Accessibility links

القراءة الحرفية والتوظيف السياسي للنصوص الدينية


لاجئتان من الروهنغيا تدرسان في مخيم لجوء ببنغلاديش

بابكر فيصل/

يجادل البعض أن العنف صفة جوهرية للدين الإسلامي، بعكس الأديان الأخرى، ويستندون في زعمهم هذا إلى عدد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآراء والفتاوى الفقهية التي تحث المسلمين على القتال، وبالتالي فإنهم يخلصون إلى أن التنظيمات الإرهابية من شاكلة "القاعدة" و"داعش" تمثل الوجه الحقيقي للإسلام.

عند النظر في هذا الادعاء يتوجب ابتداء التفريق بين الإسلام كديانة، وفهم بعض الأفراد والجماعات لهذه الديانة، ذلك لأن تفسير النصوص يعكس في المحصلة النهائية فهم البشر ولا يُمثل بالضرورة مقصد الله.

من هذا المنطلق فإنه يُمكننا التفريق بين العديد من الأفهام للنصوص، وهي الأفهام التي تبلورت في شكل تيارات ومدارس فقهية وفكرية مختلفة تبنَّت أدوات تفسير متباينة لمعاني وغايات ومقاصد تلك النصوص (على سبيل المثال المتصوفة والسلفية).

إن التفسير الحرفي للنصوص الدينية ومحاولة توظيفها أيديولوجيا يؤدي ـ في مجال حديثنا ـ إلى نتائج كارثية، تتحول معها التعاليم الدينية إلى آلة تدمير متوحشة، تتنافى مع الرسالة الأصلية للدين الهادفة أساسا لخدمة الإنسان، وهذا الأمر لا يقتصر على الديانة الإسلامية فحسب، ولكنه يشمل مختلف الأديان.

ليس العنف قاصرا على أتباع الديانات الإبراهيمية الثلاث، بل هو يتعداها إلى الديانات الأخرى

لتوضيح هذه النقطة أضرب مثلا بتوظيف التنظيمات الإسلامية المتطرفة للآية الخامسة من سورة التوبة المعروفة باسم "آية السيف": "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة واتوا الزكاة فخّلوا سبيلهم إنَّ الله غفور رحيم".

لا يكترث أصحاب القراءة الحرفية للنصوص للسياق التاريخي الذي نزلت فيه الآية أو أسباب نزولها، ويقولون إنها نسخت جميع آيات السلم الواردة في القرآن، ويعتبرون أن عدم الإيمان بالله والإسلام له يعتبر بحد ذاته مبررا لإباحة قتل الإنسان حتى إذا لم يكن هذا الإنسان عدوا محاربا.

ولكن الآيات التي تدعو للقتال ليست محصورة على القرآن، فالكتاب المقدَّس ـ على سبيل المثال ـ مليء بالآيات التي تنادي بالقتال واستعباد الشعوب فكلمة "سيف" مثلا وردت في الكتاب المقدس أكثر من أربعمائة مرة.

جاء في الآيات من 10 إلى 18 من سفر التثنية: "حين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح. فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك وإن لم تسالمك، بل عملت معك حربا، فحاصرها وإذا دفعها الرَّب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، كل غنيمتها، فتغتنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك. هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدا التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبا فلا تستبق منها نسمة ما. بل تحرمها تحريما: الحثيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين، كما أمرك الرب إلهك. لكي لا يعلموكم أن تعملوا حسب جميع أرجاسهم التي عملوا لآلهتهم، فتخطئوا إلى الرب إلهك".

لا شك أن الفهم الحرفي لنص سفر التثنية سيقود صاحبه إلى أفعال مشابهة لتلك التي اقترفتها "داعش" في ظل حكم دولتها المزعومة، حيث تم سبي النساء الأيزيديات وتعاملوا معهن كغنائم لمقاتلي التنظيم المتطرف، وفرضت الجزية على المسيحيين في سوريا، وكل تلك الممارسات قد تم استنباطها من نصوص قرآنية مشابهة لنص العهد القديم أعلاه.

تقول الدكتورة "لين دافيس" الأستاذة بجامعة برمنغهام ببريطانيا في كتابها "التعليم ضد التطرف" إن "التفسير الحرفي للنص، ولا سيما النصوص المقدسة، وترجمة ذلك التفسير إلى أفعال يمكن أن يؤدي إلى نتائج مدمرة. إن الله يوصي بني إسرائيل في الكتاب المقدس بقتل العماليق، القبيلة الكنعانية الأصلية، جنبا إلى جنب مع نسائهم وأطفالهم ومواشيهم. ويمكن للمرء أن يفترض أن هذا سوف ينظر إليه الآن في سياقه التاريخي. ولكن بالنسبة للمسلحين الأصوليين مثل الحاخام "يسرائيل هيس"، الحاخام السابق لجامعة بار إيلان في تل أبيب، فإن العماليق التاريخيين المذكورين في الكتاب المقدس يتم إسقاطهم على العرب الفلسطينيين المعاصرين. في مقالة له بعنوان "وصية الإبادة الجماعية في التوراة" تنتهي بالكلمات: سيأتي اليوم الذي سنُدعى فيه جميعا للوفاء بوصية الحرب الإلهية لتدمير العماليق".

القضية إذن ليست مرتبطة بدين محدد، ولكنها متعلقة بكيفية قراءة النص الديني، وفي هذا الإطار تقول دافيس إن المعضلة تكمن في "ترجمة الأوامر في النصوص المقدسة أو غيرها إلى عمل، لأن الكثير يعتمد على اللغة" وتضرب مثالا لذلك بأنها عندما كانت تدرس في المرحلة الابتدائية أنشدت مع غيرها من التلاميذ: سيروا أيها الجنود المسيحيون إلى الحرب، ومع ذلك فهي تقول "لا أعتقد أننا في الواقع فهمناها حرفيا، كما أنها لم توجه حياتي أو تجعلني محاربة ـ ليس باسم المسيح على أي حال. الافتراض هو أنه في أعماقنا كنا نعرف أنه كان قياسا بقدر أي "معركة" ـ ضد الأوساخ، أو الانكماش، أو قمل الرأس".

تفسير النصوص يعكس في المحصلة النهائية فهم البشر ولا يُمثل بالضرورة مقصد الله

قد يقول البعض إن المسيحية ليست كاليهودية والإسلام، فهي ديانة تدعو في الأساس للسلام والمحبة، وأن المسيح عليه السلام هو القائل "إذا ضربك أحدهم على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر، وإذا أخذ أحدهم رداءك فأعطه إزارك"، ولكن هؤلاء يتناسون أنه قد ورد على لسان المسيح نفسه في "إنجيل متى" القول "لا تظنوا أَنِّي جِئْتُ لِأُلْقي سلاماً على الأَرض. ما جئتُ لأُلْقي سلاماً بل سيفاً. فإِنِّي جئتُ لأُفرِّق الإِنسَان ضدَّ أَبيه والابنة ضد أُمِّها والكنَّة ضد حماتها".

ولكن قد يباغتنا أحدهم بالسؤال: هل رأيت مسيحيا يُفجِّر نفسه؟ وسنجيب عليه بالقول: التجربة التاريخية للديانة المسيحية اشتملت على ممارسات عنيفة فظيعة مثل "الحروب الصليبية" التي تمت باسم المسيح عليه السلام، ولكن تحولا عميقا في المسيحية، خصوصا بعد عصر الأنوار، جعلها تتجاوز ذلك النوع من القراءة والتفسير لنصوص الإنجيل، ومع ذلك مازالت بعض الجماعات مثل "كو كلكس كلان" في أمیركا تمارس العنف تحت شعار الصليب حتى اليوم.

ليس العنف قاصرا على أتباع الديانات الإبراهيمية الثلاث، بل هو يتعداها إلى الديانات الأخرى، ومنها تلك التي يُنظر إليها باعتبارها أكثر الأديان تسامحا ودعوة للسلم على وجه الأرض، وأعني الديانة "البوذية".

هذا الجانب من ممارسة العنف في ديانة مثل البوذية قد لا يعكس القراءة الخاطئة للنص المقدَّس، ولكنه بالقطع يُشير إلى التوظيف الأيديولوجي للدين لخدمة المصالح السياسية والقومية والاقتصادية واستمرار الهيمنة، وليس أدل على ذلك مما يدور اليوم من عنف ممنهج "يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية" كما قالت الأمم المتحدة ضد أقلية الروهينغيا المسلمة في جمهورية ميانمار.

مشهد العنف في ميانمار تصدره الرهبان البوذيون وفي مقدمتهم الراهب "أشين ويراثو" الملقب بـ "بن لادن البوذي"، الذي نشرت عنه مجلة تايم الأميركية في يوليو 2013 تقريرا بعنوان "وجه الإرهاب البوذي" أوضحت فيه الكيفية التي يُحرِّض بها المئات من أتباعه البوذيين في معبده بمدينة ماندلاي.

يقول الراهب في خطبته: "لا يوجد وقت للهدوء الآن، بل هو وقت انتفاضتكم، وجعل دماءكم تغلي، المسلمون يتكاثرون ويريدون أن يحتلوا بلادكم، ولكنني لن أسمح لهم بذلك، يجب علينا أن نحتفظ بميانمار بوذية!".

مشهد العنف في ميانمار تصدره الرهبان البوذيون

يقول تقرير مجلة تايم إن الديانة البوذية "بالنسبة للكثيرين في العالم، تعتبر مرادفا للاعنف والمحبة واللطف، وهي المفاهيم التي نشرها سيدهارتا غوتاما "بوذا" منذ 2500 سنة. ولكن مثل أتباع أي دين آخر، البوذيون ورهبانهم ليسوا بمنأى عن السياسة، وفي بعض الأحيان، إغراء الشوفينية الطائفية".

غير أن العبارة الأكثر أهمية الواردة في ذلك التقرير والتي تلخص فكرة مقالنا هذا، تمثلت في القول إن "كل ديانة يمكن أن يتم تحويلها إلى قوة مدمرة مُسمَّمة بالأفكار التي تتناقض مع أسسها، والآن جاء دور البوذية".

أما الإجابة على السؤال حول القتل وتفجير النفس، فإنني أُحيل السائل إلى حوادث اغتيال الرئيس الهندي الأسبق راجيف غاندي ووالدته أنديرا غاندي، حيث مات الأول بحزام ناسف كانت ترتديه امرأة من الهندوس، بينما قتلت أمه برصاص اثنين من حراسها ينتمون للديانة السيخية انتقاما لتدمير معبدهم وقتل رئيسه.

اقرأ للكاتب أيضا: حول صحة حديث "الأئمة من قريش"

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG