Accessibility links

العِلم في خدمة السلام


الممثلة ڤانيسا راي خلال مشاركتها في العرض الافتتاحي لفيلم "The Imitation Game"

كوليت بهنا/

لعبة المحاكاة، لعبة التزييف، لعبة التقليد، ثلاثة عناوين اختيرت للترجمة العربية للفيلم "The Imitation Game"، لكن متابعة وقائع الفيلم والمعلومات العلمية والفلسفية والنفسية التي وردت فيه، تنحاز للعنوان الأول وتتلاءم أكثر مع فكرة المحاكاة وروحها.

وهو، فيلم أميركي ـ بريطاني مشترك من إنتاج عام 2014 للمخرج مورتين تيدوم والنجم القدير بينيديكت كامبرباتش وكاتب السيناريو غراهام مور، رشح لثماني جوائز أوسكار، حصل منها على أوسكار أفضل سيناريو مقتبس عن كتاب (السيرة ـ آلن تورنغ ـ اللغز) لكاتبه أندرو هودجز.

تدور أحداث الفيلم خلال الحرب العالمية الثانية، حيث يتفرغ فريق علمي خاص يرأسهم عالم الرياضيات والمنطق وتحليل الشفرات والبيولوجيا النظرية، العبقري البريطاني آلن تورنغ، لتحقيق مشروع يساعد الحكومة البريطانية على فك شفرة "الإنغما"، وهي الشفرة التي استخدمها الألمان للتواصل في بينهم، وذلك عبر الجهاز الذي صممه تورنغ بنبوغ مخططاته، وبمساعدة مالية من رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، الذي آمن بنوايا تورنغ ونبوغه العلمي.

هل أنجزنا ما يمكن التفاخر به خلال أوقات السلم غير الدائم؟

كان تشرشل مستعدا للموافقة على أي اقتراح يساهم في التخلص من النازية، وهو ما حدث في الحقيقة، إذ لم ينجح هذا الاختراع المذهل في فك رسائل الألمان المشفرة المعترضة فقط، بل ساعد الحلفاء في هزيمة هتلر، وإحلال السلام، واختصار الحرب، وإنقاذ حياة 14 مليون نسمة من الموت.

كما يعتبر هذا الجهاز الرائد، الذي أطلق عليه تورنغ في حينه اسم "كريستوفر"، الأساس الأول أو "أبو الحاسوب" الذي ننعم بتطوراته اليوم، ومهد للعلماء لاحقا لتصميم كافة التقنيات والآلات المعتمدة بشكل كلي على الكومبيوتر واستخدامها بما يعرف بالذكاء أو العقل الاصطناعي.

وعند هذه النقطة، أي مفهوم فكرة العقل الاصطناعي أو الآلي، تكمن فكرة المحاكاة وروحها التي أسهب في شرحها تورنغ عبر الفيلم، وتقاطعت مع تركيبه النفسي والفلسفي وحياته الخاصة التي انتحر بسببها.

في أحد مشاهد الفيلم الحاسمة، وهي اللحظة التي ينجح بها الجهاز ويتمكن من فك أول برقية مشفرة للألمان، يسارع أحد رفاق تورنغ للاتصال بالقيادة ليزف لهم خبر نجاح المشروع، لكن تورنغ يمنعه بحدّة ملفتة، مبررا سلوكه بأن إفشاء السر بشكل متهور وسريع، وربما تسربه للجواسيس، سيدفع إلى تغيير الخطط العسكرية الحربية البريطانية في الحال، وهو ما سيكتشفه الألمان بسرعة وسيستبدلون شفرة "الإنغما" بأخرى قد يكون فك تشفيرها مستحيلا، وبهذا تذهب جهودهم ونجاح الاختراع هباء، فيما تقتضي الحكمة أن يوضع سر الجهاز بين أيدٍ أمينة، والاستمرار في فك تشفير البرقيات الألمانية بهدوء وصمت وسرية، والعثور على طرق للمناورة عليها بذكاء وحنكة عسكرية، وهو ما حدث لاحقا.

تكمن قسوة هذا المشهد ومفصليته في النزاع الحاد بين الأخلاق والإنسانية وقسوة الحرب، إذ حملت برقية الألمان التي فُك تشفيرها، معلومات عن إقلاع طائرات ألمانية لقصف بوارج حربية بريطانية بعد بضع دقائق، وهو وقت ضيق لكنه كافٍ بما يكفي لإنقاذ عشرات الجنود فوق هذه البوارج، ومن بينهم شقيق أحد مساعدي تورنغ، لكن الأخير يختار موتهم على إفشاء سر الاختراع ونجاحه، معتبرا أن التضحية بهم أمرٌ قاسٍ لكن لا مفر منه آنيا، في سبيل إنقاذ الملايين لاحقا، وهو ما تحقق بعد عامين بفضل اختراعه.

عن فكرة المحاكاة، كممارسات وسلوكيات تكمن في العديد من مفاصل حياتنا العامة والخاصة أو الملموسة والمجردة، يستعرض المرء شريطا سريعا لأحوالنا المستعصية وحروبنا وأزماتنا المتتالية التي تكاد لا تنتهي ويطرح أسئلة ملحة: ونحن، ماذا حققنا ـ علميا ـ كل تلك السنوات التي مضت، أو خلال أي حرب لإيقافها وإحلال السلام؟ وهل أنجزنا ما يمكن التفاخر به خلال أوقات السلم غير الدائم؟

تبرع الفنون، ومن بينها السينما في لعبة المحاكاة وتستهويها

إن فريقا واحدا صغيرا من بضع شبان علماء، تدعمهم رؤية حكومية وسياسية ثاقبة لأهمية ودور العلم والعلماء، انزووا لأكثر من عامين داخل كوخ خشبي في قرية بريطانية نائية، اجتهدوا وتعبوا وضجروا، وفشلوا وكادوا يتراجعون أكثر من مرة، لكنهم في النهاية ظلوا مثابرين ومؤمنين أنهم سيحققون هدفهم، ونجحوا في صنع لعبة المحاكاة، عبر آلة معدنية تجلب الحياة وتعيد السلام، تغلبت على آلة معدنية أكثر جبروتا تجلب الحرب والدمار والموت.

وإذ تبرع الفنون، ومن بينها السينما، في لعبة المحاكاة وتستهويها؛ يمكن اعتبار هذا الفيلم بمثابة تحد خاص موازٍ يتماهى مع روح القصة، نجح فيه صنّاعه وحققوا أرباحا فاقت 218 مليون دولار، بتكلفة لم تتجاوز 14 مليون دولار، عبر الإضاءة على قصة عن سيرة ذاتية حقيقية، خالية من الإغواءات السينمائية أو المؤثرات البصرية المعروفة، لكنها كافية أن تحرض تفكير المرء وطرح أسئلة وجودية ومصيرية متتالية أبسطها هو: ونحن، ماذا نفعل؟

اقرأ للكاتبة أيضا: قاتل ومقتول

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG