Accessibility links

القفص الذهبي


Princess Haya bint Al Hussein

كوليت بهنا/

نهاية شهر يوليو الفائت، حلت الذكرى الـ 38 لزفاف الليدي ديانا وولي العهد البريطاني الأمير تشارلز. زفاف أسطوري ما زال حاضرا في ذاكرة كثيرين كواحد من أكثر الأعراس الملكية فخامة وتأثيرا في دغدغة أحلام عزّاب العالم آنذاك، وبشكل خاص لما امتلكته ديانا، كامرأة، من حضور آسر منذ ظهورها الأول، واستمر خلال حياتها الزوجية القصيرة وازداد بعد طلاقها ثم فجائعية موتها.

الأميرة البريطانية، التي يكاد لا يمر يوم دون إشارة أو ذكر لها وكأنها لم تغب، تُستحضر بقوة وتُستذكَر تفاصيل حياتها بوتيرة أعلى في مثل هذه الأيام، عبر مقاربة قصتها بقصة الأميرة هيا بنت الحسين زوجة حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد التي غادرت الإمارات منذ شهر تقريبا مع طفليها واستقرت في بريطانيا.

القصة مريرة في بعدها النفسي العام، ولا أحد يعرف الأسباب الحقيقية إلاهما

تنطلق هذه المقاربة من خلال أبرز القواسم المشتركة بين السيدتين بصفتيهما أميرتين، وكل واحدة منهما زوجة لحاكم شهير ومؤثر، تولتا عدة مناصب فخرية رفيعة تتعلق بشؤون إنسانية عامة، الأولى حصلت على الطلاق قبل موتها والثانية تسعى للحصول عليه.

قد تبدو هذه المقاربة صحيحة في ظاهرها، لكنها في واقع الأمر عجولة في جوهرها، استنادا إلى خصوصية البيئة الاجتماعية والثقافية والدينية والمدنية والسياسية التي تنتمي كل منهما إليها واختلافاتها الشاسعة، إضافة الى اختلاف الأسباب التي دفعت لطلب الانفصال. لكن القاسم المشترك الأبرز في الحالتين، هو ما تلعبه بعض الصحافة الورقية الصفراء ومنصات التواصل الاجتماعي والشبكة العنكبوتية من دور في انتهاك حريات الأفراد وتحويل قضاياهم الشخصية جدا إلى مشاع للعامة، والنتائج المعنوية الهدّامة التي يمكن أن تسفر عن هذا الاقتحام في ظل عدم احترام أو تطبيق القوانين الإعلامية الرادعة التي تحرم تناول الحياة الشخصية للأفراد مهما كانت صفتهم الاعتبارية، وأكثر من يعاني من هذه الانتهاكات كبار النجوم والمشاهير والشخصيات العامة وساسة العالم.

في حالة الأميرة هيا، لوحظ الصمت الإعلامي الإماراتي والعربي الأقرب إلى التجاهل منذ مغادرة السيدة لمدينة دبي نظرا "لحساسية الموضوع" وتفهم العادات العربية والإسلامية ومراعاة مشاعر عدد من الأطراف ذات الصلة. في المقابل، أسهبت بعض وسائل الإعلام الغربية الرصينة في الحديث عن الموضوع ساعة حدوثه بموضوعية ومهنية، ونشطت لملاحقة تفاصيله ولا تزال تتابع مجرياته خطوة خطوة.

فتح الصمت الإعلامي الإماراتي الباب لكثير من التأويلات والتكهنات وأتاح الفرصة للتعليقات، على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل خاص، والتي جاءت بمعظمها حادّة ومسيئة للطرفين، أي للأميرة هيا وللشيخ محمد بن راشد معا. عدد كبير ممن علّق من العامة، عزا السبب إلى قسوة عالم القصور واستلاب الحرية الفردية لقاطنيها وصراع الضرائر خلف الكواليس وغيرها من القصص التي تلهب خيال العامة، فيما بدا بعضهم أكثر جرأة وخيالا ونسب لنفسه معرفة الحقيقة وكأنه كان يعيش بين الزوجين.

وفي الحقيقة، القصة مريرة في بعدها النفسي العام، ولا أحد يعرف الأسباب الحقيقية إلاهما، وهي أسباب يفترض أن تندرج تحت سرية الحياة الزوجية وقداسة خصوصيتها، ولا يحق لأي كان التدخل فيها إلا برغبة الطرفين في الكشف عن بعض تفاصيلها للمقربين أو العائلة أو المحاكم، المفترض بدورها أن تكون سرية حفاظا على احترام خصوصيات أي زوجين حتى لو كانا زوجين عاديين من عامة الشعب.

عرف عن الشيخ محمد بن راشد حاكم دبي عبر تاريخه، حكمته ورؤاه الحداثية وشاعريته، وتفرد بين أقرانه من حكام الخليج وشيوخها بظهوره في المناسبات العامة والخاصة برفقة زوجته الأميرة هيا كشريكة ورفيقة درب، وهو أمر يعتبر خطوة تقدمية وبناءة بالنظر إلى حساسية الأعراف والتقاليد العربية والإسلامية، والخليجية بشكل خاص.

ما فعلته الأميرتان، أنهما غيرتا قواعد الحكايات، وتركتا قصر الأمير وما فيه

بدورها، برزت الأميرة هيا، سليلة الأسرة الملكية الهاشمية، كشابة تنتمي إلى عصرها في المظهر والتفكير، وعرفت بذكاء كيف توازن بين احترام التقاليد العامة لأسرتها وأسرة زوجها، والظهور في الوقت عينه بصفتها "السيدة الأولى"، وهو مكسب لا شك أنها اجتهدت لتحقيقه ولا يقل أهمية عن اهتماماتها في الشؤون الانسانية التي تخدم مجتمعها المحلي والعربي معا.

اليوم، هذين الزوجين الجليلين اختلفا لأسباب، كما يختلف أي زوجين في العالم لأسباب تخصهما، ولأنهما شخصيتين اعتباريتين، قد تنجح شفافية مطلوبة من الإعلام الإماراتي توضح للعامة باختصار مفاده بأن "هذا الزواج انتهى" في وضع مسافة أمام التدخلات الخارجية والإساءة للكرامات وإيقاف الدمار النفسي الذي يمكن أن يتسبب به استمرار التكهنات وعدم الوضوح.

قد يكون أبرز ما جمع بين قصتي الأميرة ديانا والأميرة هيا، أنهما ساهمتا في إعادة النظر في حكايات الطفولة، حيث يندر أن تربى فتاة صغيرة في جميع أنحاء العالم دون أن يكون أحد أحلامها أن تصير أميرة وتتزوج بالأمير وينجبان صبيانا وبنات ويعيشون في حب ونبات. ما فعلته الأميرتان، أنهما غيرتا قواعد الحكايات، وتركتا قصر الأمير وما فيه، وتسللتا هاربتين من بين أسلاك القفص الذهبي دون عودة.

اقرأ للكاتبة أيضا: ذاكرة الزمن الإيراني الجميل

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG