Accessibility links

الفلسطينيون أضاعوا "قضيتهم" فلا يلومون إلا أنفسهم


الرئيس الفلسطيني محمود عباس

د. توفيق حميد/

بعد طول انتظار أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في البيت الأبيض خطته المقترحة للسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

وقال ترامب إن خطة السلام في الشرق الأوسط تقدم حلا واقعيا لدولتين، مضيفا أن الدولة الفلسطينية المقبلة ستكون "متصلة" الأراضي.

وأكد أن "هذه هي المرة الأولى التي تجيز فيها إسرائيل نشر خريطة مقترحة لخطة السلام الإسرائيلية الفلسطينية"، موضحا أن خطته تنص على أن "القدس ستبقى عاصمة غير مجزأة لإسرائيل".

وفي نفس الوقت تقريبا كانت حناجر الفلسطينيين بمختلف مدن الضفة الغربية وقطاع غزة تصدح بأعلى صوتها معلنة رفضها لهذه الصفقة بل رفضها لترامب نفسه.

من الصعب نسيان كيف اتهم الفلسطينيون السادات بالخيانة والعمالة

وعلى وقع الأغاني الثائرة والحماسية هتف المتظاهرون الفلسطينيون الذين خرجوا بمسيرات حاشدة مساء الأربعاء "اسمع اسمع يا ترامب.. إحنا إحنا الرقم الصعب"، و"صفقة قرنك ما بتمر.. إحنا شعب لحمه مُر"، كما دعوا وعبر هتافاتهم الشعوب العربية للثورة رفضا لهذه الصفقة بحرق سفارات الولايات المتحدة ومنشآتها الاقتصادية بالدول العربية.

وفي مدينة نابلس، كما بقية مدن الضفة الغربية، خرج آلاف الفلسطينيين رفضا لصفقة ترامب حاملين العلم الفلسطيني، وحرقوا مجسمات وصورا للرئيس الفلسطيني محمود عباس وترامب وأخرى تجسد "صفقة القرن".

وهنا لنا وقفة لنحلل كيف تسبب الفلسطينيون في هذا الوضع الذي لا يرضون عنه ويرونه مذلة وعارا.

وهذه بعض الأسباب:

أولا: يتناقل المصريون روايات عن أن زعماء العشائر الفلسطينية باعوا الكثير من الأراضي لليهود قبل قيام دولة إسرائيل، ويصل البعض إلى درجة تسمية أصحاب العشائر بأصحاب العشائر الخونة!

وهنا يفرض السؤال نفسه: كيف يعتب الفلسطينيون على دول مثل مصر وغيرها ويتهمونهم بالخيانة في حين أن هناك اعتقادا شعبيا بأن الفلسطينيين أنفسهم هم أول من باع أجزاء من الأراضي المتنازع عليها.

ثانيا: رفض الفلسطينيون جميع الحلول الدولية التي عرضت عليهم من الأمم المتحدة عام 1946، وكانت لا تضمن لهم إنشاء دولة فحسب، بل وكانت ستعطيهم الجزء الأكبر من الأراضي القابلة للمعيشة، وتدوّل مدينة القدس فلا تكون تحت سيطرة إسرائيل.

وكان القرار الصادر من الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة رقم 181 بتاريخ 29 نوفمبر 1947 يحظى بتأييد أممي ويتبنّى خطة إنهاء الانتداب البريطاني المنطقة.

فمن الذي رفض هذا العرض وعاش على أوهام وأحلام لا علاقة لها بالواقع، حتى أصبح الآن في وضع أسوأ بكثير مما كان عليه!

ثالثا: رفض الفلسطينيون العرض التاريخي الذي عرضه عليهم الرئيس المصري الراحل أنور السادات، وكان بمقتضاه سيحصل الفلسطينيون على دولتهم، ووضع أفضل بكثير مما هم عليه الآن، مقابل لا شيء سوى إعلان السلام مع إسرائيل.

ومن الصعب نسيان كيف اتهم حينذاك الفلسطينيون الرئيس السادات بالخيانة والعمالة، وكيف رقصوا فرحا يوم مقتله بأيدي أحد عناصر الجماعات الإسلامية المتطرفة.

رابعا: انضمت حماس علانية تحت مظلة "الإخوان المسلمون"، وحول الفلسطينيون قضيتهم إلى قضية دينية بدلا من سياسية.

رفض الفلسطينيون جميع الحلول الدولية التي عرضت عليهم من الأمم المتحدة عام 1946

وكان ذلك أكبر خطأ قاموا به في تاريخهم فإن كان لديهم أي نوع من الحجج السياسية، فهي بالتأكيد ستتلاشى تماما أمام بعض الآيات القرآنية الصريحة في هذا الأمر ومنها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

يَا قَوْمِ (والحديث هنا لبني إسرائيل) ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ (سورة المائدة آية 21)

وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ (سورة الأعراف آية 137)

كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا (أي الأرض المقدسة) بَنِي إِسْرَائِيلَ (سورة الشعراء آية 59)

خامسا: لم يدرك الفلسطينيون أنهم برقصهم وفرحتهم بقتل امرأة عجوزا يهودية، أو أطفالا صغارا في حضانة في إسرائيل، وبدعمهم، كما نرى على شبكات التواصل الاجتماعي، فكرا متطرفا مثل ما دعت إليه أستاذة الأزهر سعاد صالح في كلمتها الشهيرة على شاشات التلفزيون العربية والتي تم ترجمتها إلى اللغة الإنكليزية والتي دعت فيه إلى "جواز اغتصاب أسيرات الحرب الإسرائيليات" ـ أقول لم يدرك الفلسطينيون حين فعلوا ذلك أنهم يخسرون الكثير ممن كانوا يدعمونهم في الغرب.

وكانت نتيجة كل ما سبق هي ما وصل إليه الفلسطينيون اليوم من تفكك وتردٍ، وكان ما حدث بأيديهم إلى درجة كبيرة ـ ولذا فإن أراد الفلسطينيون لوم أحد فليبدؤوا بأنفسهم!

وللحديث بقية!

اقرأ للكاتب أيضا: لماذا "فشل" الأزهر في تجديد الخطاب الديني؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG