Accessibility links

المعضلة الأميركية في العراق وليس إيران


تظاهرات طلاب عراقيين تطالب عدم تحويل العراق ساحة للصراع بين واشنطن وطهران

د. نجاة السعيد/

تحدث كثيرون أن قتل قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، كان بدون خطة استراتيجية واضحة وأنه لا توجد سياسة جادة لمواجهة النظام الإيراني ومن المحتمل أن هذا سيفاقم الوضع؛ لكن في الواقع هذه الضربة كانت من أكثر القرارات الصائبة لأنه اتضح أن لا بد من استخدام سياسة العصا مع هذا النظام.

من الواضح أن العقوبات الاقتصادية لم تكن مجدية لردع "بلطجة" هذا النظام عن سلوكه غير السوي من الهجوم على السفارات والدبلوماسيين والقواعد العسكرية ومنشآت نفطية وعلى السفن التجارية، لذلك جاءت هذه الضربة الدفاعية لاسترجاع مكانة الولايات المتحدة الأميركية مما ستجعل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أقوى سياسيا إذا ذهبت للتفاوض مع هذا النظام المارق.

لكن الإشكالية الكبرى للولايات المتحدة تكمن في العراق، البلد الذي حررته من نظام صدام حسين الدموي ليكون دولة حليفة لها ونموذج ديمقراطي للشرق الأوسط، وأصبح الآن مقاطعة تابعة للنظام الإيراني. أما حكام العراق (أو جزء كبير منهم)، الذين لولا أميركا لكانوا في شتات العالم، هم حقيقة أعداء لأميركا وحلفاء للنظام الإيراني المعادي لها. فالبرلمان العراقي يسعى لإلغاء اتفاقيات التعاون الأمنية والعسكرية، والدعوة لطرد القوات الأميركية تضامنا مع النظام الإيراني وقتلاه ضد أميركا.

حتى الآن الاستراتيجية الأميركية في العراق مبهمة

إنه لمن المحبط بعد كل مليارات الدولارات التي تكبدتها الولايات المتحدة الأميركية وآلاف الأرواح التي زهقت في سبيل تحقيق النموذج ـ الحلم للشرق الأوسط في العراق أن تكون نتيجته هذا الكابوس المفجع.

فمع انسحاب آخر دفعة من القوات الأميركية القتالية من العراق في 2010، بلغ عدد القتلى في صفوف القوات الأميركية 4421 عسكريا، بينما بلغ عدد الذين أُصيبوا جرَّاء العمليات 32000 شخص.

كما بلغت الكلفة الحقيقية لحرب العراق تريليونا دولار، هذا بالإضافة إذا ما أخذنا بالاعتبار الأعباء التي تكبدتها الميزانية والاقتصاد الأميركي.

إن أكبر خطأ ارتكبته الولايات المتحدة الأميركية بعد سقوط نظام صدام هو أنه لم يكن لها حلفاء حقيقيين في العراق وسلمت زمام الأمور لحلفاء إيران. المستفيد الوحيد من إسقاط نظام صدام هو كان النظام الإيراني.

فالأحزاب التي استلمت الحكم في العراق لا تمتلك الكفاءة السياسية، أو الخبرات الاقتصادية في إدارة الدول، وبالتالي الضامن الوحيد لبقائها في السلطة هو النظام المستفيد من وجودهم.

فقاسم سليماني، الذي ناحت عليه الحكومة العراقية وأعلنت ثلاثة أيام حداد على مقتله، كان وراء تنمّر الكثير من الحكام والمسؤولين في العراق مثل نوري المالكي وفالح الفياض، وهذا ما دفع المالكي أن يطلق جملته بكل ثقة: "ما ننطيها"، أي لا نترك السلطة إلى يوم الدين.

ولم يكتفِ سليماني بضمان ولاء المسؤولين الشيعة، بل كانت له علاقات مع الوسط السني والمسيحي ليجد من يقدسه مقابل استلام المناصب. فالعملية السياسية في العراق بُنيِت على أساس الولاء للنظام الإيراني إلى درجة أن المسؤولين العراقيين لا يستلموا مسؤوليتهم قبل أن تُقدم كتلهم الولاء للمندوب السامي في العراق، قاسم سليماني.

ولم يكتفِ النظام الإيراني بالهيمنة على العملية السياسية بأكملها في العراق لضمان وضعه، ومع تخاذل من الحكام العراقيين، تكونت أكثر من ستين ميليشيا عراقية ومدرّبة وموالية لإيران تتجمع تحت مظلة "الحشد الشعبي" بحجة محاربة تنظيم "داعش"، الذي اتضح أنه تم نشرها في الموصل بتخطيط من قاسم سليماني وقد ثبت ذلك من خلال تسجيلات مسربة.

وبالتالي بدل أن يكون العراق الدولة الديمقراطية النموذج، أصبح ملجأ للإرهابيين ومركزا للميليشيات لكي يضمن النظام الإيراني، من خلال هذه العناصر، أن بغداد هي عاصمة إمبراطورتيه في المنطقة، وكل ذلك بُنِيَ على أكتاف الأميركيين.

الأحزاب التي استلمت الحكم في العراق لا تمتلك الكفاءة السياسية

لكن لا شيء كسر ظهر إيران وحلفائها في العراق مثل التمرد الشيعي ضدها. وأظهر هذا التمرد اعتماد طهران على اللعب على الوتر الطائفي واستخدامها شعارات مثل نصرة المستضعفين الشيعة، لتعزيز سلطتها، وبرزت انتهازيتها بوضوح.

لقد دفعت التظاهرات في العراق، بإيران إلى العمل على قمعها بأي شكل من الأشكال، وقد برزت عدة حسابات خاطئة في هذا السياق؛ أولا: الظن بأن قمع المتظاهرين بطريقة وحشية على غرار ما يقوم به النظام الإيراني ضد المتظاهرين في إيران سينهي هذه التظاهرات؛ ثانيا: التهجم على القاعدة والسفارة الأميركية على غرار عملية 1979 في طهران والتصعيد الذي أسفر عن مقتل متعاقد مدني أميركي وإصابة أربعة أفراد من الخدمة الأميركية.

وقد حصل ذلك في ظل تقاعس السلطات العراقية، بغية إحراج ترامب في هذا التوقيت الانتخابي الأميركي ووضعه أمام خيارين: إما الرد التصعيدي الذي يدعو لضرب إيران وهذا سيحرج إدارة ترامب خاصة في هذه الظروف بعد تصويت الديمقراطيين على قرار عزله، أو الرد غير القاسي الذي كانت ستوظفه إيران لصالح القضاء على الاحتجاجات العراقية المناهضة للنفوذ الإيراني.

لقد كان الرد الأميركي غير المتوقع بقتل العقل المدبر للمشروع الإيراني الإقليمي مثل الزلزال، ليس فقط على النظام الإيراني بل على الحكومة والميليشيات العراقية.

فقد اعتبر حكام العراق أن هذه الضربة ووقوف الولايات المتحدة مع المتظاهرين هو قرار أميركي بإنهاء حقبة نظام 2003، لذلك كانت ردة الفعل هستيرية ولا تختلف عن انفعالية وغضب الميليشيات مثل إلغاء اتفاقيات التعاون الأمنية والعسكرية، والدعوة لطرد القوات الأميركية.

إن الهدف من الضربة الأمريكية كان ردع النظام الإيراني وإضعافه وليس للتصعيد وهي أيضا ترسل عدة رسائل إلى إيران أهمها: إذا اختبر الصبر الأميركي فسيكون الرد أكثر إيلاما وبالتالي على إيران أن تحسب ألف مرة قبل الهجوم على أي من المصالح والمنشآت الأميركية.

الرسالة الأخرى بعد هذه الهجمة والتي كان مضمونها في تغريدة الرئيس ترامب بعد ساعات من مقتل سليماني: "إيران لم تكسب حربا لكنها لم تخسر تفاوضا"، أي دعكم من هذه المهاترات العسكرية، وهي أكبر من حجمكم، ولنتفاوض فإن ذلك أفضل للجميع.

وبالتالي، هناك استراتيجية واضحة لإدارة ترامب في التعامل مع النظام الإيراني بعد مقتل سليماني، لكن حتى الآن فإن الاستراتيجية الأميركية في العراق مبهمة. فوضع العراق أصعب لأن المنظومة السياسية تأسست بشكل فاسد وعلى أساس طائفي إضافة إلى وجود الميليشيات بأعداد كبيرة والدمج بينها والمنظومة السياسية مما أدى إلى انهيار مفهوم الدولة قبل أن يكتمل تأسيسها، فكيف ستتعامل الولايات المتحدة مع كل هذه التحديات وهي التي أطاحت بصدام وكانت تريد جعل العراق نموذجا ديمقراطيا في المنطقة؟

هل من المعقول أن تسمح واشنطن للنظام المارق في إيران بالسيطرة على مليارات العراق من النفط لتمويل عملياته العسكرية المكلفة للميليشيات في المنطقة وبالتالي تصبح العقوبات الاقتصادية ضد إيران مجرد حبرا على ورق؟

هل تسمح الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي بأن تكون العراق مصدرا لتمويل آلاف الميليشيات التي تعمل لصالح إيران داخل أراضي العراق وخارجه؟ هل تستجيب أميركا إلى تصويت البرلمان العراقي ـ الذي لا يمثل غالبية الشعب كما يردد المتظاهرون في الساحات وعلى منابر التواصل الاجتماعي ـ ورئيس الوزراء العراقي المستقيل، عادل عبدالمهدي، وتسحب قواتها من العراق؟

الهدف من الضربة الأمريكية كان ردع النظام الإيراني وإضعافه وليس للتصعيد

وفي حال انسحبت القوات الأميركية، ماذا ستكون التبعات؟ هل سينضم العراق رسميا لإيران أو يكون تابعة لها وبالتالي يحاصر اقتصاديا؟ هل سينفذ ترامب تهديده بفرض عقوبات على العراق، عقوبات "لم يروا مثلها من قبل"، وبأن الولايات المتحدة لن تغادر العراق قبل أن تُدفَع تكلفة قواعدها العسكرية هناك؟

ماذا سيكون موقف واشنطن من المتظاهرين في العراق، الذين يذبحون بدم بارد من قبل النظام العراقي؟ هل ستكتفي بالدعم من خلال القوة الناعمة أو هناك طرق أخرى؟ كيف يمكن أن توازن أميركا بين استقلال العراق وفي نفس الوقت يكون لها حلفاء للحفاظ على المصالح المتبادلة بين البلدين؟

سنرى الإجابات على هذه الأسئلة في المستقبل. لكن حتى تصلح الولايات المتحدة ما قامت به في 2003 لا بد من البدء بالقضاء على الميليشيات المسلحة في العراق. لا يمكن القضاء على جماعات قتالية متطرفة مثل "داعش" و"القاعدة" من خلال ميليشيات مسلحة كـ "الحشد الشعبي" التابع لأنظمة إسلام سياسي مثل النظام الإيراني. فهذه نظرية ثبت فشلها بدليل أن قاسم سليماني امتلك عقلية إجرامية خطيرة تفوق إجرام أبو بكر البغدادي وأسامة بن لادن والحكومة التي تؤيد هذه العقلية وتقيم الحداد عليه هي حكومة ميليشيات وليس دول.

اقرأ للكاتبة أيضا: عن القمع في المجتمع الجامعي الأميركي

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG