Accessibility links

الملكة والعرش


المكلة رانيا وزوجها الملك عبد الله الثاني

مالك العثامنة/

هل زوجة الملك الأردني متنفذة فعلا في الأردن أم أنها ضحية عملية "شيطنة" لشخصها؟

هذا سؤال مشروع في ظل كل هذا الحديث عن الملكة رانيا الياسين، زوجة الملك عبد الله الثاني وأم ولي عهده الأمير حسين، وهو سؤال لم يعد مخفيا في كل الجلسات واللقاءات والصالونات الاجتماعية بكل مستوياتها في المملكة الأردنية الهاشمية.

منذ تولي الملك الأردني سلطاته الدستورية على عرش المملكة، وزوجته حاضرة في كل مشاهد الصورة وبتعاقب يبرز تصاعد دورها وبتسارع مذهل وبرعاية من الملك نفسه لكل نشاطاتها التي يتحدث عنها الأردنيون بما يتجاوز كونها نشاطات إلى أكثر من ذلك، حتى الأزمة الأخيرة في الأردن، أزمة المعلمين والحكومة، وهي في آخر مآلاتها على أرض الواقع، صارت أزمة دولة حقيقية بين نخبة الحكم وباقي الشعب، وفيها صار الحديث علنيا عن دور مؤسسات ترعاها الملكة شخصيا في قطاع التعليم، وهو القطاع الذي اختارته الملكة رانيا الياسين لتضع كل جهدها فيه، لكن السؤال: تلك الجهود الواسعة والحثيثة، إلى أين بالضبط؟ وإذا كانت الملكة فعليا مسؤولة عن ملف التعليم، فلماذا انتهت مؤسساتها إلى أن تكون خصما لقطاع التعليم العام والخاص على حد سواء ونقابة المعلمين؟

على كل ما تملكه زوجة الملك من ذكاء، وما يديره لها بوضوح طاقم متمرس ومحترف يهتم بصورة الملكة وتقديمها بشكل ذكي، إلا أن الذكاء الممنهج على أسس العلاقات العامة "العصرية" قد لا يفي بمتطلبات القبول عند الشعب الأردني وهو ذو الحساسية الشديدة تجاه كل ما يمس مفهوم وفكرة العرش كمؤسسة دستورية حاضرة في الوجدان العام بقوة حتى لو كان المساس بالعرش قادما من الجالس على العرش نفسه أو من حوله.

فريق العلاقات العامة لزوجة الملك، استطاع بنجاح أن يصور كل ما يواجههم بصورة "الديناصورات" التي يجب أن تنقرض في "عالمنا المعاصر"، وهي صورة مضللة.

الدستور الأردني (على كل ما تعرض له من تعديلات أخيرة) لا يزال يضع زوجة الملك في مكانها كزوجة للملك، فلا يوجد لها أي دور وظيفي دستوري، ولقب "الملكة" الذي تحمله السيدة رانيا الياسين (مع كل الاحترام لها)، ليس أكثر من لقب تشريفي نص الدستور حوله على أن الملك هو من يمنح الألقاب ويستردها أيضا!!

العلاقات العامة "العصرية" التي تستخدمها الملكة كأحد أدوات تقديمها للداخل والخارج لا يعني أن الشعب الأردني ليس عصريا، ولا يمكن أساسا ومنطقيا وضع الشعب كله ككتلة واحدة في ميزان المقاييس، فهناك مستويات متفاوتة مثل أي مجتمع آخر، لكن الشخصية الجمعية الأردنية عموما بيروقراطية بطبعها وتكوينها منذ بدايات تكوين الدولة، والمجتمع الأردني "متعلم" بغالبيته، وهذا يعود إلى منظومة تعليم عريقة ومتمرسة وبيروقراطية في الدولة الأردنية، وهو ما شكل الحساسية في المواجهة بين زوجة الملك، التي اختارت "لوحدها" أن تقتحم تلك المنظومة بمجموعة من المبادرات والأفكار وهي بذلك اختارت أن تقوم بمواجهة انتهت إلى مراحل شرسة اليوم، مع نظام بيروقراطي صلب، وعلى كل صلابته إلا أنه لا يمكن تسجيل إخفاقات في تاريخه المهني، بل على العكس، فإن منظومة التعليم الأردني قبل "تحديثه العصري" بمواصفات جديدة وجبرية، كان الأفضل في العالم العربي، وكان مركزا لتصدير الخبرات فعليا.

الخلط في الأردن سهل لأن الحيلة تكمن في وضع البيروقراط الأردني المؤسسي الناجح في سلة واحدة مع فئة المنتفعين التقليديين المتسلقين على سلم البيروقراط فتحولوا إلى طبقة فساد وأحد مراكز القوى التي تواجه "العصريين الجدد" مما ظلم وتجنى على الثقل البيروقراطي في مؤسسات الدولة الأردنية التي يتم تفكيكها بسرعة.

فريق العلاقات العامة لزوجة الملك، استطاع بنجاح أن يصور كل ما يواجههم بصورة "الديناصورات" التي يجب أن تنقرض في "عالمنا المعاصر"، وهي صورة مضللة قامت بالبناء على تصريح غير مسبوق وجريء للملك نفسه قبل سنوات في تسريبات "أعتقد أنها متعمدة" لمجلة الأتلانتيك، حين وصف طبقة من معارضي التحديث في الدولة الأردنية بالديناصورات، وقد يكون الملك محقا في وصف من هم في رأيه بذلك (وغالبا هم طبقة فساد مصلحية لا تريد تغيير الوضع القائم حفاظا على مصالحها)، لكن كان الأجدى أن يوضح وهو رأس الدولة الأردنية، التعريف بهم بدون ترك الوصف على إطلاقه، ثم استخدامه بدون محددات.

أحد أهم مشاكل الدولة الأردنية في العشرين سنة الفائتة، كان في مستنبت جديد وطاريء على الدولة ومؤسساتها اسمه "المؤسسات الموازية" – (parallel institutions)، وهو النهج المعتمد لدى نخبة الحكم "العصرية" حول مكتب الملك وفي المكتب نفسه، وهو النهج الذي اعتمدته زوجة الملك وفريق عملها أيضا طوال سنوات، لتنشيء مؤسساتها (وأغلبها يحمل اسم الملكة رانيا) كمؤسسات موازية في قطاعي التدريب والتعليم، وجميع تلك المؤسسات تستظل ماليا وإداريا تحت المؤسسة الأم " مؤسسة الملكة رانيا" أو الاسم الأكثر دقة بالانجليزية ( Queen Rania Foundation)، وهي المؤسسة المعنية بالتمويل، جمعه وصرفه وإنفاقه.

من تلك المؤسسة الأم والمظلة، كان أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين، إلى جانب 11 مؤسسة أخرى شقيقة هي : جمعية الملكة رانيا لرعاية العسكريين وأسـرهـم ومؤسسة الملكة رانيا للتعليم والتنمية وصندوق الملكة رانيا لأمان مستقبل الأيتام وصندوق الملكة رانيا لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الريف والبادية والمخيمات وجمعية الملكة رانيا للتميز التربوي ومركز الملكة رانيا للدراسات التربوية والنفسية ومشروع الملكة رانيا "مدرستي" لتأهيل المدارس الحكومية ومركز الملكة رانيا لتكنولوجيا التعليم والمعلومات وجمعية الملكة رانيا للتوعية الصحية ومؤسسة الملكة رانيا "نهر الاردن" ومركز الملكة رانيا للريادة.

في أزمة المعلمين، التقط غالبية الناس فكرة واحدة والتفوا حولها، وكان الالتفاف يصب في صالح نقابة المعلمين، وهي فكرة احتكار خدمات التدريب في تطوير المسار المهني للمعلمين فقط في أكاديمية الملكة لتدريب المعلمين، وهو ما كشفه مجلس النقابة المضرب والغاضب في سياق لقاءات إعلامية.

الحكومة (كما الأكاديمية) لجأت إلى الدفاع عن طريق سحب اسم الأكاديمية من أوراق الوزارة الرسمية، لكن ما حدث بعد ذلك هو الأكثر إدهاشا، فبعد سحب اسم الأكاديمية، أعلن رئيس الوزراء نفسه أنه في جلسة الحوار الثالثة مع النقابة قررت الحكومة "تحييد"المسار المهني كله، يعني قررت الحكومة ببساطة أن عمليات تطوير المعلمين (وهو مطلب ضروري وحيوي) تم إخراجها من معادلات التفاوض، ما دامت أكاديمية الملكة مرفوضة شعبيا ونقابيا كمركز وحيد للتدريب!! لتكتمل صورة "الديناصورات" ترسيخا مع قادم الأيام، مع ملاحظة التناسب الطردي بين عناد الحكومة المتصاعد مع فكرة المسار المهني بعد خروج أكاديمية الملكة للتدريب من الصورة والمشهد.

المفارقة الأكثر فداحة، ليست في تردي التعليم الحكومي، وهو تردي يلقى رعاية رسمية من وزير تربية سابق صار رئيسا للوزراء، بل في أن تعليم القطاع الخاص نفسه صار متضررا من تلك المؤسسات الموازية نفسها، وهو قطاع خاص ومحترم كان له اسمه في السنوات السابقة، سرعان ما وجد نفسه في تنافس غير متكافيء مع مدراس (IAA) و( Kings Academy) التي أنشأتها زوجة الملك بنفسها وسحبت فيها كل ميزات التعليم الخاص بعد رفع مستوياته إلى درجات عالية جدا لا يمكن منافستها فأنت تتحدث عن رواتب معلمين في مؤسسات الملكة التعليمية وشديدة الخصوصية تتجاوز العشرة آلاف دولار شهريا غير علاوات السكن الوظيفي الفارهة والتكنولوجيا المعتمدة في التعليم والتي يعد مقارنتها مع مدرسة خاصة في العاصمة فجورا في المقارنات فما بالك حين يتم مقارنة ذلك كله بمدارس حكومية في المملكة؟

وفي تلك المدارس الخاصة التي ترى فيها الملكة نموجا يحتذى للتعميم على باقي مدارس المملكة، فإن المراقب يحتار في تعنت الحكومة الواضح في صرف علاوات للمعلمين في المملكة بما قيمته 25 مليون دينار، ولجوء الحكومة إلى تسوية تشمل قروضا لتغطية العلاوات مع إلغاء تطوير المسار المهني، لكن الموازنة العامة للدولة وفي بنود واضحة فيها تشمل إنفاقا من الخزينة العامة على مؤسسات الملكة التدريبية والتعليمية وهو ما يخلق من تلك المؤسسات والمدراس الخاصة التابعة لها قطاعا شديد الخصوصية في عالم القطاع الخاص نفسه، ولم تعد الحكاية مؤسسات موازية بقدر ما هي عالم موازي تستأثر فيه النخبة فقط بموارد الدولة.

ختاما وعودة إلى السؤال الأول في هذا المقال:

فإن الملكة رانيا وحسب معطيات الأحداث ومقارباتها، ليست المتنفذة الوحيدة كما أنها ليست ضحية شيطنة بقدر ما أن قطاع التعليم هو ضحية الشيطنة الممنهجة، لكن زوجة الملك هي فعليا مؤسسة موازية بحد ذاتها وموجودة على أرض الواقع وفرض الوقائع، وطرف أساسي في الأزمة، ومن خارج كل معطيات الدستور ومؤسسة العرش، هذا الدستور وتلك المؤسسة التي يطالب فيها الأردنيون ويطلبون عودتهما للتفعيل، لا أكثر وليس أقل من ذلك.

_________

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG