Accessibility links

الكرملين... أزمة وريث


الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

مصطفى فحص/

تاريخا، بالرغم من فشل الحزب الشيوعي السوفياتي بوصفه الحزب الحاكم في بناء منظمة الدولة المؤسساتية المستقلة بعيدا عن هيمنة المكتب السياسي للحزب ومراكز صنع القرار، فقد تمت تغطية هذا العجز من خلال الاعتماد على الآليات الحزبية التي احتفظت لنفسها بالمناصب الكبرى في الدولة، حيث أدارت الأجهزة الحزبية كافة المراحل الانتقالية التي شهدها الاتحاد السوفياتي دون أية مفاجآت، باعتبار أن كافة الرؤساء الذين وصلوا للحكم في الاتحاد السوفياتي باستثناء ميخائيل غورباتشوف كانوا أعضاء في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي.

حقق هذا الأمر استقرارا في السلطة، حيث لم يعان الاتحاد السوفياتي من أزمة في صناعة القادة بفضل الآلية الحزبية العقائدية غير المتوفرة في هذه المرحلة الحساسة في التاريخ الروسي، التي تشعر فيها النخب الروسية بأزمة وريث للكرملين بعد انتهاء ولاية فلاديمير بوتين الرئاسية الرابعة سنة 2024.

"عندما يعين بوتين كل الحراس الشخصيين ولا يجد أحدا ليعينه، ربما سيبدأ في تعيين طباخيه وخدمه"

من هنا، توقعت "Bloomberg" أن بوتين نفسه لا ينوي ـ على الأغلب ـ البقاء رئيسا بعد انتهاء ولايته الرابعة، لكنه قد يبقى في السلطة بعد انتخابات 2024 كرئيس للوزراء، بعد توسيع صلاحياته على حساب الرئيس.

هذا المخرج لأزمة الوريث يعود سببه إلى غياب حزب حاكم يملك آليات ذاتية تمكنه من إعادة إنتاج السلطة، إضافة إلى الأزمة الأعمق التي يعاني منها المجتمع الروسي في غياب المنظومة العقائدية المؤسساتية القادرة على إنتاج عصبية وطنية بالرغم من صعود اليمين القومي وتحالفه مع "السيليفكي" (civiliki) الذي يراهن على عامل الوقت داخليا باعتباره الحالة الوحيدة التي تلبي تطلعات النخبة الروسية الجديدة التي صنعها الكرملين خلال 20 سنة من حكم بوتين، والتي تتقاطع مع هواجس "السيليفكي" في استعادة دور روسيا الخارجي كقوة عالمية والذي لا يتحقق من دون شروط داخلية في مقدمتها تماسك الأمة والدولة خلف سلطة الكرملين.

مما لا شك فيه أن إدارة السلطة في الكرملين نجحت في تطويع الطبقة السياسية وإفراغها من النخب التي يمكن أن يكون لها دورا منافسا أو مؤثرا، الأمر الذي أدى إلى فراغ سياسي على مستوى الأحزاب والكوادر، فلجأت إلى استغلال هذا الفراغ السياسي من خلال اختيارات انتقائية حصرتها بالشخصيات المرتبطة بها مباشرة من ضمن دائرة الرئيس الضيقة، التي لا يمكن أن تشكل يوما ما حالة منافسة لبوتين أو تخرج عن سلطة الكرملين.

ومن أبرز الأسماء التي تم اختيارها في المناصب الحساسة المسؤول في الجهاز الأمني الخاص للرئيس، هو دمتري ميرونوف الذي عيّن حاكما لمحافظة ياروسلاف، أما التحول الأبرز في مشروع الكرملين الذي استفاد منه جماعة "السيليفيكي" كان سنة 2016 في تعيين الحارس الشخصي لبوتين لأكثر من 20 سنة ورئيس جهاز الأمنه الشخصي فيكتور زولوتوف رئيسا لجهاز الحرس الوطني الذي أنشأ بهدف حماية النظام وخوفا من انتقال عدوى الثورات الملونة إلى روسيا.

إدارة السلطة في الكرملين نجحت في تطويع الطبقة السياسية وإفراغها من النخب

وفي سياق تعليقه على تعيين زولوتوف كتب الكاتب الروسي أولغ كاشين في صحيفة نيويورك تايمز في شهر سبتمبر 2016 "كان النظام السياسي للاتحاد السوفياتي سابقا، عاجزا عن تأسيس مؤسسات مستقلة عن الرئاسة، والنظام الآن يسقط ضحية ضعفه إلى درجة أن كل محيطيه هم من الشخصيات شديدة الولاء وليسوا سياسيين، وعندما يعين بوتين كل الحراس الشخصيين ولا يجد أحدا ليعينه، ربما سيبدأ في تعيين طباخيه وخدمه".

وعليه فقد أدى تراجع الحياة السياسية في روسيا بعد ربطها بمصالح الأمن القوي الذي يخضع لتوجهات مجموعة "السيليفكي" التي تمثل وزارتي الداخلية والدفاع ورؤساء الوكالة والأجهزة الأمنية والاستخبارية والادعاء العام"، والتي بدأت تعزز دورها على حساب باقي مراكز صنع القرار وخصوصا شركاء بوتين الماليين من الأولغارشيا، التي تعتبر أن جزءا من خصومها في جماعة "السيليفكي" هم من الطارئين على السلطة ومن الممكن أن يتسببوا بخلل في لعبة التوازنات القائمة تحت سقف الكرملين منذ 20 سنة، لذلك يبدو أن فرصة جميع الأطراف لتفادي الأزمة هي التمسك ببوتين بعد 2024 وتهيئة الظروف الاجتماعية في روسيا للقبول بسلطة استبدادية تسمح بالحريات الشخصية فقط.

اقرأ للكاتب أيضا: روسيا في قبضة البوتينية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG