Accessibility links

'الكاولية' ونخبة الحكم العراقية


الكولية

رستم محمود/

ما إن انتهت الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، حتى أطلقت الأوساط الإعلامية والشعبية العراقية تسمية "برلمان الكاولية" على كتل وأعضاء البرلمان الجدد، في دلالة على مزيج من "الازدراء والحطّ" لهذه النُخبة السياسية التي انتخبت للتو.

إذ ما إن انتهت العملية الانتخابية، حتى تخلى هؤلاء عن كتلة الوعود التي قطعوها لمجتمع الناخبين العراقيين، والتفتوا متلهفين للبحث وتأمين شبكة مصالحهم المادية فحسب.

فتخلى برلمانيون عن كتلهم مقابل رشاوي من كتل أخرى، ومنح آخرون أصواتهم لأشخاص وتيارات كانوا طوال الحملة الانتخابية يعتبرونهم معضلة العراق الرئيسية، لكن أغراهم التحاصص مع هؤلاء داخل قبة البرلمان.

شكّل "الكاولية" على الدوام رمزا للنبذ والازدراء الاجتماعي والثقافي العراقي

بعد شهور قليلة من ذلك، دخلت تسمية "الكاولية" اللسان السياسي/الاجتماعي العراقي، وصارت رديفة للعديد من المؤسسات والتشكيلات السياسية: وزير "الكاولية" ومحور "الكاولية"...إلخ، في إشارة إلى نفس المضامين السابقة.

"الكاولية" هي التسمية الشعبية العراقية الدالة على طبقة "خاصة" من أبناء المجتمع العراقي، يقوم أعضاؤه بتقديم نوع من "خدمات المتعة" للمنحدرين من الطبقات الميسورة. يملك هؤلاء بيوتا وخيما خاصة، يستضيفون فيها سهرات ليلية صاخبة، يقوم الشبان والرجال منهم بالطبخ وعزف الموسيقى، بينما تقوم الفتيات والنساء بالمجالسة والرقص و"الممارسة الجنسية"، مقابل قيام الضيوف بدفع مبالغ مالية مقابل تلك "المتعة/الخدمة".

اقرأ للكاتب أيضا: لماذا تناهض تركيا الأكراد بكل هذا القدر!

شكّل "الكاولية" على الدوام رمزا للنبذ والازدراء الاجتماعي والثقافي العراقي. ففي الوعي العام، شكّل هؤلاء مثالا ونموذجا للطبقة التي لا تعتد إلا بالمال، دون اعتبار لأي شيء، لا لهوية العائلة ودورها وقيمها، ولا حتى لحرمات الجسد وخصوصيات المجتمع وخطوطه الحمراء، إذ اعتبرهم الوعي المجتمعي العام الطبقة التي يشكل المال مركز وعيها، وأنها في سبيل جمع المال تستطيع أن تفعل وتتجاوز كل شيء.

نفس الوعي العام، المجتمعي والسياسي، والذي نال إلى درجة ما من طبقات المثقفين والمعرفيين العراقيين أنفسهم، لم يهتم ويبالي بالمأساة التي تطال طبقة "الكاولية" هذه على الدوام. فغير الازدراء والنبذ الذي يطالهم، فإن أعضاء هذه الطبقة كانوا على الدوام ضحايا لعمليات التعنيف والتحرش وانتهاك حرمة أطفالهم، دون أي حماية اجتماعية أو قانونية أو عرفية لهم ولحقوقهم.

كذلك لم تلتفت تلك النُخب إلى الظروف والسياسيات والتوازنات المجتمعية والاقتصادية والسياسية التي خلقت وأجبرت وحافظت على بقاء هذه الطبقة، المنحطة المكانة والمنتهكة الحقوق؛ الفقيرة والمستسلمة لما يمارس في حقها على الدوام؛ المتلقية لأقل قدر من قوة وحماية الدولة ومؤسساتها وأدوارها واستراتيجياتها التي يجب أن تكون حمائية بحق الطبقات الأضعف من المجتمع. صحيح أن بعض المقالات الثقافية والدراسات الأنثروبولوجيا قد كُتبت عنهم وعن مهنتهم ومسارات تحولاتهم، إلا أن ذلك لم يتحول يوما إلى واحدة من قضايا الشأن العام، التي يُستحق "النضال" في سبيلها.

لم يكن "الكاولية" أقلية عراقية صغيرة في أي وقت، بل كانوا على الدوام منتشرين في كافة مناطق وطبقات المجتمع العراقي، المدينية والريفية والبدوية على حدٍ سواء. وكانت أعدادهم وما يمارس ضدهم من أهم وأدق أدوات قياس أحوال المُجتمع العراقي، بالذات أحوال ومسارات العلاقة بين نخب الحكم والسلطة والطبقات المجتمعية الأكثر فقرا وتهميشا، الأقل تعليما ومكانة. إذا كلما ازدادت أعداد "الكاولية" وتضخمت شبكات أعمالهم وحدثت انتهاكات مريعة بحقهم، كانت المؤشرات تدل على تدهور أحوال الحكم وسوء توزيع الثروة العامة ومستوى انتشار الاحتكار وسلبية أداء مؤسسات السلطة في البلاد، والعكس بالعكس.

إذ ليس صحيحا أن طبقة "الكاولية" كانت في أي وقت طبقة مُغلقة، مثلها مثل الطبقات النظيرة لها في الدول والمجتمعات الأخرى، التي تقوم بنفس الأدوار وتتعرض لنفس المعاملة المجتمعية. أي أنهم ليسوا تشكيلا ثقافيا أو هوياتيا مطلقا، بل مُنتجا اجتماعيا سائلا، تبعا للأحوال الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في أية دولة كانت.

فهذه الطبقات تتوسع وتتدهور أحوالها تبعا لما تسلكه طبقات الحُكم والهيمنة بحق المجتمعات التي تحكمها. فما أن يتضخم الاستبداد ويتوسع النهب العام ويتقلص أعداد المحتكرين ويزيد الاحتكار، حتى ينعكس ذلك على الطبقة الاجتماعية الأضعف، ماديا وثقافيا ومجتمعيا ورمزيا، الذين يشكل "كاولية" العراق تكثيفا تاما لتلك السمات.

فآلاف العائلات والتشكيلات المجتمعية حينما تطالها تبعات تلك السياسات، التي تسلكها الطبقة الحاكمة، تنزاح لأن تقبل بامتهان مثل تلك الأعمال التي تحط من مكانتها الاجتماعية وتطيح بحقوقها، وتجعلها مع أطفالها عُرضة لأفظع الاعتداءات الجسدية واللفظية والرمزية، وتخرجهم تماما من مجالات التعليم وإمكانية الصعود والتطور في السلم الاجتماعي والاقتصادي.

في زمن حُكم الملكية للعراق، تضخمت طبقة "الكاولية" العراقية طردا مع زيادة احتكار طبقة الاقطاعيين والبرجوازيين لملكية الأراضي، الذين صاروا يحتلون المكانة السابقة لأمراء وزعماء العشائر وقادة السباهية والإنكشارية في الزمن العثماني. تضخمت طبقة "الكاولية" حسب "متطلبات" تلك الطبقات التي كانت تمتلك فائضا من المال والأملاك الزراعية والمكانة الاجتماعية والسلطة السياسية.

في مرحلة أحدث، وبعد سنوات الانقلابات العسكرية على الملكية العراقية، احتل ضباط الجيش مكانة المُلاك السابقين، فهؤلاء الضباط والدوائر الاجتماعية المحيطة بهم صاروا في سدة السلم الاجتماعي، وباتوا يمتلكون ويحتكرون نفس الفائض من الأموال والسلطة والمكانة التي كانت لمُلاك الأراضي، وصاروا يتلهفون لنفس الخدمات.

"كاولية" العراق لا يستحقون الازدراء الذي يطالهم، هم في المحصلة ضحايا أحوال هذه البلاد التعيسة

تحولت طبقات الحُكم والسيطرة العراقية طوال العقود الماضية، فمن الضباط الجيش صار قادة الأمن يفعلون ذلك، ومن هؤلاء الأخيرين غدت شبكة الاحتكاريين المُحيطين والمنشغلين بشبكة أعمال وسلوكيات عُدي وقصي نجلي صدام حسين، اللذين غدت سهراتهم الصاخبة من بنات "الكاولية"، والتي كانت تصور وتوزع بغض نظر منهما، صارت نموذجا لما كانت يُقدم عليه قادة السلم الاجتماعي والسلطوي العراقي.

في مرحلة ما بعد عام 2003 جرت عملية "تحديث" وتثبيت رهيبة لهذه العلاقة الحتمية بين طبقة السيطرة والحُكم وهؤلاء المساكين من أبناء "الكاولية".

اقرأ للكاتب أيضا: الانقلاب والثورة فيما جرى في إيران قبل أربعة عقود

ففي دولة العراق الفائضة بكافة أشكال الثروات، وعلى رأسها النفط الوفير، والذي تحكمه طبقات من الأحزاب والميليشيات الطائفية، فإن طبقة ومهنة "الكاولية" قد تضخمت وتوسعت في كل مناطق العراق، بشكل يتجاوز كل ما كانت من قبل. فالاحتكار والعنف والنهب العام وسوء الإدارة حرمت الملايين من أبناء الشعب العراقي من فرص عمل والتعليم المناسبين، وحجبت عنهم أشكال التأمين الاجتماعي والصحي، وأجبرت نسبا غير قليلة منهم لأن يقبلوا بامتهان أعمال مثل التي يقوم بها "الكاولية".

"كاولية" العراق لا يستحقون الازدراء الذي يطالهم، هم في المحصلة ضحايا أحوال هذه البلاد التعيسة. الذين يستحقون النبذ والازدراء أناس آخرون تماما، أكثر أناقة وأفضل تعليما وأفصح خطابة وأشد وهما بالنفس، الذين أوصلوا البلاد إلى ما هو عليه بؤس.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG