Accessibility links

الفجوات في خطاب الممانعة


خطورة هذه الفجوات هي أن حسن نصرالله، بعد رحيل قاسم سليماني، من شأنه أن يتولى دورا أكثر تأثيرا وأكثر بروزا في قيادة محور المقاومة

حسن منيمنة/

تُلقي كلمة الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله، في ذكرى أسبوع على مقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني من جراء الضربة الأميركية على موكبه قرب مطار بغداد، الأضواء على جوانب هامة من علاقة سليماني بالفصائل التي أنشأتها إيران أو تبنتها وأمدتها بما يتيح لها الديمومة في مختلف دول المنطقة. كما تبين، بشكل جامع، المقومات الأساسية لفكر حسن نصرالله و"حزب الله" ومحور المقاومة، والمرشحة أن تزداد في أهميتها خلال المرحلة المقبلة. على أن هذه الكلمة تكشف كذلك عن فجوات خطيرة في خطاب المحور الذي ينتمي إليه نصرالله، وتشير إلى صعوبة فكرية في لقاء وطني، بالإضافة إلى العقبة القاطعة لهذا اللقاء، والمتمثلة بسلاح "حزب الله" وتبعيته لإيران.

يُكثر حسن نصرالله من كلماته، متوجها إلى جمهور "بيئة المقاومة" ثم إلى كافة اللبنانيين، كما إلى عموم المشاهدين في المنطقة. وتتجلى الأهمية المعتبرة لكلماته هذه من خلال النقل المباشر الذي تعتمده إزاءها العديد من الوسائط الإعلامية، في الصفين المؤيد لنصرالله والمعادي له.

ويلتزم نصرالله في كلماته هذه منهجية صارمة بترابط طروحاتها وتنظيمها ووضوح الرسائل الموجهة إلى مختلف شرائح المتلقين. فرغم التمنع عن الظهور الحي، والذي يقتضيه الاعتبار الأمني، يشغل نصرالله موقعا هاما في صياغة القرار السياسي في لبنان، بل تأتي الآراء التي يطرحها والأفكار التي يدعو إليها بمثابة تعليمات، غالبا ما يعتمدها سائر السياسيين في لبنان، إما صراحة، إجلالا لـ "سماحة السيد" أو مواربة، لتجنب التصادم مع رغباته.

الآفة الأولى في صدق حسن نصرالله هي أنه صدق منقوص

فضمن الصيغة السياسية الشاذة القائمة في لبنان، حيث تتداخل الدولة الحداثية الموعودة مع نظام إقطاعي زبائني نهبي طائفي، وتتجاور هذه وتلك مع مربع أمني سياسي ممسك بجزء هام من التركيبة الوطنية، وفارض لإرادته خارجها بقوة السلاح، دون أن يكون خاضعا للمساءلة الوطنية، فيما هو تابع جهارا نهارا لقرار خارجي، يبرز حسن نصرالله، من موقعه كأمين عام لـ"حزب الله" وبناء على صفاته الشخصية وقدراته الخطابية، على أنه "المرشد" المحلي، أو قائم مقام "المرشد القائد"، الولي الفقيه في طهران.

رغم ظهور اتهامات ترمي حسن نصرالله بالطائفية والفوقية والتسلط، فإنه قد حافظ على خطاب متجانس يتيح له التبرؤ من هذه الطعون، ويدرج خصومته مع أي طرف في سياق التزامه الثابت بموقف عقائدي سياسي مبني على عداء قطعي إزاء كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، الأولى لإصرارها بناء على رؤيته على الاستيلاء على ثروات المنطقة وإخضاع شعوبها، والأخرى لكونها تجسيدا للاحتلال الظالم المعتدي على الأرض والإنسان في فلسطين.

يريد حسن نصرالله لنفسه ضمن الصورة التي يلتزمها أن يكون صادقا. على أن الصدق الذي ينتهجه يرضى بالتمويه التوجيهي، أي بإدراج المصطلحات والوقائع، الحمالة لأوجه، بما يدفع المستمع إلى افتراضات تلقائية لا سبيل إلى إركانها إلى مقصود واحد. فـ "الأمة" التي غالبا ما يستدعيها نصرالله تتراوح في معناها من الأمة الإسلامية إلى الأمة العربية، مع إتاحة المجال أن تقتصر على البعد المذهبي، لمن شاء الاكتفاء بذلك.

على أن الآفة الأولى في صدق حسن نصرالله هي أنه صدق منقوص. أي أن ما يقوله قد يكون من الحقيقة، ولكنه ليس بالضرورة كل الحقيقة. ونصرالله نفسه يحصّن موقفه بالتنبيه إلى هذه المفارقة، مستجلبا لها أعذارا أمنية وسياسية، من باب أن الإفصاح عن كل الحقيقة يؤدي إلى عواقب سيئة، فاقتضى الكتمان. وما يبني عليه هو ثقة متحققة من جمهوره به.

وهذه الثقة بدورها عائدة إلى ثبات صورة من الإخلاص والالتزام لنصرالله نفسه ومن المناقبية والانضباط والتواضع لدى مقاتلي "حزب الله". وإذا كانت شريحة رجال الأعمال المرتبطة بالحزب قد لطّخت هذه السمعة، من خلال تماشيها مع معايير الفساد السائدة في لبنان، وربما تفوقها بالاستيلاء على المال العام في بعض المواقع، وإذا كان أنصار "حزب الله" من الشباب المتخم بالاستقواء قد صرف فائض القوة هذا بالاعتداء على من يستفزّه للاختلاف في المواقف، أو حتى بالانتماء، فإن حسن نصرلله، ومعه الحزب بالصيغة المؤسساتية، قد ثابر على إشهار نصاعته الأخلاقية، وإن بمعاييره الخاصة والخارجة عن القناعة السائدة في لبنان.

خطاب أسبوع سليماني لنصرالله يبرز ثلاث فجوات ضخمة، ويشير إلى احتمال خطير، مبني على هذه الفجوات، من شأنه أن يضاعف أزمة لبنان المستفحلة تأزيما.

نصرالله شدّد في كلمته على الدافع الديني والأخلاقي والإنساني، والذي حرّك قاسم سليماني وجعله يسارع في تنقله من ساحة إلى أخرى، نصرة للمستضعفين في مواجهة الظالمين، وذودا عن الأبرياء والعزّل، في فعل صدقة لا يسأل عن مقابل.

الفجوة الأولى في كلام نصرالله، إزاء سلوك سليماني وسلوكه هو، هي في هذا التغييب المهين المخزي، والذي لا يغتفر، للجريمة بحق الإنسان السوري، لا وحسب من طرف النظام القاتل في دمشق، والذي اعتاش البطش والإذلال والقتل، بل من جانب سليماني ونصرالله نفسهما، واللذين تورطا في فعل مشين يكفي وحده لأن يدينهما التاريخ ويضعهما في خانة الظلمة دون تحفظ وتنويه.

هل حقا لا يدرك نصرالله، ومن يناصره ممن يريد أن يقدم الأعذار لـ"حزب الله"، مدى جسامة الانتقال في الموقع من دور المقاوم الساعي إلى تحرير أرضه من الغريب المحتل، يوم كان الجنوب تحت الاحتلال الإسرائيلي، إلى دور الغريب المرتكب للاحتلال، والذي يضطهد المقاوم المدافع عن أرضه في سوريا؟

هل يخفى عن نصرالله أن دخوله سوريا جاء بحجج تتماهى إلى أقصى أعماقها مع الخطاب الإسرائيلي في أمسه، إذ تستدعي الاستباقية وتهوّل بما كان ليحدث لولا التدخل، وتمنن اللبنانيين إذ تهين السوريين، كما فعلت السلطات الإسرائيلية في تبريرها استمرار احتلالها لإراضي اللبنانيين؟ لم يكتفِ حسن نصرالله بأن أرسل شباب لبنانيين لكي يَقتلوا ويُقتلوا إذ يغزون أراضي جيران سبق لهم أن احتضنوهم، ويطردونهم من ديارهم، بل قذف الضحية بأشنع النعوت ليصبح قتلها وطردها فضيلة.

وحتى إذا جرى إهمال ما لا يجوز إهماله، أي دور "حزب الله" في ظلم الإنسان السوري، فإن نصرالله قد استحق الإدانة لسكوته، في إطار حديث مستفيض عن هذه المروءة التي تحرك سليماني وصحبه، نصرة للمستضعفين، عن الفظائع المتتالية لنظام دمشق، والتي تحاكي أفعال تنظيم الدولة في توحشها نوعا، فيما تزيد عنها أضعافا مضاعفة كما.

رغم طابع الموضوعية والأخلاقية والذي يجهد نصرلله أن يضفيه على كلمته، فإن تغييبه للمأساة السورية، ولدوره ودور حلفائه في استفحالها، يشكل ضربة قاصمة لإمكانية البحث عن التلاقي المبدئي معه.

وإذا كان مصاب الإنسان السوري يتلاشى في خطاب نصرالله، فإن تنظيم "الدولة الإسلامية" يحظى في كلامه بمكانة توظيفية لا عذر لنصرلله بشأنها.

يوم انهار الجيش العراقي، الذي صرفت عليه وبحجته المبالغ الطائلة، أمام حفنة من الجهاديين الذين تمكنوا من الاستيلاء على المدن والبلدات ذات الغالبية السنية، والتي كان تعامل بعض فصائل القوات الحكومية العراقية معها تعامل جيش احتلال، وصولا إلى ضواحي بغداد، كان من حق العراق أن يخشى المجهول وأن يطلب النجدة.

هل كان ثمة رغبة لدى بعض العواصم الخليجية أن تتمكن الموجة القادمة من البادية، وغير واضحة المعالم يومئذ بين عشائر وبعثيين سابقين وجهاديين من تنظيمات مختلفة، من اكتساح بغداد والإجهاز على ما كانت تعتبره حكما تابعا لإيران؟ ربما. على أن التفسير الأقرب إلى الواقع قد يكون عدم قدرتها على الإمساك بالمتغيرات، واللجوء بالتالي إلى الترقب، لا سيما وأن واشنطن كانت في سبات عميق إزاء الوقائع المستجدة. هل أن إيران، صاحبة المصلحة بعدم سقوط بغداد، قد استجابت بحزم، بشخص سليماني، وقدمت العون للعراق في ساعة حاجته؟ دون شك.

ولكن هل أن "الدولة الإسلامية" ومن شابهها من التكفيريين التائهين بأوهامهم السلطانية هم حقا الخطر الوجودي على دول المنطقة، كما يثابر نصرالله على الزعم في إطار استدعائه للثناء؟ طبعا لا، وإن كانوا قادرين على الأذى المفجع، وإلا لما كانت إيران قد توافقت مع بعض هؤلاء التكفيريين لتسهيل العبور من أفغانستان إلى العراق، ولما كان نصرالله نفسه قد توجه إليهم بالنصح العلني لمواجهة العدو المشترك، ولما كان رسم خطوط حمراء للدفاع عن أحد تنظيماتهم في لبنان، بل لما كان محور المقاومة برمّته قد أجل التصدي لهم إلى ما بعد الانتهاء من أي حراك وطني من شأنه أن يؤسس للبديل عن نظام القتل في دمشق، ثم من أي نشاط إسلامي أو جهادي قادر على تجاوز الصيغة الإقصائية. بل هل يجوز أن نصرالله يجهل أن تكرار التهويل بخطر التكفيريين، والإصرار على ربطهم بدول الخليج تحديدا، والذي يأتي غالبا بصيغة تشنج واستهجان، يندرج في إطار التعبئة الطائفية وتنشيط مقولة حلف الأقليات، على ما تعكسه من تعميق للشقوق المحلية؟ هنا أيضا في كلام نصرالله عدوان يلزمه ومن يوافقه على إعادة نظر وتراجع.

أما الفجوة الثالثة في كلمة نصرالله فهي، في خضمّ اعتراضه على تسفيه البعض لمواقف محور المقاومة، استعلاؤه في طرح منظومة قيم هذا المحور على أنها القاعدة الصافية وما عداها فساد وانحطاط. لنصرالله ومن وافقه أن يروا في العالم مواجهات قطعية بين حق هم عليه وباطل يحرّك من يخالفهم، بل لهم أن يجعلوا من التحدي والتضحية والاستشهاد العناوين المطلوبة في كل مكان وزمان.

نصرالله ومن وافقه أن يروا في العالم مواجهات قطعية بين حق هم عليه وباطل يحرّك من يخالفهم

ولكن، لا تسليم بأعلوية هذه القيم، ولا رضوخ للقراءة الأهوائية التي تبنى عليها، ولا قبول بالإلزام الضمني أو الصريح بأن تعمّم هذه المنظومة لتصبح القاعدة التي يعيش ويموت على أساسها لبنان أو غيره.

حيث يرى محور المقاومة أن العالم يعيش صراع دموي على تقاسم الثروات، يرى غيره في لبنان وخارجه تنافسا من شأنه الاستقرار عند تبادل يخدم الجميع ويقيهم الانزلاق إلى المواجهة الدامية، وحيث يصرّ المحور على تصوير الأمر بأنه حق يقيني وباطل يقيني، يرى غيره أن رأيه صواب يحتمل الخطأ ورأي من خالفه خطأ يحتمل الصواب، والحاجة بالتالي قائمة للحوار لا القتال، وحيث يعتبر المحور أن الشهادة هي قمة العطاء، يرى غيره أن الحياة هي القيمة العليا ومعها الحرية والكرامة.

خطورة هذه الفجوات هي أن حسن نصرالله، بعد رحيل قاسم سليماني، من شأنه أن يتولى دورا أكثر تأثيرا وأكثر بروزا في قيادة محور المقاومة. لربما أن إسماعيل قاآني، القائد الجديد لفيلق القدس، قادر على تولي كامل مهام سليماني الرسمية، على أن روح سليماني، في نضاليتها العقائدية، بما هي عليه من الانتقائية والأهوائية، أكثر وضوحا لدى حسن نصرالله.

وهذا الدور، بالإضافة إلى وضعه نصرالله نفسه وبالتالي لبنان في دائرة الاستهداف الدولي عامة والأميركي خاصة، يزيد من حدة المواجهة في الداخل اللبناني بين القوة المستعلية والوطن المأزوم المستنزف والمغلوب على أمره.

اقرأ للكاتب أيضا: كارلوس غصن ولبنان

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG