Accessibility links

القدس التي رأيت


باب العامود في القدس

منصور الحاج/

عند زيارتي لمدينة القدس العريقة مطلع هذا الشهر، لم أشعر بالغربة إطلاقا وأنا أجوب شوارعها وأتمعن في أشكال مبانيها العتيقة وملامح سكانها المنحدرون من خلفيات عرقية مختلفة. بدا كل شيء في القدس مألوفا لي ويذكرني بمسقط رأسي في مدينة مكة المكرمة. البوابات الشاهقة كباب العامود وباب الخليل، المدينة القديمة بأزقتها الضيقة والمرتفعات الجبلية والباعة المتجولون والمخابز ومحلات العطارين كلها تشبه إلى حد بعيد المناطق المحيطة بالحرم المكي. أما السوق الشعبي فيها فلا يختلف كثيرا عن سوق باب مكة الواقع في حي البلد بمدينة جدة مكان نشأتي من حيث كثرة أعداد المرتادين وتفنن الباعة في عرض بضائعهم واستمالة المارة وتشجيعهم على الشراء.

في القدس، كما هو الحال في مكة، حين تنتقل من حي إلى آخر تشعر وكأنك تسافر بين عوالم مختلفة تختلط فيها الأصالة بالتجديد والعراقة بالتحديث والهدوء بالجلبة ووقار النساك وهمهمات المتعبدين مع عربدة المتسكعين ولا مبالاة الفوضويين.

كل شيء يبدو متناغما في القدس ويسير بسلاسة مدهشة. فالمسيحيون يتنقلون أسبوعيا بين المواقع التي سلكها المسيح وهم يحملون الصليب، والمسلمون يشقون طريقهم إلى المسجد الأقصى لأداء الصلوات خمس مرات في اليوم، فيما يسير اليهود إلى حائط المبكى بطمأنينة وخشوع. أما السائحون فهم منهمكون عادة في التقاط الصور وشراء الهدايا وتناول المأكولات المحلية كالحمص والفلافل والفول والطحينة والتعرف على المواقع الدينية والأثرية وزيارة المعالم المختلفة للمدينة.

في صبيحة اليوم الثاني لزيارتي، ذهبت إلى جبل الزيتون وشاهدت الأقصى ومسجد قبة الصخرة من هناك وكذلك قبور من يرقدون في المساحات الفاصلة بين الموقعين. أما في المساء فقد انتهى بي المطاف عبر الصدفة المحضة إلى الملهى الليلي الوحيد بالمدينة. لم أكن أتوقع أبدا أن يكون في المدينة "نايت كلوب" يرتاده المقدسيون وزوار القدس ويتراقص على أنغام الموسيقى فيه الشباب والشابات من مختلف الأديان والأعراق بكل حرية.

بدأت ليلتي باحثا عن مقهى لتناول القهوة وتدخين الشيشة وشرب شيء من النبيذ الذي تشتهر به المدينة. حين فشلت في الوصول إلى المقهى الذي اقترحه عليّ موقع "قوقل" قررت التعريج على شارع "بن يهودا" الذي يعج بالحانات والمطاعم والمحلات التجارية.

قررت الدخول إلى إحدى الحانات وعندما طلبت من النادلة أن تقدم لي شيشة بنكهتي العنب والنعناع، اعتذرت بكل لطف وأخبرتني بأن ما أطلبه غير متوفر في محلها ولا في المحلات المجاورة لها. ثم اقترحت علي الذهاب إلى الجانب العربي من المدينة إن كنت أرغب في الإستمتاع بتدخين شيشة بمواصفات عالية. حين سألتها عن موقع تلك المحلات، طلبت مني السير باتجاه الشرق لمدة 20 دقيقة.

ضللت الطريق مجددا، فسألت شرطي المرور عن المقهى الذي اقترحه "قوقل" فأرشدني إلى شارع حيفا الشهير وأثناء مسيري فيه صادفت وجود حانة تحمل اسم إثيوبيا. لم أتردد بالدخول وكم سررت برؤية شباب وشبابات سمر البشرة يتجاذبون أطراف الحديث ويتراقصون على أنغام الموسيقى. هناك، تعرفت على شاحر اليهودي، وعصام المقدسي وشلة من السياح والسائحات من فرنسا وأميركا وألمانيا.

وكان من الملفت للإنتباه في تلك الحانة أن جدرانها مليئة بالجمل والعبارات والشعارات والأسماء المكتوبة بعدة لغات وبألوان مختلفة لزوار عسكوا عليها ذكرياتهم وخلفياتهم الثقافية ومواقفهم السياسية ووثقوا بأقلام الحبر المترامية فوق الطاولات زيارتهم التاريخية للقدس.

تعرفت على أفراد تلك المجموعة وبدأت اتجاذب معهم أطراف الحديث وأستمع إلى قصصهم وانطباعاتهم عن القدس لكني أكثر ما أثار فضولي كان معرفة أن عصام ينحدر من أصول سنيغالية وأن جده جاء من السنغال قبل عقود واستقر في القدس حيث ولد والد عصام. أخبرني عصام أيضا بوجود عشرات العائلات من أصول أفريقية قدم أسلافهم من كل من السنيغال وتشاد والسودان ونيجيريا.

أما شاحر الشاب المرح المشاكس صاحب اللحية الطويلة فقد أخبرني بأن اسمه يعني "فجر" بالعربية وطلب مني الإنضمام إلى مجموعته والذهاب معهم إلى حانة أخرى لم تكن تبعد كتيرا عن المكان الذي كنا فيه.

في الطريق تعرفت على "تي تي" الشاب الفرنسي و"مات" الأميركي الكاليفورني لكن اهتمامي كان منصب على عصام وقصته وأوضاع المقدسيين الأفارقة. ولأن قصة عصام تشبه كثيرا قصتي وقصص مئات الآلاف من الأفارقة الذين هاجروا إلى السعودية واستقر بهم المقام هناك، أحسست بأنني قريب منه وأخبرته بأن جدتي هاجرت من تشاد إلى مكة قبل خمسة عقود وقررت العيش إلى جانب "بيت الله".

قائد المجموعة شاحر قرر من جديد بأننا سنتوجه إلى الملهى الليلي. في أثناء سيرنا إليه، انضم إلينا شابان عربيان أخبرتهما بأنني ولدت في مكة ولم أكن أتوقع وجود ملهى ليلي في القدس اعتقادا مني بأن المتدينيين اليهود لن يسمحوا بذلك. بمجرد وصولنا، تعرف حراس الملهى على شاحر وسمحوا لنا بالدخول مباشرة على الرغم من أن العشرات كانوا يقفون أمام الباب وينتظرون أن يسمح لهم بالدخول.

في داخل الملهى، كان الجو في قمة الروعة وأعجبني كثيرا المظهر العام لجموع المرتادين وتفاعلهم مع الأغنيات التي لاحظت أن قدرا كبيرا منها كان باللغة العبرية.

في الملهى، كان مئات الراقصين والندامى من مختلف الألوان والجنسيات والأشكال يتمايلون مع ايقاعات الأغاني الصاخبة وينشرون السعادة والبهجة في كافة أركانه.

في اليوم التالي، حاولت الإتصال بعصام للإطمئنان عليه والتنسيق معه للقاء به من جديد والتعرف على شريحة المقدسيين الأفارقة لكنني أكتشفت بأنني لم أقم بتسجيل رقمه بشكل صحيح. أزعجني ذلك فقد كنت أرغب بأن أكون على تواصل معه وانتابني شعور بأنني لن ألتقيه مرة أخرى.

في هذا اليوم كنت على موعد للقاء مقدسي آخر يدعى عز الدين ومجموعة من السياح الأوروبيين في جولة في البلدة القديمة على المطاعم والمخابز ومحلات العطارة للتعرف على المطبخ الفلسطيني وبعض أهم الوجبات فيه.

في بداية الجولة، أخبرنا عز الدين بأن أسلافه جاؤوا من بخارى من عشرات السنين وقرروا الاستقرار في القدس. هنا يتجلى وجه آخر للشبه بين مكة والقدس فشريحة البخاريين في مكة من أهم الشرائح المكونة للنسيج الإجتماعي هناك. طاف بنا عز الدين على بائعات الخضار حيث تذوقنا طعم الزيتون، وانتقلنا بعد ذلك إلى محل أبو أحمد وتناولنا الفلافل والحمص والمخلل ثم توجهنا إلى أحد أشهر محلات العطارة هناك حيث شرح لنا أهمية العطار في المجمتع في إعداد أشهى المأكولات وكذلك في تقديم الوصفات الطبية لتخفيف الآلام وعلاج بعض الحالات المرضية.

في نهاية الجولة، اشترى عز الدين بعض الكنافة والحلويات المقدسية وأخبرنا بأننا سنتناولها مع كوب من القهوة في محل يملكه أحد أصدقائه المقربين. كان المحل الرائع التصميم متجرا لبيع الهدايا به مجلس عربي أنيق، وكانت القهوة المقدمة طيبة المذاق استمتع الجميع بها بعد الجولة التي استمرت قرابة ساعتين ولكن الأجمل بالنسبة لي كان صدفة أن عصام هو صاحب المحل.

-------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG