Accessibility links

المعرفة والاختراق الإيديولوجي


الإيديولوجيا المتأسلمة ترى في أقسام الأدب والنقد (قبل اختراقها) أقساما علمانية

محمد المحمود/

قبل 20 عاما، كنت أنا وزملائي في قسم الدراسات الأدبية قد انتهينا للتوّ من السنة المنهجية للماجستير، وكان كل واحد منا مهموما بالبحث عن "موضوع أدبي" يتقدم به كـ"رسالة علمية" لهذه الدرجة. بعضهم ـ اختصارا للطريق/ للجهد ـ أراد البحث عن مخطوط قديم يُحَقّقه ويعلق عليه؛ فينال به الدرجة هَوْنا، وآخر بدأ يُنَقِّب في أدغال التراث عن شاعر/ أديب مغمور؛ لم يُدْرَس من قبل (وكان هذا شرطا أكاديميا لدراسة الموضوع)؛ حتى يستقيم له طريق البحث بالتقليد البليد؛ فينقل ما قاله دارسُ شعرِ: أبي الشيص ـ مثلا ـ؛ ليضعه ـ مع تغييّر الشواهد الشعرية ـ في موضوعه عن شعرِ: علي بن الجهم. ومن ثَمَّ، لا يدخل في مسارات بحثيّة نوعيّة تكشف عُوَاره المعرفي وهو لا يزال في أول الطريق.

وطبعا تجد ـ ولكن في حالات استثنائية نادرة ـ أولئك الذين كانوا يبحثون عن موضوعٍ يُضِيف إليهم؛ بقدر ما يُضِيفون إليه، ويكون لهم بمثابة فاتحة معرفية حقيقية لتدعيم مستقبلهم العلمي/ الأكاديمي.

كان القلق كبيرا؛ لأن الموضوع المقترح قد لا يُقْبَل؛ فيبدأ الطالبُ البحثَ من جديد عن موضوع لم يُدرَس من قبل! القلق مرتبط بالوقت، ورصيد الوقت ينفد، والموضوع البِكْر (الذي يرضى عنه معظم أعضاء القسم!) يكاد يكون نادرا. وقد كان القسم يُحاول التعويضَ عن فرادة البحث من الناحية العلمية بفرادة الموضوع؛ ليصبح كل ما يُقال في البحث ـ وإن كان مكرورا، رثّاًـ جديداً؛ لمجرد أن موضوع البحث جديد!

على أي حال، كانت المفاجأة التي أذهلتني وقتها، وفتحت عيني على مسارات انتهازية وإيديولوجية لم أعرفها ـ بمثل هذا الوضوح ـ من قبل، أن أحد الزملاء قال لي ـ وبثقة تملأ جوانحه بالسرور الآمن ـ: أنا عندي موضوع مضمون، لن يستطيع أحد الاعتراض عليه؛ لأنه سيكون عن "ابن تيمية". قلت له ـ بدهشة تُشابُ بسخرية: ابن تيمية !، ما علاقته بالأدب؟ قال: سيكون موضوعي بعنوان: "الظواهر الأدبية في تراث ابن تيمية"، وبهذا، لا أضمن الموافقة على الموضوع فحسب، وإنما أضمن أيضا الحصول على الدرجة بتفوق؛ مهما كانت طبيعة بحثي؛ فاسم ابن تيمية يحميني.

قلت له: أفهم أن طلاب الدراسات الأصولية والشرعية يكتبون رسائلهم في هذه الجامعة عنه؛ حتى يحصلوا على الدرجة من أقصر طريق، وأنا أعرف كثيرا منها، إنها مجرد نقولات وتأكيدات؛ في صورة مواعظ مُبَطّنة، تتغيا التسييج العقدي، فهي مجرد "بيانات إيديولوجية"؛ ومع هذا نال بها أصحابها درجة الامتياز. ولكن هل أنت ضامن أن هذا يجري في كلية اللغة العربية، وفي قسم الدراسات الأدبية والبلاغية؟ قال: نعم. وهنا بدأ يسرد لي أسماء مواضيع قُبِلت ونُوقِشت ومُنِح أصحابها أعلى الدرجات، ذكر لي عناوين من أمثال: "المناحي البلاغية عند ابن تيمية"، "آراء ابن تيمية النحوية"، "النقد الأدبي عند ابن تيمية"...إلخ أمثال هذه العناوين التي تكشف عن منحى إيديولوجي واضح؛ بقدر ما هو فاضح.

لا أعرف بعد ذلك ما حدث لزميلي "التيموي" وموضوعه الفريد، إذ رجعت إلى فرع الجامعة في منطقتي، وتقلّبت بي الأحوال. لكني بدأت منذ ذلك الوقت أراقب هذا المنحى الإيديولوجي الذي يخترق منطق العلم، ويوظفه لأهدافه؛ فلا يصبح "العلم" علما. اكتشفت بعد سنوات من الرصد أن هؤلاء الذين يكتبون رسائلهم عن ابن تيمية ـ وأمثاله من رموز الإيديولوجيا الدينية التقليدية ـ أنهم لا يفعلون ذلك لهدف واحد، أي لا يفعلونه لهدف شخصي/ انتهازي محض، وإنما "كثير منهم" يمارس ذلك في مسار خطة اختراق إيديولوجية (ليس بالضرورة أن تكون تنظيميّة في كل أحوالها) لحقول الدراسات البعيدة عن حقل الدراسات الدينية؛ في مسار استلحاق إيديولوجي إسلاموي يستهدف كل فضاءات الاجتماعي.

ما الذي يحدث بالضبط ؟. الإسلاموية قائمة على رؤية شمولية، موجودة عند كل تيارات الدين؛ بما فيها السلفية التقليدية، ولكن يمكن اعتبار السلفية الإخوانية هي "أوضح" من عبّر عنها، وكرّسها، وجعلها جوهر رؤيته الخاصة للدين (كما في تعريف مؤسسها ومرشدها الأول/ حسن البنا أن جماعته هي: دعوة سلفية، وطريقه سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية).

وإذا كانت الإسلاموية هي المهيمنة في الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية، فإن اشتراطات تأسيس وتأكيد هذه الهيمنة من جهة، ومخرجات هذه الهيمنة من جهة أخرى، تستدعي اختراق العملية التعليمية بأكملها، وبالذات، بعض التخصصات الأكاديمية التي كانت مخرجاتها تقف ـ في الغالب ـ في صف الإيديولوجيات المناهضة للخطاب الإسلاموي، من حيث هي ـ وفق المنطق الثقافي السائد ـ "وعي جديد" بإزاء "وعي قديم".

ثمة هُواة أدبٍ، ومُحبّو لُغةٍ، وعاشقو تاريخٍ، نشأوا في محاض الإسلاموية (المراكز الصيفية الصحوية في الغالب)، ولكن هوايتهم هذه تصطدم بمحيط ديني طاغٍ يؤكد على تبخيسها بشكل مباشر أو غير مباشر؛ من حيث هي "علم لا ينفع". هؤلاء الهُواة تستهويهم أدبيات التراث: الجاحظ، وابن قتيبة، والمبرد، والقالي، والحصري، وأشعار المعلقات، ونقائض جرير والفرزدق، وبشار بن برد، وابن الرومي، والمتنبي...إلخ، وربما بعض الآداب الحديثة من شعر وقصة ورواية، يتوهمون الأدب طرائف ونوادر وحكايا ولهوا قوليا يعكس "استراحة عقل"، ومع هذا ـ أو لهذا ـ يحبونه، ولكنهم يعيشون في وسط اجتماعي/ ثقافي ديني يَعدّ تراثَ هؤلاء من "اللهو البريء"؛ في أحسن الأحوال، بينما هو يُقدّس تراثَ ابن تيمية وابن القيم وابن حنبل...إلخ رموز التقليد الأثري، ويُرسّخه كتراث وحيد يضمن لِمُتمثِّله النّجاة/ الخلاص؛ بوصفه التجلي الثقافي الأمثل للحق المطلق، للصراط المستقيم في رسالة الإسلام.

هؤلاء الهواة يريدون الاشتغال على هواياتهم الأدبية (العلم الذي لا ينفع وفق تصنيف محيطهم الثقافي)، وفي الوقت نفسه يريدون امتلاك ناصية (العلم الذي ينفع). كيف يضربون عصفورين بحجر واحد؟ وأيضا، في الوقت نفسه، الإيديولوجيا المتأسلمة ترى في أقسام الأدب والنقد (قبل اختراقها) أقساما علمانية، أو هي مُشْرَعَةٌ لتكون كذلك؛ إن لم يتداركها "الصالحون"؛ فينفوا عنها خَبَثَ العلمانيين والحداثيين. هنا لن تُسْقِطَ الضربةُ عصفورين بحجر واحد، بل ستسقط ثلاثة عصافير. الهواة سيشتغلون على هواياتهم البريئة، ولكن بتحويل (العلم الذي لا ينفع) إلى (علم ينفع). والوسيط الذي يضمن نجاعة هذا التحويل هو "النيّة الصادقة"، وهي هنا نِيّة الرفع من قيمة الخطاب المشيخي بمثل هذه الدراسات التبجيلية، ونِيّة تحقيق التمكين للإسلاموية التي ستهيمن على هذه الأقسام العلمية، وتوظفها لدعم مشروعها الخاص.

إذن، بدل الاشتغال على كلام ابن الرومي أو المتنبي أو البحتري الفارغ من الحق؛ من حيث هو فارغ من تأكيد البعد الإيماني التقويّ، يكون الاشتغال على كلام شيوخ الإسلام المتخم بكل ما يعزز البعد الإيماني والتقوي. هنا، "المُتأدّب الإسلاموي" يحقق الأهداف الثلاثة بضربة واحدة: الهدف الأول: يمارس هوايته، يقرأ أدبا، أو يقرأ بأدب/ بعيون أدبية. والهدف الثاني: يقرأ تراثا نافعا/ تراثا سلفيا، أي علما يكون له ذُخْرا في الآخرة. والهدف الثالث: يؤدي واجبه في الاختراق، واجبه الإيديولوجي كـ"عضو صالح" في جسد هذا الفضاء الأكاديمي.

هذا الاختراق يختلف عن الاختراق الصريح جدا، الذي تمثّل في مقولة "الأدب الإسلامي"، حيث قامت كوادر الإخوان بالترويج له. وقد كتب فيه كثيرون، ابتداءً بالمُنَظِّر الإيديولوجي الإخواني الكبير/ محمد قطب الذي كتب فيه كتابه الشهير (منهج الفن الإسلامي)، ثم استطاعوا إدخاله ـ كمقرر دراسي ـ في بعض الأقسام الأدبية الجامعية، وأصبحت تصدر باسمه رسائل ماجستير ودكتوراه هي شواهد إثبات على هذا التدمير الذي تلحقه الإيديولوجيا بالسياق المعرفي.

هذا الاختراق الأول/ التقليدي/الصريح. بينما الاختراق الثاني هو هذا الاختراق الذي يستحضر الرموز الدينية المشيخية بغية ترميزها في المجال الأدبي؛ حتى يمتد تأثير مقولاتها لما يتجاوز فضاءاتها الأصلية، وبالتالي، تتأكد المقولات التأسيسية الإسلاموية من جهة، وتُحاصَر المقولات الأدبية الخالصة/ العلمانية من جهة أخرى؛ على اعتبار أن الأدب خطر (أو خطيئة أولى يجب التكفير عنها بما هو من ذاتها)، من حيث كون كبار رموز التنوير في عالمنا العربي إنما جاءوا من بوابة الأدب، ومارسوا تأثيرهم الواسع والعميق من خلال الدرس الأدبي/ الإبداع الأدبي الذي كانوا هم سدنته بامتياز.

من هنا نعرف سبب هشاشة، بل تفاهة الإنتاج الأدبي لعموم المتأسلمين. واقع الإبداع الأدبي يؤكد أنه لا يوجد مبدع إسلاموي في الأدب، ولا حتى دارس/ باحث أدبي إسلاموي يستحق الالتفات إليه في مجال الدراسات الأدبية. وهذا طبيعي في سياقه؛ إذ هم ـ في أحسن أحوالهم ـ يدخلون المجال الأدبي كهواة سُذّج يتوهمون الأدب لهوًا ولَعِباً ونافلةَ قولٍ، ولا يستطيعون تجاوز هذا التصور المتجذر بفعل الإيديولوجيا المهيمنة على وعيهم، تلك الإيديولوجيا التي لا تتصور الأدب إلا بوصفه "وسيلة دعوية"/ "أداة إيديولوجية"، وليس حقلا جماليا يُسْهِم ـ بذاته، وبلا أية حمولة إيديولوجية ـ في الرقي بالإنسان؛ من حيث الاشتغال بالجمالي على الروحي الذي يتنافس على إثرائه ـ عبر تاريخ الإنسان ـ الأدب والدين.

قلتُ: هذا في أحسن أحوالهم، أما في أسوأ أحوالهم، فالأدب لا يعدو أن يكون حصان طروادة، حيث يدخل في مضماره مَن لا يَشعر بأية صلة تصله بالهَمّ الأدبي؛ إلا تعمد الاختراق، من أجل أن تجد الإسلاموية لها موضع قدم في هذا القسم الأكاديمي أو ذاك. وإذا كانت هذه الصورة من الاختراق شائعة، ومؤكدة بشواهد كثيرة، مشهورة في مجال الأدب والدراسات الإنسانية خاصة، فإن وجودها قد تمدّد إلى بقية التخصصات العلمية، كالهندسة والطب والصيدلة والفيزياء والأحياء...إلخ، حتى شاعت فيها مقولات الخرافة تحت شعار "الإعجاز العلمي" كنتيجة طبيعة لمثل هذا الاختراق.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG