Accessibility links

الفساد.. باللبناني


اعتصام في حديقة سمير قصير في بيروت ضد القمع الذي يطال الصحافيين والناشطين

بقلم فارس خشّان/

لا يخلو خطاب سياسي في لبنان من الدعوة إلى وجوب استئصال الفساد، وغالبا ما يدعو المسؤولون النيابة العامة إلى التحرك ضد كل من يتهم وزيرا أو مقربا من مرجعية سياسية بالفساد. وتجمع البيانات الدولية التي تعنى بمساعدة لبنان اقتصاديا ـ كما هي الحال في مؤتمر "سيدر" الذي انعقد في باريس قبل أشهر ـ على وجوب ضرب الفساد وإنجاز الإصلاحات.

واللافت في كل ذلك أن عملية "الأيادي البيضاء" مطلوبة من الحكومة تحديدا، وفق الصيغة التي يرددها في الآونة الأخيرة رئيس الجمهورية ميشال عون الذي يقول: "على الحكومة العتيدة التحصن بالجرأة واتخاذ قرار سياسي واضح باستئصال الفساد".

من يعاين جودة مكافحة الفساد مثله مثل من يشتري سمكة، فهو يعرف إن كانت فاسدة أو صالحة، من رأسها

وعلى الرغم من أن الدعوات إلى مكافحة الفساد تكاد توازي في لبنان الدعوات إلى إقامة الصلاة، إلا أن المواطنين، قبل المراقبين، يستهزئون بذلك ولا يعيرونه أي اهتمام ولا يولونه أي ثقة، ويدرجونه في خانة "تطويل الخطاب" و"تجميل التعابير"، ويعتبرون أنه، في أحسن أحواله، "ضحك على الذقون" في محاولة للتعمية على ما ينسب إلى "الواعظ" من أفعال مشينة.

وهذا اليأس الشعبي من قدرة الطبقة الحاكمة في لبنان على إحداث نقلة إصلاحية واعدة ليس مبنيا لا على عناد عبثي ولا حتى على إحباط من تجارب سابقة، بل يجد أسسه في كثير من المعطيات الموضوعية. تكمن روحية هذا اليأس في تبادل الاتهامات بين الأفرقاء الذين تشكلت منهم الحكومات السابقة ومن المقرر أن تتشكل منهم الحكومة العتيدة التي يمنع قيامها، حتى إشعار آخر، صراع الأحجام وليس الاختلاف على البرامج الإصلاحية أو على الرؤى الإنقاذية، وفق ظاهر الحال.

اقرأ للكاتب أيضا: نحن أبناء الشرق

وإذا كانت التجارب اللبنانية، بقديمها كما جديدها، قدمت ما يكفي من أدلة على أن التخلص من "تمرد" موظف للإتيان بآخر "مطواع"، إنما يرتدي زورا زي مكافحة الفساد، فإن التوقف عند محطة الاتهامات المتبادلة بين الأطراف التي تشكل الحكومة، أي السلطة المدعوة لمكافحة الفساد، يشكل بذاته فضيحة مدوية.

وبعض الأمثلة يشرح المسألة بوضوح:

وزير المال علي حسن خليل يصف وزير الخارجية جبران باسيل بأنه "لص العهد" و"مزور محترف".

ويرد وزير الخارجية، الذي هو صهر رئيس الجمهورية ورئيس حزبه السياسي، على وزير المال، وهو المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب نبيه بري، قائلا: "أكبر شهادة لي بأن يتهمني أحد مثل الوزير علي حسن خليل بأنني لص، فهذا يؤكد براءتي".

أما وزير العدل سليم جريصاتي فاتهم وزير الأشغال العامة يوسف فنيانوس بأنه "مخبر" ردا على ما قاله في حقه وزير الأشغال بأنه "لا يستحق كلمة زميل".

واتهم نائب رئيس الحكومة غسان حاصباني وزير الطاقة سيزار أبي خليل بأنه ينتمي لمجموعة (حزب رئيس الجمهورية) لا تلتزم بالقانون وخير وزراءها بين واجب الالتزام بالقوانين أو "امشوا من هون"، فرد أبو خليل عليه قائلا: "لم يعد البلد واقتصاده يحتملان مراهقتكم".

وقال وزير شؤون اللاجئين معين المرعبي إن وزير الخارجية جبران باسيل "سيوصل لبنان إلى الخراب"، فما كان من نائب في تكتل باسيل إلا أن اتهم رئيس الحكومة سعد الحريري ـ وهو المرجعية السياسية للمرعبي ـ بالتورط في أحد ملفات الفساد.

والمفارقة أنه بعد كل هذا الكلام الموثق الذي لا يشكل سوى "غيض من فيض"، يعود هؤلاء ويتآلفون ويتحالفون ويوهمون الناس بأنهم قادرون على حماية مصلحة البلاد والعباد.

في الواقع، إن قاموس هؤلاء، في أي دولة تقيم اعتبارا لدورها ووظيفتها وحصانتها، يسقط عنهم الأهلية، حتى تفصل لجان تحقيق برلمانية وقضائية في صحة ما ينطقون به أو بطلانه.

تهم الفساد لا تسقطها التسويات السياسية، بل معاقبة من يتهم إن كان متجنيا وإلا فمعاقبة المتهم إن كان متورطا

ففي المنطق المؤسساتي، يستحيل التعاطي مع أي اتهام يطلقه وزير على أنه نوع من أنواع "الترف السجالي" أو "الزجل السياسي"، لأن المسؤولية تحتم عليه أن ينطق بما يعرف، بالاستناد إلى ملفات مكتملة وأدلة دامغة ومعطيات واضحة، تحت طائلة إحالته على "السرايا الصفراء" أو الحجر عليه في "الكرنتينا" (المحجر الصحي في بيروت).

وفي ظل هذه الاتهامات المتبادلة التي لا تجرؤ حتى أعتى معارضة على اعتمادها في صراعها مع السلطة القائمة، يصبح دور القضاء كاريكاتوريا إذا ما تحرك ضد كلمات قالها ناشط سياسي على مواقع التواصل الاجتماعي أو كتبها صحافي في مقال عنيف.

اقرأ للكاتب أيضا: الحق على... الشعب

وإذا كان مد اليد على خزينة الدولة يضعفها، فإن هذا النوع من السجال الاتهامي الذي ينتهي بـ"تبويس اللحى"، يدمرها.

فتهم الفساد لا تسقطها التسويات السياسية، بل معاقبة من يتهم إن كان متجنيا وإلا فمعاقبة المتهم إن كان متورطا.

وفي ضوء هذا الواقع اللبناني، لا يعد مستغربا أن يتعاطى المواطن مع مؤسساته بعدم الثقة، وبأن ينظر الداخل والخارج إلى الدولة على أنها كيان مريض.

من يعاين جودة مكافحة الفساد مثله مثل من يشتري سمكة، فهو يعرف إن كانت فاسدة أو صالحة، من رأسها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG