Accessibility links

العلاقات الأردنية ـ الإسرائيلية على فوهة بركان


نتانياهو خلال افتتاح مطار رامون

نضال منصور/

لا يبدو أن الخلافات الأردنية ـ الإسرائيلية "سحابة صيف" عابرة ستزول وتنتهي قريبا، بل على العكس فإن العلاقات كلما خرجت من أزمة تدخل في أزمة أعمق منها، وتلقي بظلال الشك والريبة في استحالة أن تصبح العلاقات في القريب أو البعيد علاقة "سلام دافئ".

الخلافات التي نتحدث عنها مرتبطة بالمستوى الرسمي بين البلدين، وهنا لا نتحدث عن المستوى الشعبي، فهناك يمكن القول وبضمير مرتاح إن العلاقة شعبيا وأقصد من الجانب الأردني "صفر" بامتياز، وكل محاولات الاختراق باءت بالفشل، وظلت محصورة بأفراد متناثرين وأعدادهم قليلة جدا، فالتطبيع مرفوض عند الناس حتى لو مارسته الحكومة.

والحقيقة أن الحكومات الأردنية منذ توقيع اتفاقية السلام "وادي عربة" تخلت عن منهج فرض "التطبيع" مع إسرائيل، لأنها اكتشفت ببساطة أنها ستدخل في مواجهات مجتمعية لا حدود لها.

مطار "رامون" استراتيجية إسرائيلية لإنشاء مطار لا تصله صواريخ "حماس"

لا تبدي إسرائيل اهتماما بالأجندة الأردنية، ولا تبالي ولا تصغي كثيرا لمطالب عمان، بل يذهب سياسيون أردنيون للقناعة أن الحكومة الإسرائيلية الذاهبة كل يوم نحو اليمين والتطرف تتعامل باستهتار وتنمر مع الأردن.

آخر مظاهر الأزمة، وبالتأكيد ليس آخرها تدشين رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو لمطار "رامون" في مدينة إيلات المتاخمة لمدينة العقبة، ولا يفصل المطار الإسرائيلي الجديد سوى مئات الأمتار عن مطار الملك الحسين في العقبة.

اقرأ للكاتب أيضا: العلاقات الأردنية العراقية... من ينتصر 'لغة المصالح' أم إرث الماضي؟!

مطار "رامون" الإسرائيلي الذي افتتح منذ أيام قليلة شكّل صفعة موجعة للدولة الأردنية التي احتجت مبكرا على إنشاء هذا المطار، واعتبرته مخالفا لاتفاقية السلام، ويشكل تهديدا للملاحة الجوية، غير أن القيادة الإسرائيلية أدارت ظهرها ولم تُصغ للموقف الأردني، واستمرت بتنفيذ المطار حتى أصبح أمرا واقعا.

عدا أن مطار "رامون"، الذي اعتبرته السلطات الأردنية مخالفا وعصفا باتفاقية السلام التي تفرض أن تأخذ إسرائيل موافقة أردنية على إقامته، وعدا عن مخاطر الملاحة الجوية لاقتراب المطارين "الأردني والإسرائيلي"، فإن هناك أصواتا أردنية تحذر من تأثيراته وتداعياته على السياحة الأردنية.

لا ينسى الأردنيون أن شركات سياحية إسرائيلية قد لجأت منذ سنوات إلى تسويق مدينة البتراء الأردنية إحدى عجائب الدنيا باعتبارها مدينة "تابعة لهم"، مستفيدة من التسهيلات بالتنقل عبر المعابر الحدودية، حيث تستقطب الشركات الإسرائيلية السياح من دول العالم وتنظم لهم رحلات ليوم واحد لمدينة البتراء الأردنية دون أن يكون هناك أثر اقتصادي إيجابي للأردن.

الاعتراضات الأردنية على فكرة إنشاء المطار الإسرائيلي بدأت عام 2015 واعتبرت منذ ذلك الوقت أن إقامة المطار ينتهك السيادة على الأجواء الأردنية.

واعتبرت وزارة الخارجية الأردنية أن إقامة المطار يمثل خرقا للقانون الدولي، وخاصة المادة الأولى من "اتفاقية شيكاغو" للطيران المدني، عام 1944، وانتقاصا من معايير منظمة الطيران المدني.

وتنص المادة الأولى من اتفاقية الطيران المدني الدولي "اتفاقية شيكاغو" على أن "تعترف الدول المتعاقدة أن لكل دولة على الفضاء الجوي الذي يعلو إقليمها سيادة كاملة ومطلقة".

لهذا فإن رئيس هيئة تنظيم الطيران المدني الأردني الكابتن هيثم ميستو يؤكد أن الحكومة ستعترض لدى منظمة الطيران المدني الدولي على إقامة المطار، وتطالب بضرورة اتخاذ إسرائيل للإجراءات لضمان تقيدها بالمعايير الدولية.

لم تلتزم إسرائيل ببنود معاهدة السلام التي تنص على أن "يأخذ الطرفان في الاعتبار المفاوضات في بينهما حول افتتاح ممر جوي وفقا لإعلان واشنطن".

ولم تلتزم أيضا بالنص الذي يفرض على الجانبين الدخول بمفاوضات على الترتيبات التي ستمكنهما من التنمية المشتركة لمدينة العقبة وإيلات.

العميد الأردني المتقاعد محمد المقابلة يشير في تصريحات صحفية الى أن إنشاء المطار الإسرائيلي مخالف لاتفاقية السلام لاعتبارات أخرى، كاشفا أن المطار الجديد يستدعي وجود أسلحة ثقيلة جوية وأرضية ضمن ما يسمى بروتوكول دولي لمكافحة الإرهاب الذي يجب تطبيقه في كل المطارات، وهذا يتعارض مع اتفاقية السلام لأنها تنص على سحب كل الأسلحة الثقيلة من الجانبين، وإنشاء ما يسمى "منطقة حرام" على الحدود.

لم يختلق العميد الأردني المتقاعد قصة الأبعاد الأمنية والعسكرية المترتبة على افتتاح مطار "رامون"، وإنما تؤكد هيئة المطارات الإسرائيلية أن خطط مشروع المطار في الشق الدفاعي تم تعديلها لمنع تكرار ما حدث في حرب غزة 2014.

وبحسب وسائل إعلام إسرائيلية فإن إسرائيل قامت ببناء سياج مضاد للصواريخ حول مطار "رامون" مما يشكل شبكة لحمايته من الصواريخ.

وحتى لا نطيل، فإن مطار "رامون" هو استراتيجية إسرائيلية لإنشاء مطار جديد لا تصله صواريخ "حماس" من قطاع غزة، بعد أن هددت هذه الصواريخ مطار "بن غوريون" في تل أبيب وعطلت حركة الملاحة فيه.

المؤكد أن الأردن قدم شكوى لهيئة الطيران الدولية، لكن إسرائيل التي لم تأخذ على محمل الجدية اعتراضات الأردن عند الحديث عن الرغبة بإقامة المطار قبل سنوات لن تتراجع حتى بعد تدشينه.

الحل لمواجهة الأزمات مع إسرائيل بالتصعيد، هذا ما تدعو له شخصيات أردنية، ولذلك فإنهم يطالبون بتدويل مشكلة إنشاء مطار "رامون" الإسرائيلي، وليس الاكتفاء بالشكوى لهيئة الطيران الدولية لإظهار إسرائيل بأنها دولة "مارقة" على القانون والمعاهدات، ولزيادة عزلتها دوليا.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

هذه ليست المواجهة الأولى مع إسرائيل، فقد شهدت العقود الماضية منذ توقيع اتفاقية "وادي عربة" حالة شد وجذب وصلت مرارا حد التوتر والتهديد بإلغاء اتفاقية السلام.

أول القصص التي تستدعيها الذاكرة محاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي السابق لحركة "حماس" خالد مشعل في شوارع عمان، وإجبار الملك الراحل الحسين القيادة الإسرائيلية على إحضار "الترياق" لعلاج مشعل الذي دخل في حالة غيبوبة، وتهديده بمحاكمة ضابطي الموساد الذين أقدموا على محاولة الاغتيال بعد اعتقالهما، واشترط الملك الحسين لاحقا الإفراج عن زعيم حركة "حماس" أحمد ياسين من السجون الإسرائيلية مع 20 أسيرا آخرين مقابل إنهاء ملف هذه العملية "الموسادية" التي شكلت خرقا فاضحا لاتفاقية السلام.

الخروقات الإسرائيلية لم تتوقف وكانت عمان على موعد آخر للأزمات المتفجرة دون توقع حين قتل ضابط حدود إسرائيلي القاضي رائد زعيتر بتاريخ 10/3/2014 بعد أن ادعى أن زعيتر حاول سحب سلاحه.

شُكلت لجنة تحقيق إسرائيلية ـ أردنية لكنها لم تعلن حتى الآن، رغم مضي 5 سنوات، نتائج التحقيق، ومنذ اللحظة الأولى كان من الواضح أن إسرائيل تعمل على التنصل من مسؤوليتها عن قتل القاضي زعيتر، حين ادعت تعطل كاميرات المراقبة.

لم يهدأ غضب الأردنيين احتجاجا على قتل زعيتر حتى نزل خبر قيام ضابط الأمن في السفارة الإسرائيلية بعمان بقتل مواطنين أردنيين كالصاعقة على الحكومة والناس، والأسوأ من حادثة الاغتيال كان استقبال نتنياهو لحارس الأمن استقبال الأبطال برفقة السفيرة الإسرائيلية التي اشترط الأردن عدم عودتها.

اعتذرت الحكومة الإسرائيلية للحكومة الأردنية لاحقا، وتسربت معلومات بأنها دفعت تعويضات لعائلات الضحايا، لكن المؤكد أن ضابط الأمن الإسرائيلي لم يُحاكم ولم يُحبس، والتحقيقات الإسرائيلية لم تُعلن حتى هذه اللحظة.

الجديد في الأزمات ما يعلن على لسان المسؤولين الأردنيين، وخاصة في وزارة المياه أن إسرائيل تعطل تنفيذ مشروع "ناقل البحرين" ـ أنبوب لنقل المياه من البحر الأحمر إلى البحر الميت ـ ويُعد مشروعا استراتيجيا للأمن المائي للملكة، ولإنقاذ البحر الميت الذي يواجه مشكلة الجفاف.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

على النقيض من ذلك تستشيط إسرائيل غضبا إذا مارس الأردن حقه المكفول بالقانون، وهو ما حدث عندما قرر إلغاء ملحق تأجير أراضي الباقورة والغمر قبل أشهر قليلة، حتى أن وزيرا إسرائيليا لم يتردد في التهديد والدعوة لقطع ووقف ضخ المياه إلى الأردن.

أعلن نتانياهو عقب تغريدة نشرها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بإنهاء تأجير الأراضي الأردنية الباقورة والغمر بعد 24 عاما على توقيع معاهدة "وادي عربة" عن نيته التفاوض مع الأردن لضمان استمرار استئجار الأراضي.

إسرائيل وجهت صفعة موجعة للأردن بإنشاء مطار "رامون" في إيلات

تنتهز إسرائيل أي فرصة لإعلان غضبها واحتجاجها دون أن تتوقف لحظة واحدة لمراجعة تعاملها مع الأردن، هكذا كانت وهكذا استمرت، وما قصة الاحتجاج على إهانة العلم الإسرائيلي نهاية العام الماضي، حين داست وزيرة الدولة لشؤون الإعلام جمانة غنيمات العلم الإسرائيلي عند ولوجها إلى مجمع النقابات المهنية في عمان إلا تجسيدا لـ"العنجهية" الإسرائيلية.

اقرأ للكاتب أيضا: حين تصبح الرياضة 'أفيون الشعوب'

مع تدشين مطار "رامون" تدخل العلاقات الأردنية الإسرائيلية فوهة البركان مجددا، ويبدو وصف العلاقات بالسلام البارد قاصرة عن ترجمة الواقع، والواضح من الممارسات الإسرائيلية أنها لم تعد تكترث أو تعبأ بالحسابات الأردنية، وتهاوت نظرية كانت تتردد وتقول "أمن الأردن جزء من أمن إسرائيل"، وما عادت الاستراتيجية الإسرائيلية تضع المخاوف الأردنية ومصالحه على أجندتها وأولوياتها.

ما يشغل القيادة الإسرائيلية، هو التوسع في المستوطنات، والسيطرة على أراضي جديدة في الضفة الغربية، وتهويد القدس وتهجير سكانها، والرفض المطلق لقضية اللاجئين.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG