Accessibility links

"القانون العشائري" في مواجهة قتلة المتظاهرين في العراق


مسلحون من القبائل في كربلاء يستعرضون قوتهم لردع القوات الأمنية ووقف حمام الدم

لطالما كانت العشائر في العراق عامل توازن بين الشارع والسلطة على امتداد العقود. ولكن حين تغيب الدولة، وتسيل الدماء في احتجاجات مناهضة للسلطة في البلاد، يعود كل عراقي إلى عشيرته التي ترفع شعارها: "نحن أولياء الدم".

بقوانينها وأعرافها وعاداتها وتقاليدها التي لا يستطيع التهرب منها أحد، وكميات السلاح التي تمتلكها، أصبحت العشائر اليوم من أبرز اللاعبين في العراق، أحد أكثر البلدان فسادا في العالم.

وتتواصل التظاهرات في جنوب البلاد ذي الغالبية الشيعية ضد نظام الحكم، وقد أضرم خلالها المحتجون النيران في عدد كبير من المؤسسات الحكومية ومقار الأحزاب احتجاجا على الفساد ونقص الخدمات واتساع نفوذ الفصائل المقربة من إيران.

وفي بلد نحو 60 في المئة من سكانه هم دون الخامسة والعشرين من العمر وثلاثة أرباعهم يعيشون في المدن، "انسلخ كثيرون من العراقيين الشيعة عن هويتهم العشائرية" خلال السنوات الأخيرة، بحسب ما يقول فيليب سميث من "معهد واشنطن" للأبحاث.

لكنه يشير إلى أن تلك الروابط تعززت اليوم على غرار كل مرحلة حساسة في العراق، إذ إنه في مواجهة "حكومة مركزية ضعيفة للغاية وقوة خارجية (إيران) يُنظر إليها على أنها داعمة للحكومة، يقولون (العراقيون) لأنفسهم إنه من الأفضل أن نتجه نحو مصادر القوة التي سبق وجربناها".

وعندما ارتكبت السلطات والميليشيات الموالية لإيران مجزرة في مدينة الناصرية جنوبا بقرار من لواء أرسلته بغداد لـ"فرض النظام"، كان مقاتلو العشائر هم من قطع الطريق على التعزيزات الأمنية.

قتلت القوات الامنية العراقية أكثر من 25 شخصا في الناصرية- 28 نوفمبر 2019
قتلت القوات الامنية العراقية أكثر من 25 شخصا في الناصرية- 28 نوفمبر 2019

أوقف هؤلاء حمام الدم في المحافظة التي سقط فيها 97 قتيلا، وفقا لمصادر طبية، معظمهم من المتظاهرين الشباب الذين قتلوا بالرصاص الحي في مدينة الناصرية، مسقط رأس رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي.

"الديّة"

وأسفر قمع المظاهرات المناهضة للحكومة المستمرة منذ الأول من أكتوبر الماضي، عن مقتل أكثر من 450 شخصا، وإصابة أكثر من عشرين ألفا بجروح.

ويقول الشيخ قيصر الحسيناوي من عشيرة الحسينات في الناصرية لوكالة فرانس برس "العشائر هي التي ساهمت في إيجاد حلول للأزمة، والسياسيون لم يتحركوا".

مسلحون من عشائر في كربلاء في 8 ديسمبر 2019 يستعرضون القوة لردع قوات الأمن التي تواجه المتظاهرين بعنف
مسلحون من عشائر في كربلاء في 8 ديسمبر 2019 يستعرضون القوة لردع قوات الأمن التي تواجه المتظاهرين بعنف

وقدمت مئة عائلة بالفعل شكوى ضد اللواء جميل الشمري الذي قاد عملية القمع في الناصرية، وحظيت تلك العائلات بدعم العشائر.

وفي بلد لا تزال "الديّة" فيه بعيدة عن القنوات القضائية الرسمية، بل تأتي نتاج اتفاق و"جلسة فصل" بين العشائر، يقف شيوخ الناصرية اليوم إلى جانب عائلات ضحايا القمع، مطالبين بالقصاص ممن كانوا سببا في سقوط "الشهداء".

وتبرأت عشيرة الشمري من ابنها، اللواء المفصول، بدلا من الدفاع عنه.

ولا تزال العشائر حتى اليوم تتدخل للحد من العنف، رغم أن لها تاريخا طويلا في المقاومة، وخصوصا في العام 1920 عندما كان لها دور حاسم في الاستقلال ضد الاستعمار البريطاني.

ويقول رجال شرطة، يقفون منذ شهرين في وجه الاحتجاجات، إنهم يفضلون الانسحاب على المواجهة إذا اضطرت العشائر إلى حمل السلاح، لأنهم يرون أن "الدولة لن تكون قادرة على حماية رجالها من القانون العشائري".

وكانت العشائر دائما مفتاح العودة إلى الهدوء في مناسبات عدة، لأنها رجالها موجودون في كل مكان، بين المتظاهرين، ورجال الشرطة، وفي الحكومة.

وصار ذلك نقطة قوة للعشائر في تعزيز مكاسبها السياسية والاقتصادية، في واحد من أغنى دول العالم بالنفط والذي تنخره المحسوبيات.

ويرى الباحث في مركز "اي نيو أميريكان سيكيوريتي" نيكولاس هيراس أن العشائر اليوم تسعى إلى إعادة التفاوض على "العقد الاجتماعي".

ففي مدينة البصرة النفطية الواقعة إلى أقصى جنوب العراق، تتظاهر العشائر بشكل روتيني بسلاحها، الثقيل أحيانا، للحصول على وظائف وعمولات من شركات النفط، عراقية كانت أم أجنبية.

لكن الأزمة هذه المرة أعمق بكثير.

ويشير هيراس إلى أن "غضب العشائر موجه اليوم إلى المسؤولين في بغداد المتهمين بعدم الالتزام بجانبهم من العقد الاجتماعي"، الذي يقضي بأن "يكون شيخ العشيرة قناة موارد لأفراد عشيرته، مقابل أن يقدموا له هم الولاء المطلق".

لكن وسط بنية تحتية محتضرة ونقص في الموارد، فإن الدولة غير قادرة على الاستجابة إلى مطالب العشائر.

ويقول سميث إنه في حال نجحت السلطات مجددا في "تلبية مصالح واحتياجات" العشائر المختلفة، يمكن إحياء العلاقة، لكن المهمة كبيرة لأن "جسورا عدة قد قطعت".

مساحة مخصصة في مركز اعتصام المحتجين في ساحة التحرير وسط بغداد لتكريم ضحايا التظاهرات
مساحة مخصصة في مركز اعتصام المحتجين في ساحة التحرير وسط بغداد لتكريم ضحايا التظاهرات

ويضيف أن "الوظيفة لا تكفي لشراء أشخاص أثقل فساد المؤسسات وسوء إدارة الدولة كاهلهم".

ويختم بالقول "يجب ألا ننسى شيئا، وهو أنه لا يمكن شراء عشيرة أبدا، بل يمكن استئجارها".

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG