Accessibility links

الفرجار يرسم الوطن.. الوعي يصنع الدولة


سوادانيات يحتفلن أمام غرافيتي تظهر عسكريا يرفع سلاحه بوجه متظاهرين

مالك العثامنة/

"نموت ونموت ويحيا الوطن".

هذا شطر من النشيد الوطني التونسي وهو نشيد جميل ومحرك للمشاعر.

وتلك بالضبط هي المشكلة!

لا أقصد النشيد نفسه، بل أقصد العبارة الواردة أعلاه، وهي عبارة لها مرادفاتها ومشتقاتها في عالمنا العربي الضاج بكل المشاعر والتقاليد وحكايات التاريخ الصالحة لكل زمان ومكان، فالكل يموت من أجل الوطن. المسؤول يتحدث في خطاباته الإنشائية عن الوطن الذي "نفديه بأرواحنا" والمواطن الذي يتسول رضا السلطة يغني ويهتف ويخطب عن ذلك "الوطن المفدى" و"تراب الوطن الأغلى من الذهب!".

الكل يبذل "إنشائيا" كل ما يملك بما في ذلك حياته وحياة أولاده وأحبابه من أجل هذا الوطن!

في حالة الوطن الذي يفديه الجميع بأرواحهم،الكل يبحث عن موطئ رأس خارج حدوده

والدموع في الأعمال الدرامية أو المواد البصرية المشغولة باحتراف لتلامس كل الكتل العصبية في الإنسان، كلها تنهمر من أجل هذا الوطن.. المفدى. وطبعا مع الزمن والتكرار، يصبح الزعيم الأوحد (ملكا أو رئيسا) رمزا لهذا الوطن، فتنسحب عليه أيضا وبالمعية وبالضرورة كل التضحيات والدموع والآهات التي بذلت من أجل الوطن.

لا أحد، وضح أو بحث عن توضيح محدد لهذا "الوطن" المفدى، والذي يعشقه الكل من "زعيمه المفدى" إلى "مواطنه الفادي روحه".

في المقابل، لا أحد من كل هؤلاء غالبا، يتحدث عن "الدولة".. وهي كيان أكثر وضوحا، وملامحه تزداد عيانا كلما تأطرت بمنظومة قوانين تحت دستور يضع خطوط العلاقات بين المؤسسات والأفراد كلا على كل بما في ذلك علاقة "الزعيم" نفسه بنفسه ليصبح رأس دولة لا أكثر، محكوما بالدستور لا أكثر، ولا داعي أن يفديه أحد بروحه.. ولا بإصبع من أصابعه على الأكثر.

والدولة، في محصلة الأمر، وضمن حقوق وواجبات يشرعها الدستور وحده والقوانين بعده وضمنه، لا تحتاج كل تلك الإنشائيات في التضحية والفداء وبذل الأرواح والمهج، كل ما سيحصل بعدها فقط أن تلك الدولة ستكون من القوة بذاتيتها ومؤسساتها بما يكفي لأن تحمي نفسها، أما تراب الوطن الذي كان الكل يتنافس على تقبيله، فبوجود دولة مؤسسات وقانون وأنظمة تعليمية ومعرفة كافية ووعي فإن الأبحاث ستعمل على تخصيب التربة لتصبح زراعية منتجة ومثمرة، لا داعي لتقبيلها بل زراعتها فقط.

ما الفائدة أن تقبل ترابا ممتلئ بالأوساخ والروث وأكياس النايلون غير المتحللة، ويتعرض للتصحر بانتظام؟

♦♦♦

التصحر الأخطر ليس ذلك الذي تتعرض له الجغرافيا وطبيعة الجيولوجيا والمناخيات، بل هو ذلك التصحر الفكري والذهني والثقافي الذي يتعرض له الناس عبر تزوير ومسخ وتشويه وعيهم من خلال الموروث الديني الذي يتم تهجينه بالمستورد الديني الصحراوي غير القابل للحياة إلا في الربع الخالي من هذا الكوكب.

وفي "الوطن" الذي يفديه الجميع إنشائيا بأرواحهم، فإن هذا الهجين من "الموروث والمستورد" سيعمل جاهدا لإسقاط فكرته كلها فهو لا يؤمن بالحدود لأن المقدس لا حدود له، ووكلاء المقدس لهم شرعية وراثة الكوكب كله، وإسقاط فكرة وهمية لا تصلح إلا لدفاتر الإنشاء، عملية سهلة أمام التصحر المتمدد في العقول والأذهان، وغياب الوعي.

لكن، في الدولة التي يحكمها دستور ومؤسسات وقانون، فإن المواطنة ليست فرعا ممتدا لأي من الهويات، بل إطار قانوني يعمل على تعريف حاملها بحقوقه وواجباته، مع الأخذ بعين الاعتبار أن من كان "قائدا ملهما فريد عصره" هو في دولة المؤسسات والقانون يحمل ذات المواطنة مثل الآخرين، بحقوق وواجبات.

المواطنون المتوسلون لرضا السلطة في "الوطن المفدى" يبحثون دوما عن هجرة في أوطان لها دول

في تلك الحالة، يصبح التصحر، بمجازه الفكري وحقيقته الجغرافية والمناخية مستحيلا أمام شعور المواطنة الذي يضع لوحده سياجا واضحا للحدود، وهي ليست حدود فاصلة بقدر ما هي حدود "وطنية" تضع للوطن مفاهيما محددة ومعان واضحة ملموسة ويمكن تعريفها.

هناك "أوطان" ابتكرتها الخرائط وستبقى مرهونة بفرجار الرسم، وهناك أوطان ترسخت تقادما بفكرة الدولة فظلت ثابتة، لأن الدولة الحقيقية تصنع الوطن الذي يرسم خرائطه.

♦♦♦

في حالة الوطن الذي يفديه الجميع بأرواحهم، هناك مفارقة غريبة، فالكل يبحث عن موطئ رأس خارج حدوده.

فالمواطنون المتوسلون لرضا السلطة في "الوطن المفدى" يبحثون دوما عن تأشيرة عمل أو هجرة في أوطان لها دول.

والقائد الملهم وحاشيته التي تسهر من أجل "الوطن المفدى" تضع كل أموالها في حسابات بنوك تلك الأوطان التي تحميها مفاهيم دولة المؤسسات.

عزيزي الباذل روحه وكل ما يملك من أجل وطنه..

فكر بالدولة.. بالقانون والمؤسسات التي تخلق أوطانا صالحة للعيش، بل صالحة حتى للحسد إن شئت.

اقرأ للكاتب أيضا: مخبر وشيخ وشيوعي

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG