Accessibility links

الغصة عربية.. والفرح سوداني


غرافيتي يمثل "الكندانة ألاء صالح" في كفرنبل في إدلب

كوليت بهنا/

كلما رفع شعب عربي، أو أي شعب من شعوب العالم، صوته مطالبا بالحرية، يتحمس العديد من السوريين ويسارعون لدعمه ورفع أصواتهم المؤيدة له ولحق كل الشعوب في التغيير، رغم أن أصوات السوريين شابها التعب والغصّة لشدة الضغوط التي مورست بحقهم في السنوات الماضية، وبات الضيق يوحّد إحساسهم العام جراء خيبات الأمل الكبرى التي منيت بها في ثورتهم "اليتيمة" كما وصفت بعد عام واحد على انطلاقها.

الأسبوع الفائت، نشرت "الحرة" مقالا للزميل عماد بوظو تمحور حول عدم تعاطف المثقفين المصريين مع ثورة السوريين، مما أعاد فتح الأحزان والشجون لدى العديد من المتابعين والمثقفين السوريين، إذ وضع الزميل بوظو في مقاله إصبعه فوق الجرح؛ وذكّرهم برحلتهم الطويلة والشاقة التي خاضوها لإثبات سلمية ثورتهم للعالم ومطالبهم المحقة التي خرجوا لأجلها مع العديد من الشعب قبل أن تتسلح هذه الثورة، أو توسم بـ"الأسلمة" أو أي مسمى آخر وسمت به لاحقا، لتتحول هذه الثورة مع كل ذكر لها إلى إدانة، واتهام مستمر بأنها الباب الذي شرّع دخول ريح الدمار، وتحميلها وزر ونتائج كل ما جرى وما زال يجري.

في ثورتهم السلمية وجد السوريون أنفسهم لوحدهم

عند بدء الحراك التونسي نهاية عام 2010، غامر بعض المثقفين السوريين ونظموا وقفة تضامنية أمام السفارة التونسية في دمشق تأييدا للتوانسة، ولم تمض أيام حتى عادوا ونظموا وقفة أخرى أمام السفارة المصرية ومن ثم أمام السفارة الليبية. وقفات تم الاتفاق عليها فيما بينهم، لكن سرعان ما انضمت جموع كبيرة إليهم في الشارع قبل أن تفض السلطات الرسمية هذه الوقفات التضامنية لعدم قانونيتها، ليتحول بعدها دعم بعض المثقفين السوريين للحراك العربي المصري والتونسي والليبي واليمني والبحريني عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتُرجم لاحقا في بيانات موقعة أو مقالات نشرت في بعض الصحف العربية أو المواقع الإلكترونية، ليُشهدوا التاريخ أنهم كمثقفين لم يقفوا كمتفرجين رغم حساسية أوضاعهم الخاصة، بل أعلنوا موقفا واضحا من هذا الحراك العربي، ولم يتقاعسوا أو يشككوا في أحقية هذه الشعوب بالمطالب التي تخرج لأجلها.

لم تكن المرة الأولى التي يخرج السوريون لأجل إخوتهم في العروبة وحقوق الشعوب عموما، إذ عرف عنهم تاريخيا نزعتهم القومية وإحساسهم العام، شعبا ومثقفين، بأهمية ترجمة معاني النخوة والمؤازرة، واعتبار ما يمس أي دولة عربية بسوء يمسهم، وما يفرح أي دولة عربية يفرحهم. ويشهد تاريخهم على حماسهم العام وعدم تقاعسهم في الخروج للشوارع منذ خمسينيات القرن الماضي بمناسبات عدة أشهرها الغضب الشعبي السوري العارم إبان العدوان الثلاثي على مصر، ومؤازرة الثورة الجزائرية، ودعم كل حركات الاستقلال العربية بين الخمسينيات والستينيات، وفي العقدين الأخيرين، خرج السوريون بصغيرهم وكبيرهم ضد الحرب على العراق، وفتحوا بيوتهم للبنانيين الهاربين من حرب تموز/يونيو 2006، فيما الحديث عن علاقتهم مع الفلسطينيين شأن وجداني خاص وقصة كفاح طويل مشترك لا يختصر بمحطات موجزة.

في ثورتهم السلمية، التي أقرت القيادة السورية بسلميتها في بداياتها، وجد السوريون أنفسهم لوحدهم؛ لم تخرج الشعوب العربية لأجلهم أو لأجل دعم هذه السلمية، ولم يؤازرهم المثقفون العرب، باستثناء أسماء فرادى من المثقفين اللبنانيين والأردنيين الأحرار. الدعم العربي الذي حصلوا عليه هو توافد بعض الجهاديين من بعض الدول العربية للمشاركة في المقتلة السورية ووأد الثورة السلمية، أو تنظيم بعض المؤتمرات للدول المانحة لمساعدة اللاجئين، وبعض التعاطف الإعلامي الذي يستثمر مأساتهم حتى اليوم ويظهرهم كمتسولين يثيرون الشفقة والدموع.

استبدل العديد من المثقفين السوريين صور حساباتهم على "فيسبوك" بصورة "الكنداكة آلاء صالح"

وفيما فتحت العديد من الدول الغربية أبوابها للاجئين، أغلقت أبواب معظم الدول العربية في وجوههم، وبات الحصول على تأشيرة لزيارة واحدة منها أشبه بالمعجزة، باستثناء لبنان والأردن اللتين تحملتا كدولتين محدودتي الامكانيات عبئا إضافيا كبيرا، على السوريين أن يعترفوا به بعيدا عن كل أشكال الحساسيات والاستفزازات الإعلامية.

اليوم، وبعد كل هذه المرارة، وعلى الرغم من كل هذه المرارة، ما زال هناك خيط من الحب ينبض في قلوب السوريين ويحمس مشاعرهم ويحركهم لمؤازرة الشعوب العربية، فأجّلوا مؤخرا عتبهم ودعموا الشعب الجزائري في حراكه الحالي، وما زالوا يدعمون إخوتهم المصريين حبا وحرصا وخوفا على ثورة يناير العظيمة؛ أما الثورة السودانية، فهي في الحقيقة خارج كل حسابات العتب أو اللوم، إذ استثنى السوريون التعامل مع السودان واحترام حكومة البشير ـ رغم كل شيء ـ لأنها فتحت البلاد للسوريين وعاملتهم كضيوف وليسوا لاجئين، واحترام قرار الشعب السوداني في ثورته الحالية والخوف على زهوتها وسلميتها.

وكنوع من رد العرفان، غيّر العديد من المثقفين السوريين صور حساباتهم على "فيسبوك" واستبدلوها بصورة "الكنداكة آلاء صالح" ورسموها على الجدران، وتقدم الفن السوري مؤخرا ليعلن عن هديته للشعب السوداني عبر أغنية "الفرح سوداني" التي كتب كلماتها المغني السوري "سميح شقير" ولحنها بألحان سودانية ويطلقها اليوم، الرابع من أيار/مايو، بصوته في حفل كبير في باريس.

اقرأ للكاتب أيضا: تعميم الديمقراطية وحظرها

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG