Accessibility links

الكرملين... هزيمة ذكية مستدامة


زعيم المعارضة الروسية ألكسي نيفالني خلال مشاركته في الانتخابات الأخيرة

مصطفى فحص/

مما لا شك فيه أن خيار التصويت الذكي الذي دعا إليه زعيم المعارضة الروسية ألكسي نيفالني في الانتخابات المحلية الروسية قد حقق هدفه، بعدما نجحت المعارضة غير المدجنة في تجيير أصواتها لممثلي المعارضة المدجنة التي سمح لها بخوض الانتخابات في 16 إقليما و26 مدينة روسية.

لكن صفعة المعارضة المؤلمة جاءت في انتخابات العاصمة، حيث تمكن الحزب الشيوعي وبعض المعارضين الليبراليين والمدنيين من الحصول على 20 مقعدا من أصل 45 مخصصين لمجلس المدينة.

لن يكون سهلا على الكرملين استقطاب سياسيين أو شخصيات مستقلة

هزيمة الكرملين في هذه الانتخابات، وخصوصا في موسكو، تتلخص في بعدين: الأول أن خيار التصويت الذكي تمكن من هزيمة عدد من مرشحي السلطة، أما البعد الثاني فأن السلطة نفسها تجنبت هزيمة أوسع من خلال تخليها عن اعتماد الترشح على قوائم حزب روسيا الموحدة ولجوئها إلى دعم مرشحين مستقلين لم ترتبط أسماؤهم بحزب السلطة، الذي خسر كثيرا من حضوره التمثيلي، الأمر الذي يفتح تساؤلا مشروعا لدى صناع القرار في الكرملين ومراكز القوى التابعة له حول مؤشرات الانتخابات التشريعية العامة سنة 2021 وكيفية خوضها.

حتى اللحظة يبدو أن الكرملين لن يتخلى عن خيارات الردع التي يمتلكها، بالرغم من فشلها في تطويق حركة التظاهرات ومنع توسعها، ولا عن استخدام القمع من أجل ترهيب مؤيدي المعارضة، إلا أن هراوات الشرطة والأجهزة الأمنية لم تردع المعارضين عن المشاركة في الانتخابات وتطبيق الاستراتيجية التي دعها إليها ألكسي نفالني في تطبيق التصويت الذكي. نجاح استراتيجية المعارضة، هو ما دفع الكرملين بعد إعلان النتائج إلى القيام بحملة مداهمات ضد مكاتب المعارضة حيث وصفها نفالني بالهستيرية، وقال في تعليقه عليها: "لماذا هذه الهستيريا؟ كلمتان: صوتوا بذكاء"، موضحا أن الشرطة تقوم "بعمليات تفتيش في أكثر من مئتي عنوان في 41 مدينة في روسيا".

فعليا لم يبالغ نفالني بوصف ردة فعل الكرملين على نتائج الانتخابات بالهستيرية، بعدما اتضح للكرملين أنه لا يمتلك خارطة طريق للخروج من مأزقه التمثيلي، ولا يملك الوقت من أجل إنتاج البدائل التي تحقق له انتصارا كاسحا في انتخابات 2021 التي من خلالها سيرسم ملامح سلطة ما بعد نهاية ولاية فلاديمير بوتين الرئاسية سنة 2024.

بدأت تتكشف أزمة الكرملين الذي فشل في ربط سلطته بمسوغ عقائدي حزبي متين

يُضاف إلى أن ذلك، أن المتوقع، حتى كتابة هذا المقال على الأقل، أن تدخل روسيا في مرحلة ركود سياسي واقتصادي سيصعب خلالها إعادة إنتاج حزب السلطة بعد فشل حزب روسيا الموحدة في أن يتحول إلى الحزب الحاكم، واقتصار دوره على أن يكون أداة ريعية تستخدمها السلطة التي تتحكم بثروات روسيا في ربط علاقتها مع المواطنين.

فحزب "روسيا الموحدة"، كان الوسيلة الوحيدة للسلطة لإنتاج طبقة اجتماعية جديدة موالية أشبه بطبقة متوسطة جديدة، وارتبط تأثيرها بالسطوة على مؤسسات الدولة الاقتصادية والأمنية، التي تشكلت من جيش عملاق من موظفي الدولة من مدراء عامين وقضاة وضباط في الجيش والأجهزة الأمنية والقطاع المالي التابع للدولة وهم في أغلبهم أقرب إلى تأثير الأنتلجنسيا الروسية التابعة لمركز القوة "لسيليفكي" إضافة إلى عمال القطاع العام الذين شكلوا العمود الفقري لحزب السلطة ورافعته والذين سيتأثرون حكما بحالة الركود الاقتصادي وتباطؤ النمو، وهو ما سيؤثر على علاقتهم المباشرة مع أجهزة الدولة التي سيضعف دورها النفعي نتيجة تراجع دور القطاع العام.

وفي هذا الصدد ينقل الخبير في الشأن الروسي الدكتور بسام المقداد عن موقع (Rosbalt) "أن الانتخابات أثبتت أنه ليس في روسيا حزبا حاكما، بل ليس فيها أحزابا سياسية، بل توجد فيها مجموعات، ليست كبيرة من المواطنين المستعدين للنضال في سبيل عودة السياسة إلى الفضاء العام".

صفعة المعارضة المؤلمة جاءت في انتخابات العاصمة

كذلك، لن يكون سهلا على الكرملين خلال المرحلة المقبلة استقطاب سياسيين أو شخصيات مستقلة أو حتى من المعارضة المدجنة، فقد باتت المشكلة بالنسبة للناخب الروسي خصوصا في المدن الكبرى أنه في الانتخابات المقبلة ستتراجع حظوظ الأحزاب أو المستقلين بالفوز إذا ظهرت لهم أي علاقات مع السلطة التي ستؤثر سلبا على سمعة المرشحين.

ما بعد الثامن من سبتمبر، بدأت تتكشف أزمة الكرملين الذي فشل في ربط سلطته بمسوغ عقائدي حزبي متين يؤمن له استقرارا سياسيا، فمنذ تظاهرات الصيف المعارضة، لم يعد لدى الكرملين إلا وسيلة القمع حفاظا على استقرار السلطة التي تواجه صعوبة في إنتاج البدائل، وهي قلقة من صعوبة إقناع جمهورها الموالي في تحمل أعباء الأزمة الاقتصادية التي ستزيد من حجم السخط العام على أداء أجهزة الدولة الغارقة في الركود.

اقرأ للكاتب أيضا: الكرملين... هزيمة ذكية مستدامة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG