Accessibility links

الغائب الأكبر في لبنان


رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري

بقلم فارس خشّان/

الدول التي تعاني معضلات بنيوية، مثلها مثل الشركات، تحتاج بين ما تحتاجه إلى مضاعفة الجهد وإلى السرعة في الإنجاز. إن إضاعة الوقت، في مثل هذه الحالة، خسائرها تحسب "جيومتريكيا" وليس "أريتمتيكيا" (أي حسابيا).

وهذه واحدة من نوائب لبنان، إذ كلما وجد نفسه أمام استحقاق تشكيل حكومة جديدة يلجأ إلى السيناريو المرهق بدفع الغالي والثمين لـ"شراء الوقت".

ومن البديهي، في مثل هذا الوضع، أن تجد أطرافا مؤثرة في القرار الوطني تضغط من أجل الإسراع في توليد الحكومة العتيدة، ودافعها إلى ذلك إما "إضعاف" الرئيس المكلف تشكيل الحكومة أو "إحباط" أصحاب الطموحات الوزارية أو "التحريض" على النص الدستوري، في مسار متراكم لتسويق تعديل كبير ترغب به بعض هذه الأطراف بخلفيات مذهبية ـ طائفية تموه نفسها بالحرص على المصلحة الوطنية العليا.

يحتاج لبنان إلى إلغاء كل الاستثناءات وفي مقدمها تلك التي يصح وصفها بالشذوذ المدمر

وفي ظل كل استحقاق متماثل، يخرج من يطرح مسألة "المهلة المفتوحة" المعطاة للرئيس المكلف تشكيل الحكومة. في اعتقاد هؤلاء، يتقدمهم هذه المرة رئيس المجلس النيابي نبيه بري، أن "المهلة المفتوحة" شذوذ دستوري يفترض تصحيحه ولا بد تاليا من فرض "مهلة محددة" تحت طائلة تكليف رئيس آخر في حال عجز الرئيس الذي جرى تكليفه التشكيل ضمنها.

اقرأ للكاتب أيضا: لبنان: الشعبوية والماركنتلية في خدمة الأسد

هذا طرح منطقي، لو كان لبنان يعيش في ظل منطق الدولة.

ومنطق الدولة هو الغائب الأكبر في لبنان.

الحكومة في النظام البرلماني الذي يتبعه لبنان يفترض أن تشكل من فريق عمل يحظى بتأييد أغلبية برلمانية، على أن ينتظم من يعارض هذا الفريق في معارضة واحدة أو أكثر.

في لبنان، هذا السلوك المنطقي ممجوج. عندما يتم تكليف شخصية لتشكيل الحكومة، تدعى فورا من القوى الوازنة إلى تشكيل حكومة "شاملة التمثيل النيابي"، وفق المنطق اللبناني الذي سبق له أن شوه الديمقراطية بلصق صفة التوافقية بها.

وبذلك يجد رئيس الحكومة المكلف أنه ليس مكلفا بتشكيل الحكومة بل المشاركة مع آخرين في تشكيلها: دستوريا مع رئيس الجمهورية، وواقعيا مع ممثلي الطوائف في المجلس النيابي.

وفي هذه الحالة يكون رئيس الحكومة المكلف قد امتلك حق الرفض وأخذ منه الأهم، أي حق الفرض، ولذلك يجد نفسه مضطرا للتريث، حتى يخفف شركاؤه الدستوريون، كما الواقعيون، من شروطهم أو حتى يجد التوقيت الأنسب ليتنازل هو عن شروطه.

وهنا، تجد "المهلة المفتوحة" الممنوحة لتشكيل الحكومة مشروعية وجودها الدستوري.

وهنا أيضا، تصبح المطالبة بإلغاء هذه المهلة غير منطقية لأنها لا تتناسب مع الواقع اللبناني غير المنطقي.

وخلاف ذلك، يجعل رئيس الحكومة المكلف أضعف اللاعبين في إتمام المهمة المناطة به دستوريا من جهة، وانتخابا نيابيا من جهة أخرى.

لا ينقص رئيس الحكومة في لبنان حتى تكتمل عملية إضعافه إلا حرمانه من مهلة التشكيل المفتوحة

ولا ينقص رئيس الحكومة في لبنان حتى تكتمل عملية إضعافه إلا حرمانه من مهلة التشكيل المفتوحة، لتضاف إلى كونه متحركا (أي يمكن إقالته) بين ثابتين (رئيسي الجمهورية ومجلس النواب اللذين لا تمكن إقالتهما إلا في شروط معقدة).

وفي بلد غير منطقي مثل لبنان، فإن لكل موقع سلطوي أبعادا مذهبية بحيث يفسر إضعاف منصب دستوري إضعافا لموقع المذهب الذي يمثله في السلطة، مما يؤدي لاحقا ـ كما حصل سابقا ـ إلى تعريض السلم الأهلي الهش لمخاطر نعرف أين تبدأ ويستحيل أن نعرف أين تنتهي.

اقرأ للكاتب أيضا: 'محكمة لبنان' و'الخدمة الألماسية'

كان يمكن تجاوز مخاطر هذا الخروج عن المنطق الديمقراطي المجرد الذي تمليه ضروريات الاستثناء اللبناني، كما يحصل في حالات نادرة في ألمانيا وفي حالات متكررة في بلجيكا، لو أنه كان الاستثناء الوحيد، ولكنه ليس كذلك أبدا.

ففي لبنان، كل الأوضاع فيها خروج عن منطق الدولة:

  • وجود حزب مسلح يملك القدرة على فرض معادلات داخلية بالقوة، كما إرسال مقاتليه ليحاربوا حيث شاءت المصلحة الإيرانية، ليس طبيعيا ولا هو استثناء بل هو أكثر من ذلك: مخالف للطبيعة.
  • إصدار مرسوم التجنيس بعيدا عن المعايير الإدارية الصارمة ومبادئ المساواة أمام القانون وبطريقة يتم فيها تجاوز حد السلطة من خلال الإفراط باستخدام الصلاحيات في بلد "يرذل" تجنيس أبناء نسائه لا يعتبر استثناء بل شذوذا.
  • تحويل ملف توفير الكهرباء إلى صراع بين السياسيين بدل أن يكون في أيادي أهل الاختصاص، ليس استثناء بل كارثة، لأنه إضافة إلى الأضرار المباشرة التي تلحق بالمواطن وصحته يخبئ وراءه شبهات فساد خطرة للغاية. وهذا يسحب نفسه على ملفات كثيرة تميز "الاستثناء اللبناني" ومنها على سبيل المثال لا الحصر، ملف "عدم معالجة" النفايات وملف العدوان المنهجي على البيئة برا وبحرا وجوا.
  • هجوم فريق يعتاش من الخارج ويموت لمصلحته على فريق آخر من خلال اتهامه بالرضوخ لشروط الخارج (أي من حيث تطلب مساعدات على مختلف الأنواع بما فيها إرسال السياح الى لبنان) ليس استثناء فحسب، بل هو كوميديا سوداء.

يحتاج لبنان إلى الكثير ليصحح نفسه وينقذ نفسه من أوضاعه المزرية قبل فوات الأوان الذي بدأ يضيق أكثر فأكثر، ولكن ذلك لا يكون من خلال التذاكي بالهجوم على "المهلة المفتوحة" في تشكيل الحكومة، بل من خلال الموافقة على إلغاء كل الاستثناءات وفي مقدمها تلك التي يصح وصفها بالشذوذ المدمر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG