Accessibility links

العلاقة الأميركية ـ الكردية في العراق بعد الانسحاب من سوريا


دورية مشتركة بين القوات الأميركية وقوات سوريا الديمقراطية في 31 أكتوبر

سردار عزيز/

في 23 نوفمبر، وصل نائب الرئيس الأميركي مايك بنس إلى العراق، في رحلة غير معلن عنها تخللتها زيارة للقاء رئيس "حكومة إقليم كردستان" نيجيرفان بارزاني. وفي تعليقات نشرها البيت الأبيض عن اللقاء، أكدت إحدى الجمل على حسّ من الثقة بالعلاقة الكردية ـ الأميركية. وبعدما شكر الرئيس الكردي، شدد نائب الرئيس الأميركي مايك بنس على أهمية "الحفاظ على الرابط القائم بين الشعب الكردي وشعب الولايات المتحدة الأميركية".

لكن لا يزال علينا الانتظار لمعرفة ما إذا كانت هذه التصريحات قادرة على ترميم الجانب النفسي للعلاقة بين أكراد العراق والحكومة الأميركية التي تضررت في الآونة الأخيرة بشكل كبير جراء الإعلان الأميركي ـ الذي تم تعديله ـ بالانسحاب من سوريا.

ويعتبر تأييد الكورد الكبير لنموذج الديمقراطية الأميركي أحد جوانب القوة الناعمة الأميركية التي لا تحظى بالتقدير الكافي ولكنها بالغة الأهمية في العلاقة الكردية ـ الأميركية.

وفي الكثير من الأحيان، يقتصر تحليل العلاقة في اللغة الاصطلاحية العسكرية والأمنية على وصفها بـ "الوكالة" و"شريك محلي". فأغلبية الكورد لا يدركون هذه الاختلافات؛ فهم يعتبرون محاربة الإرهاب على سبيل المثال قيمة مشتركة.

قد يكون الانسحاب من سوريا أضر بالعلاقة الكردية ـ الأمريكية، لكنه لم ينهها أبدا

وبالتالي، بالنسبة لأكراد العراق، تماما كبقية الشعب الكردي، فإن تصريح البيت الأبيض السابق الذي أعلن فيه الانسحاب من سوريا مباشرة بعيد اتصال الرئيس دونالد ترامب بنظيره التركي رجب طيب أردوغان في السادس من أكتوبر كان بمثابة خطوة صادمة إنما معهودة في آن.

وقد ترك قرار الانسحاب بشكل خاص أثرا مؤلما على عامة الشعب الكردي، حيث أجج من جديد حسا من الاستياء الذي كان ساد مؤخرا تجاه الولايات المتحدة في وقت ترك فيه العديد من الأسئلة بدون إجابة.

ومن جهة أخرى، يؤكد عدم استقرار الحكومة في بغداد، والذي توج باستقالة رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، على أهمية الحفاظ على علاقات جيدة بين الولايات المتحدة وحكومة إقليم كردستان خلال هذه الفترة الانتقالية في العراق.

ومع ذلك، قد يتعين على الولايات المتحدة أن تعمل بشكل أكبر على تعزيز النوايا الشعبية الحسنة والحرية التي كان يتمتع بها الكورد العراقيين في وقت من الأوقات.

وفي استطلاع غير رسمي لإجابات عبر "فيسبوك" لجهة كيف يؤثر الانسحاب على الكورد في العراق وسوريا، أعربت الغالبية الساحقة من المستطلعين عن خيبة أمل وخوف.

ورد الفعل هذا من عامة الشعب الكردي هو من التبعات التي لم تحظَ بالاهتمام في سياق محاولات الانسحاب التي جرت الشهر الفائت. علاوة على ذلك، لم يعر صناع السياسة أهمية أو يتناقشوا في العلاقة الجماعية والنفسية بين الكورد والولايات المتحدة ودورها في أي سياسة مستقبلية.

ففي العراق وسوريا على السواء، يعتبر الكورد أنفسهم حلفاء لأميركا. غير أن هذا الموقف لا يخلو من المخاطر والأثمان في منطقة الشرق الأوسط حيث غالبا ما ينتشر العداء تجاه الولايات المتحدة.

فبالنسبة للعديد من المثقفين الكورد بشكل خاص، تختلف الولايات المتحدة عن غيرها من القوى العالمية التقليدية إذ تولي أهمية كبيرة لمفهوم الشعب في ثقافتها ومؤسساتها ودستورها.

ترك قرار الانسحاب بشكل خاص أثرا مؤلما على عامة الشعب الكردي

ويعتبر الكورد أن تركيز الولايات المتحدة على الديمقراطية والحق في تقرير المصير يتواءم بشكل خاص مع مساعيهم الطويلة الأمد من أجل إنشاء دولة مستقلة معترف بها.

وقد أعجب القادة الكورد على نحو خاص بنهج ويلسون في السياسة الخارجية الأميركية، معتبرين أن رؤية وودرو ويلسون هي تقليد أميريكي رسم معالم السياسة الخارجية الأميركية لغاية يومنا هذا.

باختصار، يتشارك المثقفون الكورد رؤية الشاعر والت ويتمان لأميركا المفصلة في مقدمة ديوانه أوراق العشب: "إن عبقرية الولايات المتحدة لا تتأتى في أفضل الأحوال من مسؤوليها التنفيذيين أو مشرعيها، ولا من سفرائها أو مؤلفيها أو من كلياتها أو كنائسها أو صالات عرضها ولا حتى من صحفها أو مخترعيها... إنما في أغلب الأحيان من عامة الشعب". وهذا الجانب الديمقراطي هو ما يربط الكثيرين خارج الولايات المتحدة بها.

وهذه هي العناصر الجوهرية التي ربطت الكورد بالولايات المتحدة، غير أن أحداث الآونة الأخيرة التي ارتبطت بأميركا وواقع تعرض الكورد للمذلة على يد الأميركيين، يضعهم في موقف ضعيف ومحرج في المنطقة. فالانسحاب أضرّ بنظرة الكورد تجاه الولايات المتحدة. وناهيك عن آثاره الجيوسياسية، من المهم إدراك الأثر الذي تتركه هذه اللحظة في الحاضر والمستقبل على تصوّرات الكورد تجاه الولايات المتحدة وتفهمهم لها.

فبالنسبة لأكراد العراق بشكل محدد، تعمق هذه الخطوة أيضا استياء إزاء سياسة الولايات المتحدة لوحظ للمرة الأولى في مقاربة الولايات المتحدة تجاه إقليم كردستان العراق في أعقاب الاستفتاء على الاستقلال عام 2017، أي قبل عامين تقريبا من قرار الولايات المتحدة بالانسحاب.

يُذكر أنه خلال الهجوم الذي نفذه الجيش العراقي وسيطر خلاله على كركوك ـ ما أخرج هذه المنطقة وغيرها من المناطق المتنازع عليها عن سيطرة الكورد ـ اتخذت الولايات المتحدة موقفا حياديا فسّره العديد من العراقيين من الجهتين على أنه موافقة على تحرك بغداد عسكريا. هذا واعتبر الكثيرون أن أحدث قرار اتخذته الولايات المتحدة شكل آخر من أشكال "إعطاء الموافقة"، إنما هذه المرة لتركيا.

كما سلطت هذه الظروف الضوء على مشاكل ثقة وضعف في أوساط الكورد. فكلما رأى الكورد أن الولايات المتحدة تنتهج موقفا حياديا إزاء قضايا إقليمية رئيسية، كلما اعتبروا ذلك موافقة ضمنية ممنوحة للقوى الإقليمية ـ ولا سيما تركيا وإيران ـ الراغبة في ملء الفراغ في السلطة وتطبيق أجندة هيمنة في المنطقة.

ومن خلال التقاعس والسماح لهذه القوى بتطبيق أجنداتها، تدفع الولايات المتحدة بشكل غير مباشر بالنخب المحلية إلى أحضان هذه القوى الإقليمية. وهذه هي الحال حتى في أوساط الحلفاء على غرار الكورد.

فضلا عن ذلك، سيكون لهذه المواقف المتغيرة أثر على تعامل "حكومة إقليم كردستان" مع الولايات المتحدة بطرق عديدة. فهي تجعل حكومة الإقليم مترددة وأقل ثقة وحذرة من أي تغير مفاجئ محتمل قد يؤثر على ميزان القوى في المنطقة.

من شأن التاريخ الطويل بين هذين الشركين أن يبقي على التعاون بينهما

لكن رد الفعل الأميركيين على الانسحاب، شكل بطرق عديدة بصيص أمل في هذا الوضع. فبعد الانسحاب بحد ذاته والفظائع التي تلته، أظهر الشعب الأميركي موقفا مختلفا تجاه الكورد عبروا عنه في الكونغرس وعبر منصات أخرى.

إنه تطور مهم في العلاقة الكردية ـ الأميركية، وفي حال أسفر الانسحاب عن كشف معاناة الكورد للعالم، قد يتمكن أكراد العراق من الاستفادة من التقليد الأميركي المدني الذي تقوم عليه عقيدة ويلسون من أجل حشد الدعم الشعبي.

وعليه، قد يكون الانسحاب من سوريا أضر بالعلاقة الكردية ـ الأمريكية، لكنه لم ينهها أبدا. فمن المرجح أن تقرّب التغيرات والأزمات العالمية والإقليمية المستمرة الولايات المتحدة والكورد بما أن مصالحهم لا تزال متوائمة. كما أن الصراعات التي يشهدها القرن الواحد والعشرين ستجعل الشركاء المحليين ضروريين في وقت يبدو فيه أن الشركاء والوكلاء المحليين سيرسمون معالم العقود المقبلة من الزمن.

أخيرا، من شأن التاريخ الطويل بين هذين الشركين أن يبقي على التعاون بينهما. لكن الثقة، التي تعتبر ميزة بعيدة المنال للعلاقات إنما أساسية للشراكات الناجحة، على المحك، وعلى الولايات المتحدة العمل من أجل ترميمها إذا ما أملت في الحفاظ على تحالف مثمر مع أكراد العراق على المدى الطويل.

سردار عزيز هو كبير المستشارين في البرلمان الكردي وباحث وكاتب. وتشمل مجالات اهتمامه العلاقات المدنية ـ العسكرية والسياسة الإقليمية في الشرق الأوسط ونظم الحكم. كما أنه حاصل على شهادة الدكتوراه في الشؤون الحكومية من جامعة كورك.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG