Accessibility links

العلم في المجتمع العربي


سعوديات تتابعن الكسوف الخزئي للشمس في مدينة جدة

محمد المحمود/

تحظى الظاهرة العلمية اليوم بشواهد تعزز حضورها في أي مجتمع؛ مهما كان مجافيا ـ في بنيته الذهنية العامة ـ للعلم؛ إذ لتمظهرات العلم في هذا العصر الذي تعولمت حضارته/ حضارة العلم قدرة هائلة على اجتياح الفضاءات المجتمعية كافة، بما في ذلك المجتمعات التي تنحاز ثقافتها السائدة للرؤى التقليدية الموروثة عن الأسلاف، الرؤى المصادمة لبديهيات التصورات العلمية الثابتة بدرجة اليقين.

لكن، يبقى أن وجود مثل هذه الشواهد وتنوعها ليس هو الذي يفصل في حال المجتمع: هل هو مجتمع منحاز ـ بنسقه الثقافي السائد ـ للعلم وشروطه، أم هو مجتمع على الضد من ذلك؛ منحاز ـ بنسقه الثقافي السائد ـ لموروثه المكتنز بالتصورات اللاعلمية؛ إلى درجة أن قبوله لمقولات العلم لا يَتَأتى إلا اضطرارا، وعلى قنطرة "الشفاعة اللاعلمية للعلم"، أي ذلك القبول الذي يتم بعقد نوع من التوافق ـ ولو بالتلفيق الصريح ـ بين مقولات العلم ومقولات التراث للخروج من المأزق؛ مأزق التراث أو مأزق العلم!

العلم الحديث في اللاّوعي العربي/ الإسلامي محكوم بنفور خفي

سواء في أوروبا؛ قبل تحقيق العلم لانتصاراته الكبرى ابتداء من الثورة الكوبرنيكية، أو في العالم العربي/ العالم الإسلامي الذي تتمدد عصوره الوسطى في حاضره، فالعلم لم يحظ بالتقدير الذي يضعه في موضع المرجعية النهائية (على الأقل في سياقاته الجزئية/ التفصيلية) بمجرد أن أعلن عن نفسه وقدم براهينه. فالممانعة التقليدية التي أشعلت نياران صدامات دامية في أوروبا، وانتهت بانتصار العلم على الرؤى التقليدية الموروثة/ اللاعلمية، وإعلان هيمنته الكاملة، هي ذات الممانعة التي يُجَابَه بها العلم اليوم في عالمنا العربي الذي لا تزال الرؤى التقليدية فيه تتسيد أنساق البنى الذهنية الكُليّة؛ على الرغم من أن الواقع العيني/ الوقائع الاستهلاكية يبدو مشدودا إلى مخرجات العلم، بل ومرتهنا بها، حتى وإن كان ذلك لا يتجاوز نطاق واقعة الاستهلاك.

لقد أدرك رواد النهضة العربية الحديثة على امتداد القرنين السابقين أن التمكين للعلم لن يكون سهلا في مجتمعات عربية محكومة بتصورات ذهنية تقليدية منقوعة بماء القداسة. لقد توقعوا الممانعة، واستعدوا للنضال من أجل الإقناع، غير أنهم لم يكونوا مستعدين لخوض معركة صدامية شاملة وفاصلة لصالح العلم، معركة لا بد أن تبدأ من عمق التراث؛ لتصل إلى نقطة الافتراق في اللحظة الراهنة. لهذا بقيت الأطروحة النهضوية الممثلة لخطاب العلم متوارية لا تستطيع الإعلان عن نفسها صراحة إلا فيما ندر، بقيت متلفعة برداء الخفر؛ تبحث لنفسها عن مقعد متواضع في مسرح الحدث الثقافي/ الاجتماعي الذي يتمفصل على إيقاعه مستقبل المجتمعات؛ دون أن ترتفع بها هِمّتُها لتكون صانعة الحدث الثقافي، ومن ورائه تصنع بقية الأحداث.

هذا التردد في خوض المعركة الحاسمة: معركة العلم مع الموروث اللاعلمي المهيمن، لا يعود فقط لكونها ستصبح بالضرورة حربا ضروسا واسعة النطاق، وطويلة الأمد، وبالتالي، مكلفة على أكثر من صعيد، وإنما ـ أيضا ـ لأن الرواد النهضويين الأوائل لم يكونوا كأسلافهم الأوروبيين متشبعين بالتصورات العلمية في عمقها الفلسفي من ناحية، وفي مسارها التاريخي ـ السابق واللاحق ـ من ناحية أخرى.

هذا أمر، وثمة آخر، يتعلق بالمُضْمَرات اللاواعية التي حكمت آلية تلقي الظاهرة العلمية، إذ العلم في أوروبا ـ حتى بالنسبة لمعارضيه/ محاربيه زمن النهضة ـ هو ابن بيئته/ بيئتهم، إن انتصروا عليه؛ فهذا ما يأملون، وإن انتصر عليهم جزئيا أو كليا؛ فهو ابن بيئتهم، وربيب أحضانهم، وثمرة أشجارهم، وبمجده ـ إن تحقق ـ سيفتخرون.

بينما هو/ العلم الحديث في اللاّوعي العربي/ الإسلامي التقليدي محكوم بنفور خفي، إذ هو يُمثّل "الآخر" الغازي في مقابل "الأنا" المحتمية بموروثاتها، إنه غريب؛ حتى وإن بدا جميلا ومحبوبا، إنه الابن الشرعي للآخرين، إنه سليل الأعداء، إنه مجد الخصوم الألداء، إنه مانح القوة للغزاة المعتدين!

وفي ظل عجز الأنـا/ العرب عن الدخول في مضمار العلم بسياقاته الراهنة، فإن غربة العلم تبقى على مستوى المضمر الثقافي الذي ينبعث بين الحين والآخر لهذه المناسبة أو تلك المناسبة. ثمة شعور كامن يتمثّل العلم بوصفه تحديّا للأنـا، لا من حيث هو يتحدى مصداقية موروثها فحسب، وإنما من حيث هو يعكس حضور مجد الآخر في فضاءات الأنا الخاصة أيضا. وبهذا يبدو الاعتراف بالعلم ومنجزاته وترفيعه إلى درجة المرجعية العليا/ المرجعية الحاكمة، وكأنه استسلام للآخر (المُتَمَثَّل بوصفه: المصدر الشرعي لهذا العلم) وانقياد له، واعتراف طوعي بانتصاراته، بل واستعداد ذاتي للسماح له بجني ثمرات هذه الانتصارات، بحيث تكون الأنـا تابعة/ منقادة، والآخر في حكم القائد المتبوع. في حين أن التمرد على العلم، والمشاغبة عليه، والتنكّر لمنجزاته، يبدو ـ على نحو غير واعٍ ـ وكأنه نضال ضد الآخر، وكأنه صمود ومقاومة وممانعة ضد إعلان الاستسلام!

الإصرار على رفض حقائق العلم نابع من موقف سلبي من العلم، أكثر مما هو موقف منحاز للموروث

على أي حال، لا أحد يعلن صراحة أنه ضد العلم من حيث هو علم؛ لأن من يفعل ذلك يخسر في كل الأحوال. الحرب على العلم قد تجري بالانحياز صراحة إلى الخرافة، وقد تجري بلسان العلم، وقد يتمترس أعداء العلم خلف المقدس الذي تحتفظ له الذهنية الجماهيرية بحصانة من نوع ما، فهي إن لم تَرفض به/ بالمقدس حقائق العلم، فعلى الأقل، تحاول تحويرها وتأطيرها ظرفيا، أو حتى تأويلها بما يؤكد مصداقية الأثر المقدس، وليس تأويل المقدس بما يؤكدها.

قبل شهر تقريبا، تجرأت باحثة تعمل في أحد أهم مراكز البحوث العلمية وأنكرت أن يكون لـ"ماء زمزم" دور إيجابي في علاج حالات السرطان. ومع أنها تحدثت بلسان العلم، وبمنطق البحوث العلمية المعتبرة عالميا، إلا أن الذهنية السائدة رأت في هذا التصريح اعتداء صريحا على الموروث؛ فهاجمت الباحثة، بل ودعا بعض المتطرفين إلى عقابها.

ومن قبل ذلك، ثار التقليديون الأثريون على من أنكر أن تكون "أبوال الإبل" علاجا للأمراض الكثيرة التي يذكرونها في تطببهم التراثي، وقرّر بعض المتحمسين للمرويات بهذا الشأن أن من ينكر فوائد "أبوال الإبل" فهو على خطر الكفر بالخروج كُليّة من ملة الإسلام.

هكذا يبدو أن الأزمة تتضاعف، فليست المشكلة هنا فقط في الاستسلام للموروث الأثري دون تمحيص وتدقيق، ولا هي في التوقف عند حقيقة أن مثل هذه المرويات الظنية لا تجد ما يعززها في القرآن (فلا وجود لأي ذكر لماء زمزم في القرآن مثلا)، وإنما المشكلة ترقى إلى ما هو أخطر، إلى القراءة الآلية السلبية للنص في حال ثبوتها قطعا.

فمثلا، القرآن كمصدر نصي قطعي الثبوت عندنا نحن المسلمين، يشير إلى "عسل النحل" بوصفه "شفاء". واليوم يقطع العلم بحقيقة الفوائد الكثيرة لعسل النحل. غير أن العسل ذاته قد يصبح ـ في بعض الحالات المرضية ـ مضرا، بل وقد يصبح خطرا.

وكذلك الأمر في بعض الأدوية المعتمدة من منظمة الصحة العالمية، فقد تكون مضرة في بعض الحالات، بل وقد تكون قاتلة أحيانا. ولهذا، فالعلم هو المرجع هنا؛ لأنه هو الذي يمتلك التفاصيل وطرائق تنزيلها على الحالات، بينما النص التراثي ـ إن ثبت ـ هو حكم بالمجمل العام، فضلا عن كونه يتحدث في سياق/ ظرف تاريخي له شروطه الخاصة التي يُصرّ التقليديون على تجاهلها تماما.

ومع هذا يبقى السؤال: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا تصر الجماهير في المجتمعات التقليدية على رفض حقائق العلم؛ مهما كانت ثابتة وقطعية ويقينية، وفي الوقت نفسه القبول بالمروي التراثي؛ مهما كان ظنيا في ثبوته أو دلالته أو فيهما كليهما؟

لا شك أن هذا الإصرار نابع من موقف مسبق/ موقف سلبي من العلم، أكثر مما هو موقف منحاز للموروث. فإذا كان اللاوعي يتمثل انتصارات العلم/ معجزات العلم بوصفها انتصارا للآخر على الأنا، فليس أمام الأنا إلا الانكفاء على خصوصياتها والاحتماء بها من غزو العلم/ غزو الآخر.

ولا شك أن هذا هو ما قاد إلى التعصب الأعمى للتراث؛ لأن أكثر خصوصيات الذات خصوصية هي مروياتها التراثية التي لا تحفظ لها سلامة البناء القدسي بأكمله فحسب، وإنما تمنحها الشعور الوهمي ـ ولكنه الجميل! ـ بالتفوق على الآخر ولو في جزئيات ضئيلة ومحدودة، حيث تبدو بإزائه وكأنها تحتفظ بـ"سر ما وراء علمي" يعجز العلم الحديث/ العالم الآخر عن إدراكه رغم كل إمكانياته التي يتبجح بها، بينما هي تعرفه حق المعرفة منذ أربعة عشر قرنا.

الحرب على العلم قد تجري بالانحياز صراحة إلى الخرافة، وقد تجري بلسان العلم

إن الذهنية التقليدية التي تعادي العلم صراحة أو ضمنا، لا تبحث عن القيمة الإيجابية في الأثر الذي تحارب به العلم، بقدر ما تبحث لها عن موطئ قدم للصمود أمام الغزو المتخيل/ اقتحام الآخر لعوالم الذات. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهي رهينة الوعي العجائبي/ وعي المعجزة/ وعي الخوارق. فالعلم من حيث هو متتاليات مُسَبّبة، وبالتالي، واضحة، ومفهومة، ومتوقعة على نحو قطعي، لا يرضي أشواقها التواقة للغرائبي والمدهش، الذي يتضمن منطقه وعدا ـ ولو احتماليا ـ بإمكانية أن تنتقل من حالها/ أسفل درجات التخلف، إلى حال آخر/ أعلى درجات التفوق (وبالذات، التفوق على خصمها التاريخي)؛ في طرفة عين، ودونما أي جهد ذاتي، إلا جهد التلقي السلبي للمعجزة التي تتحقق لها بفضل الاصطفاء الأزلي.

بناء على هذا، يتضح أن تحرير العلم من موضعه: كمتهم/ كعدو مضمر، كتحد يتطلب جهدا فوق الطاقة، كمؤشر لانتصارات الآخر على الأنا، كمهدد، يجب أن يبدأ من نقد "المعجزة" المتضمنة في المرويات التي يراد لها أن تتحدى العلم بالخروج على منطقه. ويتأكد هذا النقد، ويكون مجال تحققه/ نجاحه أوسع؛ عندما ندرك أن الطريق إليه في الإسلام مفتوح بحكم الإسلام المتعالي على التاريخ، أي بحكم أن النص المؤسس/ القرآن يخلو من أية معجزة حسية منسوبة لنبي الإسلام، بل إن القرآن ينص على نفيها، كما في الآية 59 من سورة الإسراء: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ}، ومع هذا تزخر كتب التراث على اختلاف ميادينها بالمعجزات التي أسست للعقل المستقيل.

اقرأ للكاتب أيضا: التفكير الخرافي في العالم الإسلامي

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG