Accessibility links

القضائي والسياسي في استرداد الأموال المنهوبة


جدراية للشاب علاء أبو فخر، الذي قتل بعد مقابلة رئيس الجمهورية ميشال عون، يرسمها في طرابلس اللاجئ الفلسطيني غيث الروبة، الذي لجأ إلى لبنان من سوريا

حسن منيمنة/

تقترب الثورة اللبنانية من إكمال شهرها الأول، وتستمر الطبقة السياسية في محاولات البحث عن وسائل تنفيسها وتشتيتها واستيعابها. بعض أصحاب المناصب والخبرة يشيرون بقلق إلى التداعيات الخطيرة، اقتصاديا وسياسيا، لاستمرار الحراك الشعبي في تعطيله للحياة الاقتصادية وصولا إلى تحميله مسؤولية الانهيار المرتقب، فيما يلوّح البعض الآخر بأن حال الفوضى من شأنها تعميق الشروخ بين بيئة وأخرى، ووضع شارع في مواجهة شارع، بما يؤسس لحرب أهلية جديدة.

دون الوقوع في فخّ سجالات مع هذه الطروحات التي يختلط فيها الصادق بالمنافق، ودون إصدار بيانات نافية وناقضة، ومن خلال اتساع دائرة المشاركة في التظاهرات، وتعزيز التواصل بين الناشطين من مختلف المناطق، يبدو جليا بأن الرأي السائد في أوساط الثورة مختلف تماما.

بلهجة عرسالية رائعة، في تظاهرة في شتورا اعتمدت أسلوب طرابلس بالاحتفال الثوري، اختصر أحد الثوار واقع الأزمة ومطلب الثورة: "حرب؟ ما في حرب! حل؟ ما في حل! في مصاري، سرقتوهن، نهبتوهن، أخدتوهن... ردّوهن!".

صدق ثوار لبنان.

استرداد الأموال المنهوبة هو دون شك في صدارة الأولويات، أقلّه في المرحلة الاستدراكية لهذه الثورة، أي في معالجتها لخطايا الجمهورية الثانية، قبل الدخول، إذا نجح الثوار في ترجمة اندفاعهم وشعاراتهم برامج سياسية، إلى التأسيس للجمهورية الثالثة التي ينتهي فيها منطق الطائفية والإقطاعية.

المسألة هنا وهنالك قد لا تكون سرقة بالمعنى القضائي، بل هدر طائش حينا، ونهب ممنهج ومشرعن أحيانا

على مدى الأعوام الماضية، رغم الإحباط العائد إلى فجور الفاسد والصمت المريب لمن عليه أن يقاضي ويسائل، وفي وجه واقع مجتمعي كاد أن يستسلم للأقدار، واصلت مجموعات من النشطاء المدنيين والصحافيين الاستقصائيين عملها التوثيقي لأوجه متراكمة من النهب والسرقة والاختلاس الممنهج والفساد بمختلف أشكاله.

وإذا كانت الثورة قد أعادت الاعتبار لهذا المجهود الهام، فإن آليات الانتقال من الطرح الإعلامي لهذه الحالات إلى المقاضاة القانونية متوفرة للتوّ فقط للشطر الأوسط من حالات فقدان المال العام، أي تلك التي يرتكبها موظفون في القطاع العام خلافا للقوانين المرعية بما يحقق لهم الكسب المالي غير المشروع ويحرم المواطن من الخدمات التي كان يفترض أن توفّرها الأرصدة المسروقة.

والأموال المسروقة في هذا "الشطر الأوسط"، على أهميتها وضرورة العمل على استرجاعها، تتضاءل أمام حجم الأموال المنهوبة أو الضائعة في "الشطر الأعلى" من حالات فقدان المال العام، أو المبددة في "الشطر الأسفل" منها.

"الشطر الأعلى" هنا هو ما جعل من "الجمهورية الثانية" مزرعة لزعماء الطوائف وأمراء الحرب. هو وليد صيغة توافقية بينهم شرّعت لهم تقاسم ثروات الوطن، المحلية منها والواردة إليه لرفعه من أزماته، بمعرفة المانح أو دونها، بحجة التوازن بين الفئات والطوائف، وإن جاء ذلك على حساب مصلحة المواطن وكرامته، وفي أحيان عدّة حياته.

قد تكون الكهرباء هي المثال الصارخ على هذ الممارسات المهينة والمشينة. فقد هُدرت على مدى السنين مبالغ خيالية كان من شأنها بناء بنية تحتية للتيار الكهربائي لأوطان عدّة، وحُمّلت الأجيال القادمة الديون المترتبة عن هذا الإنفاق المستهتر، عند الحد الأدنى، فيما بقي المواطن اللبناني يصارع الظلمة ويقدّم جزءا هاما من دخله لأصحاب المولدات، للحصول على التيار في ساعات انقطاعه من المؤسسة العامة.

وقد تضاهي قضية شركة سوليدير مسألة الكهرباء، بل قد تزيد بالنسبة للبعض، في استملاكها لعقارات وسط بيروت، بشكل مصادرة قسرية، ثم بفشلها تحقيق وعودها الإنمائية والاستثمارية، رغم الرواتب الضخمة والامتيازات للقائمين عليها.

والمسألة هنا وهنالك قد لا تكون سرقة بالمعنى القضائي، بل هدر طائش حينا، ونهب ممنهج ومشرعن أحيانا. قد يمكن إخضاع بعض أطراف الموضوع للملاحقة القانونية، حيث انضوت الممارسات ضمن العقود على مخالفات وتجاوزات قابلة للمساءلة. وقد يمكن تدفيع ثمن سياسي لبعض الزعامات التي أتاحت لهذه الحالات الشاذة أن تتحقق وأن تستمر، غير أنه من فائق الصعوبة الاقتراب من استرداد الأموال المنهوبة والمهدورة، سواء ضمن الإطار العدلي القائم، أو مع استصدار قانون جديد في هذا الشأن أعدّته وتعمل على إقراره الطبقة السياسية نفسها المسؤولة عن هذه الحالات.

وفي حين أنه للكهرباء ولسوليدير حصّة الأسد في هذا الشطر الأول، فإن السبيل ليس حاضرا، لا من حيث الصلاحية لا الأهلية ولا الكفاءة للشروع بالتعويض عن الضرر المادي، القابل للتقدير، والمعنوي العصي عن أي تخمين، في ترخيص أعمال الكسارات التي دمّرت الجبال والمواقع الأثرية، كما في إباحة البناء مع استباحة الطبيعة على مدى الفضاء اللبناني، وصولا إلى بيع الواجهات البحرية والنهرية، والإضرار بالبيئة والإنسان، وتدمير الإرث البيئي والوطني والذي هو من حقوق الأجيال القادمة.

استرداد الأموال المنهوبة هو دون شك في صدارة الأولويات

والسؤال الهام كذلك هو هل يمكن إهمال الاستنزاف المالي والمادي للمجتمع اللبناني نتيجة للمناكفات السياسية على طول عمر الجمهورية الثانية، والذي قد يزيد، في ضياع فرص النمو والازدهار عن المال المنهوب والمهدور واقعا؟ بل كيف يمكن الفرز بين هذه العوامل المتداخلة دون الوقوع في فخ التسطيح القابل لإعادة التوظيف السياسي؟

التيارات اليسارية، سواء منها المنسجمة مع محور "الممانعة" أو الصادقة بيساريتها العقائدية، تسعى إلى تحميل مصرف لبنان وعموم القطاع المصرفي مسؤولية رئيسية للفساد، من خلال الحديث عن تواطؤ السلطة ورأس المال، أو عن التبعية للنظام العالمي والخضوع لرغبات الصناديق الدولية، أو حتى من خلال الغوص في قراءات نظرية اقتصادية اختزالية حول أزمة النظام الغربي.

"النيوليبرالية" هي اليوم بالتالي موطن العلة وأساس الشر لدى هذه الجهات، دون أن يتفق من يتحدث عنها عن مضامينها. بل لربما أنه في غموض تعريف "النيوليبرالية" ما يزيد من وطأة إدراجها في الكلام، كما كان حال "المحافظين الجدد"، وهي ليست عنهم ببعيدة، في نظر من يستدعيها.

ليس اليسار وحده من يشتكي من أزمة النظام العالمي الرأسمالي المعولم في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بل تكثر الأصوات الداعية إلى التنبه من ميل هذا النظام تلقائيا إلى دورات الأزمات الخانقة ثم الانفراجات، بما يؤدي إلى ضرب الاستقرار على المستويات المختلفة. على أن الانتقال من العام (العالمي) إلى الخاص (اللبناني) في هذا الشأن يحتاج إلى قدر من التأني لتجنّب أن تصبح المسألة وسيلة وحسب في سجالات سياسية مستجدة، عقيمة وقابلة للتوظيف.

هل أن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة "فاسد" يجب أن يسقط ويعيد ما نهبه من أموال (مهما كانت، إذ لا أدلة أو قرائن هنا)، أو هل أنه حاول تطبيق سياسة نقدية هادفة إلى تحقيق استقرار العملة الوطنية، ونجح بذلك، في حين أن المسؤوليات الاقتصادية المرتبطة بهذه السياسة النقدية، وهي القابلة للجدل، تقع على عاتق السلطتين التنفيذية والتشريعية، واللتين بقيتا غائبتين عن القرار في هذا الشأن؟

وهل أنه على رئيس الوزراء السابق فؤاد السنيورة أن "يعيد 11 مليار دولار"، وإلا جاز لأهل الخير أن يأكلوا دون أن يدفعوا في المطاعم التي قيل أن لأحد أقربائه حصة فيها، على أن يحسم دولة الرئيس قيمة الوجبة من الأموال التي نهبها، وفق القناعة العامة التي تكاد أن تجمع أنه وضع اليد وحسب على هذه المليارات (دون أن تساؤله بشأنها الجهات المختصة في الحكومات التالية والتي ساد عليها خصومه)؟ أم هل أن السنيورة كان قد وضع موضع التطبيق قراءة مطاطة لقاعدة متبعة لموازنات متتالية من أجل تصريف أعمال الدولة، بما يصل وحسب إلى حد الاتهام بمخالفة العرف أو الدستور، في حين كان الفريق الخصم يسعى إلى تعطيل المؤسسات الدستورية برمّتها؟

وتتجلى الطبيعة الأهوائية لمحاربة الفساد إعلاميا في التقرير المرئي الذي استهدف وزير الخارجية جبران باسيل. إذ جاءت خلاصة التقرير لتضع أمام المشاهدين كامل دخل باسيل منذ توليه المنصب العام في مواجهة قيمة أملاكه المسجلة منذ ذلك الحين. مليون وربع مليون دولار مقابل ٢٢ مليون دولار. رغم أن التقرير زعم الرغبة بالاستفسار وحسب، غير أن الأمر ينضوي على اتهام واضح بالفساد.

الفاسد هنا هو المقارنة، حيث أن 22 مليون دولار هي القيمة التقديرية اليوم، وليست ما دفعه الوزير لشراء هذه العقارات، علما بأن باسيل قد رفع السرية المصرفية عن نفسه، وجرى الكشف عن حساباته فتبين بأنه مديون للمصارف بثلاثة ملايين دولار، وهو تفصيل لم يرد في هذا التقرير. أي أنه يجوز أن يكون الرجل قد أحسن الاستثمار في السوق العقارية. لا تنتفي إمكانية أن يكون قد استفاد من فساد. ولكن التقرير الفاضح جاء قاصرا.

ليس في ما سبق رغبة أو نية في تبرئة سلامة أو السنيورة أو باسيل، فقد يكون أي منهم الناهب الأول لثروات لبنان. إنما تبقى البينة على من ادّعى، والتهمة ليست البرهان. والصعوبة عندما تحاكم السياسات، بما في ذلك تلك المسؤولة عن قطاع الكهرباء وسوليدير، تكمن في تبيان النية. هل من أقدم على الفعل أراد تنفيذ الواجب ففشل، أم هل أنه تعمّد الفشل لتحقيق النهب.

من شأن الثورة، كما هي فاعلة اليوم، الاستمرار بالضغط على السلطة القائمة، بوصفها سلطة تصريف أعمال، للمضي قدما بمساءلة شفافة للتجاوزات والمخالفات والسرقات التي تقع ضمن صلاحية القضاء والتي تطال "الشطر الأوسط" من فقدان الأموال العامة.

أما "الشطر الأول" فهو بحاجة ماسة إلى إطار كفيل بنقله من حالة الاتهام القائم على الانطباع والقابل للتوظيف السياسي إلى الصيغة الكفيلة بأن تحاسب على أساس المعطيات الموضوعية.

مطلب أن ترحل الطبقة الحاكمة برمّتها لا يستقيم مع تجريم دون أدلة

المطلوب بالتالي ليس استصدار قوانين من سلطة سياسية هي في موقع الاتهام ولا يصحّ بالتالي أن تكون هي الحكم بل المطلوب هو تصعيد ثوري، يدعو كافة الطاقات الحقوقية في لبنان، وهي وافرة، إلى مناقشة التجارب العالمية في العدالة الانتقالية للاستفادة منها وللوصول إلى أشكال محلية لجهود استرداد الأموال المنهوبة، تؤطرها وتصدرها السلطة التشريعية المقبلة والتي تقبل بها الثورة.

ربما أن أحد السبل الناجعة في هذا الصدد، مع استحالة استرجاع المهدور وصعوبة استرداد المنهوب بكماله، البحث في إمكانية إقامة "هيئة مصارحة ومصالحة مالية" تسمح للسياسيين وشخصيات الأعمال في حالات لا يمكن الفصل في جرميتها، كالاستفادة من تشريعات تسببت بالضرر وبهدر المال العام دون أن يكونوا هم من استصدروها، بالتقدم طوعا بالتعويض للخزينة العامة.

للثورة محافلها في وسط العاصمة، والرجاء هنا هو أن يتحقق في حلقاتها ونقاشاتها البحث عن التوازن بين الإصرار على تحقيق الحق باسترداد المنهوب والضائع، وبين المحافظة على منطق الإنصاف. فمطلب أن ترحل الطبقة الحاكمة برمّتها لا يستقيم مع تجريم دون أدلة، في السعي إلى الانتقال إلى دولة سيادة المواطن.

غير أنه، بالإضافة إلى هذين الشطرين، الأوسط القابل للمقاضاة الفورية، والأعلى، الواضح المعالم وإن لم تكن صيغ المساءلة المنتجة متوفرة، شطر ثالث أكثر صعوبة، يتعلق بمسؤوليات فردية وجماعية للمواطنين. على أمل أن يكون موضوع المقال التالي.

اقرأ للكاتب أيضا: "المقاومة" في وجه ثورة لبنان

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG