Accessibility links

الغرائب تسخر من عقل الإنسان


يشرح عن شهر رمضان والعادات المرافقة له في الإمارات في مركز الشيخ محمد للتواصل الحضاري

عمران سلمان/

يبدو العالم غريبا أحيانا. ووجه الغرابة لا تكمن في مفارقة الأحداث للمنطق العقلي، ولكن في إضرارها بالمعقول نفسه.

الاختلاط مشكلة!

فأن تعيش في أي دولة في العالم خارج المنطقة العربية، لا يكون الاختلاط بين الجنسين مثلا مشكلة أو حتى أمرا جديرا بأن يلاحظه أحد. فالناس تتصرف بطبيعية شديدة لدرجة أنك لا تفكر حتى في معنى الاختلاط أو ما إذا كان هذا الأمر له دلالة معينة أو يمكن أن يؤدي لشيء ما.

طبيعة الإنسان البشرية تقتضي النقص والتفلت وليس الكمال

لكن في المنطقة العربية وفي دولة مثل السعودية مثلا، فإن الاختلاط يعتبر حدثا نادرا ومسألة يختلف بعض الناس حولها وينقسمون بين مؤيدين ومعارضين. وهذا ما حدث خلال احتفال مختلط جرى في رمضان. #بارتي_مختلط_في_رمضان.

وتتساءل بينك وبين نفسك: الناس هم أنفسهم والعلاقة هي نفسها، فما الذي يجعلها مشكلة في بلد وأمرا عاديا وعديم الأهمية في بلد آخر؟

وبالطبع لا تجد إجابة على هذا السؤال لأن الأمر لا يتعلق بالعادات والتقاليد ولا يتعلق بالدين أيضا، وإنما بالرغبة في السيطرة على سلوك الناس والتحكم في إراداتهم. فهناك دائما من يعتقد في نفسه أنه مثال أو رمز لفضيلة متخيلة ووهمية بينما الآخرون موضوع لمدى انطباق الفضيلة عليهم من عدمها.

البسكويت "أوريو"

من الغرائب الأخرى أيضا الانشغال بقصة البسكويت "أوريو" وما إذا كان يحتوي على شحم الخنزير أم لا، حيث باتت وسائل التواصل الاجتماعي تضج بهذا الأمر ويصبح قضية للمستهلكين.

أتذكر قصة مشابهة عن جبنة كرافت في ثمانينيات القرن الماضي، حيث أثيرت قضية احتواء هذا الجبن على شحم الخنزير، وقد سارعت الشركة وقتها إلى نفي ذلك، ولكن بعد أن لحق بها الضرر. واتضح فيما بعد أن الأمر له علاقة بمنافسين آخرين، أرادوا أن تجد منتجاتهم طريقها للسوق عبر إزاحة منتج كرافت.

في الشرق يخضع كثير من الناس لعملية تنويم جماعية

والسؤال هنا أيضا لماذا لا يلجأ بعض المستهلكين إلى السلطات المعنية التي تحقق في دخول المنتجات إلى أي بلد عربي أو إسلامي، بدلا من الاستماع إلى أشخاص يجيدون الإثارة والشحن؟

ثمة رغبة دفينة لدى البعض في تحقيق نوع من الإثارة والتسبب في حالة هياج عند الجمهور، عبر تضخيم أمر ما أو إلباسه صفة معينة، وبطريقة تجعله قضية عامة، بدلا من كونه خيارا فرديا، يستطيع الإنسان أن يتعامل معه وفق آليات مجتمعية بسيطة.

تجريم الإجهاض

لا أنفي أن العقلية الخرافية موجودة في كل مكان، في الغرب كما في الشرق، لكن الفارق أن في الشرق يخضع كثير من الناس لعملية تنويم جماعية، بحيث أنه حتى الإشاعة تتحول إلى قضية يندر أن يتساءل الناس حول صدقيتها أو الدافع وراء إطلاقها.

لكن الغرائب ليست مقتصرة على الشرق كما أسلفت. في الولايات المتحدة صوتت برلمانات ثماني ولايات بينها ألاباما وميزوري وجورجيا وكنتاكي وغيرها منذ بداية هذا العام (والحملة لا تزال مستمرة) على تجريم الإجهاض، ومحاسبة النساء اللواتي يجرينه.

في المنطقة العربية وفي دولة مثل السعودية مثلا، فإن الاختلاط يعتبر حدثا نادرا

ومن يسمع ذلك، يتخيل أن الإجهاض أمر بسيط وسهل يشبه شرب الماء بالنسبة للمرأة. بينما هو أمر مؤلم ولا تقوم به المرأة إلا مضطرة، وفي حالات قليلة جدا ولأسباب قاهرة. وفي الغالب فإن معظم الناس لا تؤيد الإجهاض، لكن حظره شيء وتجريمه شيء آخر.

أما الحجة المقدمة هنا فهي الحرص على الجنين وعلى الحياة البشرية. وهو أمر مضحك، لأنه كيف يمكن تصور أن يكون هناك أحد أكثر حرصا على الجنين من الأم نفسها. وثانيا، لماذا يبدي هؤلاء كل الحرص على حياة الأجنة بينما لا يبدون أي اهتمام يذكر بحياة الناس الذين يموتون في الحروب والأزمات أو المشردين والمتسكعين في شوارع المدن الأميركية.

يكتشف الإنسان أن المسألة لا علاقة لها بالحرص على الحياة البشرية وإنما بأيديولوجية الاختلاف والمشاغبة.

عقل الإنسان لا يسعفه

ما هي النتيجة المستخلصة من كل ذلك؟

إن عقل الإنسان لا يسعفه في الغالب على فرز الغث من السمين فيما يتعلق بالأحداث والقصص التي تجري عليه. لربما قلبه يدله على صدق المتكلمين من كذبهم، وهو بالتأكيد أقوى وأكثر قدرة على الحكم في هذه المسألة.

معظم الناس لا تؤيد الإجهاض، لكن حظره شيء وتجريمه شيء آخر

يكتشف الإنسان أن الناس، سواء في الشرق أو الغرب، لا يختلفون كثيرا حينما يتعلق الأمر بالإيمان الديني أو الاعتقاد بالخرافة، وأن التفوق الوهمي بين الشعوب في هذا المجال هو مجرد وسيلة لإظهار الاعتزاز بالهوية أكثر منه تعبيرا عن حقيقة مثبتة وراسخة.

وللأسف فإن من يعتقدون في أنفسهم بأنهم ينافحون عن قيم العدالة والكمال الأخلاقي والفضيلة، هم في الغالب يشبهون ذلك الذي يحرث في البحر ولا تصل جهوده إلى أي بر. لأن طبيعة الإنسان البشرية تقتضي النقص والتفلت وليس الكمال.

اقرأ للكاتب أيضا: هل تدخل إيران أخيرا في 'الصندوق' الأميركي؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG