء المعارضة العراقية مقاليد السلطة في بغداد؛ حتى أحمد الجلبي المطلوب للأردن على ذمة قضية "بنك البتراء" والذي توفي منذ سنوات قريبة كان أكبر المؤثرين في السياسة العراقية؛ آخرين كانت وما زالت إيران مرجعيتهم ما يزالون يستأثرون بسدة القرار، في الوقت الذي سحب الأردن فيه سفيره من طهران عام 2016 بعد أزمة الاعتداء على السفارة السعودية وحتى الآن لم يتخذ قرارا بإعادته.

كل هذا حدث ويحدث ويؤثر في مسار العلاقات الثنائية، على الرغم من أن الملك عبد الله الثاني كان أول زعيم تحط طائرته في أرض بغداد عام 2008، ولهذا يسأل مسؤولون أردنيون لماذا لا يتذكر الساسة العراقيين هذه المواقف أيضا؟

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

ستغير 15 اتفاقية بين البلدين من واقع العلاقات ولها القدرة على محو أي أثر لسوء فهم، وطمس ذاكرة الماضي المليئة بالتجاذبات، هذه هي النتيجة التي يخلص لها مسؤول عراقي رفيع المستوى استمعت له.

الاتفاقيات التي وُقعت تحقق مصالح الطرفين، وإن كانت هناك أصوات عراقية تطالب بإعادة التفاوض مثلا حول الفوائد والشروط بعد الانتهاء من مشروع مد أنبوب النفط من البصرة وحتى العقبة، وهو أهم مشروع استراتيجي حيوي بين البلدين.

سيمتد خط أنبوب النفط 1700 كلم وتقدر كلفته 18 مليار دولار ويساهم به البنك الدولي، وستستفيد منه مصر أيضا هو أكثر ما يجذب الأنظار؛ فهذا سيوفر احتياجات الأردن من النفط بسعر تفضيلي، وسيفتح للعراق نافذة تصديرية دائمة تنوع من الاعتماد على ميناء أم قصر، وربما تسهم في تخفيف الضغط الأميركي على العراق باعتبارها خطوة في استراتيجية عزل إيران التي يتبناها الرئيس ترامب.

الأمر لا يتوقف عند حدود أنبوب النفط، فهناك خطة لفتح المعابر الحدودية (الكرامة، وطريبيل) وتسهيل حركة نقل البضائع، وتفعيل قرار مجلس الوزراء العراقي بإعفاء السلع الأردنية من الضرائب، وإقامة منطقة صناعية على الحدود بعمق 2 كلم وبعرض 6 كلم يساهم في إنشائها القطاع الخاص.

الحكومة العراقية الحالية أولوياتها البناء والإعمار، والاتفاقيات مع الأردن تعبّد هذا الطريق

وفي حزمة الاتفاقيات، ربط كهربائي يزود به الأردن العراق بالطاقة الكهربائية، لتعويض العجز الذي تواجهه المدن العراقية، وكذلك تقديم خصم يصل إلى 75 في المئة على البضائع العراقية المستوردة من ميناء العقبة.

ربما يكون خطاب عادل عبد المهدي رئيس الوزراء العراقي خلال زيارة رئيس الحكومة الأردنية عمر الرزاز إلى بغداد ما يبعث على التفاؤل حين قال "العراق رئة الأردن، والعراق سند الأردن، والعكس صحيح".

هذه التصريحات تتقاطع مع ما شرحه المسؤول العراقي لي بأن الحكومة العراقية الحالية أولوياتها مختلفة، وهذا يسهل من سرعة تحسن العلاقات، ويشير إلى أن حيدر العبادي رئيس الوزراء السابق كانت لديه نفس التوجهات حيال العلاقات مع الأردن، ولكن أجندة تحرير العراق من "داعش" وفرض الأمن أرجأت هذه الانطلاقة، في حين أن أجندة عبد المهدي تتلخص "بالبناء والإعمار"، والاتفاقيات العراقية الأردنية تعبد هذا الطريق الصعب.

اقرأ للكاتب أيضا: تقرير 'حالة البلاد' ينكش 'جراح' الدولة الأردنية

يجزم محدثي، المسؤول العراقي، أن بغداد لا تحكمها أجندة إيرانية، والعراق يعارض سياسة المحاور ولن يكون جزءا منها، ويدلل بالقول "علاقاتنا قوية مع إيران، ومع تركيا، ومع أميركا، والروس، فماذا يمنع أن تكون متينة مع الأردن؟".

لن يتوقف قطار العلاقات بين بغداد وعمان، ورغد ابنة صدام ليست على أجندتنا ولا تقلقنا، وإشاعة أن العراقيين الذين على جوازات سفرهم اختام تثبت زيارتهم لطهران يُمنعون من دخول عمان لم نصدقها، والفبركات والإساءة لسفيرتنا في عمان والتي يروجها "الصداميين وأتباعهم" لن تحدث شرخا في بنيان العلاقات بين البلدين، هذا ما يحسمه المسؤول العراقي.

آخر الكلام؛ الأيام القادمة أفضل اختبار لصدقية تقديم المصالح المشتركة بين عمان وبغداد على العبث "ونبش" ملفات الماضي، لوقف الحاضر ووأد المستقبل، فهل تعلّم البلدان الدروس لتجاوز العثرات؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG