Accessibility links

المنظومة الأخلاقية بين الدراما والحياة


الراحلان أحمد رمزي وصباح خلال تصوير أحد الأعمال الفنية في القاهرة في الخمسينيات

كوليت بهنا/

تميزت الأفلام المصرية القديمة المتعارف على تسميتها بالأفلام العربية بثيمة درامية تكررت في معظمها، وتتطلب من أجل الوصول إلى ذروة الحدث وتصعيده دراميا، اختلاق شخصية شريرة أو مأجورة من أحد الجنسين تقوم بوضع رسالة في صندوق البريد أو دسّها داخل مظروف مرفق بصور فاضحة تحت باب منزل أحد البطلين، أو الاتصال على الهاتف الثابت ذي القرص المعدني، أو الحضور شخصيا إلى المنزل، وغالبا إلى منزل البطلة قبل انعقاد حفل الخطوبة أو العرس بدقائق، وانتحال شخصية زوجة مزيفة أو عشيقة سرية للبطل الغّدار وتدعي أنها تحمل طفله غير الشرعي في أحشائها.

تعرّف هذه الشخصية عن نفسها دوما بصفة "فاعل خير"، يرسلها أحد المتآمرين على بطلي العمل، مهمتها تبليغ أمر مُختلق يخرب حياتهما السعيدة ويهدم أركان الحب والحلم ويتسبب بذرف أنهار من الدموع، لكن المؤامرة ومن دبرها تكتشف في الدقائق الأخيرة ويصفق الجمهور لانتصار الحب الكبير بين البطلين ويبتهج الجميع بالنهاية السعيدة واندحار الشر والأشرار.

تناسل "فاعل الخير" عبر الزمن وصار له أبناء وأحفادا وأتباعا ومريدين

في بعض المسلسلات التلفزيونية العربية التي تعرض لموسم رمضان الحالي، لوحظت عودة شخصية "فاعل الخير" هذه بتطوراتها الجديدة مع الاحتفاظ بأسسها الرئيسة كشخصية درامية ذات تأثير سلبي، وبصفتها مدفوعة من ذاتها الحاقدة أو مأجورة من أحدهم، تحمل النوايا السيئة ذاتها، لكنها بمظهر عصري وتستخدم كل الوسائل والأدوات الحديثة.

الرسائل الورقية التي كانت تدسّ في صندوق البريد أو تحت عقب الباب، تحولت إلى رسائل تصل عبر البريد الإلكتروني وقادرة أن تحطم شركات عملاقة أو شراكات إنسانية أو اختلاق افتراءات أخلاقية تتسبب في جرائم شرف بالحد الأدنى، والاتصالات الهاتفية صارت عبر الجوال أو أحيانا من أحد الهواتف الثابتة العامة الموزعة في الشوارع، دون الاكتراث بظهور الرقم المتّصِل الذي تظهره خدمة الكاشف الرقمي، إذ أن معرفة هوية المتّصِل المتخفي ـ بحسب ذكائه وخبراته ـ ليست بالأمر السهل، وتتطلب أذونات قضائية للكشف عنها من شركات الاتصال، وفي بعض الحالات لا يسمح بالإفصاح عنها لأسباب أمنية، أو تستعمل بعض أرقام الشرائح الهاتفية المتاحة عبر الإنترنيت والتي تسدد قيمتها من بطاقات اعتماد قد تكون مسروقة أو مزورة.

فيما طوعت كل وسائل التواصل الاجتماعي وسخرت لخدمة دهاء "فاعل الخير" الحديث، الذي ينتحل أسماء وهمية عبر "فيسبوك" مثلا، يقتحم بها صندوق الرسائل أو يكتب تعليقات مسيئة على الحساب الشخصي لهدفه المبتغى، أو يعمم تعليقاته المؤذية على حسابات أصدقاء الهدف أو الحسابات الإلكترونية العامة والإعلامية، أو ينتحل اسم شخصية أحد مشاهير ونجوم عوالم الفن والرياضة والأدب والأعمال والسياسة وغيرها، ويشيع أخبارا أو يروج لمعلومات كاذبة تتسبب بتحطيم السمعة والضرر الكبير لشخصية حقيقية، سرعان ما يصدقها الجمهور، وتكذيبها لاحقا يتطلب مقدرة نفسية وعصبية ودون جدوى حقيقية تذكر، كما أن نشر أية شائعة أو خبر كاذب، لا ينحصر انتشاره على وسيلة تواصل واحدة، حيث يتم تبادل هذه الشائعات والأخبار الملفقة برسائل مكتوبة أو صوتية أو صور عبر "واتساب وفايبر وتويتر" وغيرها من منصات التواصل الاجتماعي المنتشرة على الشبكة العنكبوتية بسرعة انتشار النار في الهشيم.

تناسل "فاعل الخير" عبر الزمن وصار له أبناء وأحفادا وأتباعا ومريدين، يشكلون على أرض الواقع ما يشبه العصابات المنظمة، أو عصابات الظل الإلكترونية، ويشكل حضورهم في عالم الدراما انعكاسا لما يحدث حقيقية في الحياة المعاصرة على مدار الساعة، وما يتسببون به من جرائم أخلاقية واجتماعية وإنسانية واقتصادية وعسكرية وسياسية ومالية وغيرها، ألزمت معظم دول العالم على تحديث قوانينها القضائية ورفدها بما يعرف بالجرائم الإلكترونية، تنجح في الايقاع بالمتهمين ومحاسبتهم في حال وضوح هوية المتهم جهارة وكتابته لما يسيئ لأحدهم باسمه الصريح أو اتصاله من رقم هاتفي يمكن التقاطه بسهولة، لكن "فاعلي الخير" العصريون يدركون مخاطر جرائمهم وعواقبها، ويتفادونها في الغالب بحيث يصير التقاطهم كمن يبحث عن إبرة في كومة قش.

كل الدراسات الخاصة بمخاطر سوء استعمال العالم الإلكتروني تؤكد هول النهايات غير السعيدة

فإن كان الإفلات من العقاب وتغييب الحقائق يحدث على أرض الواقع في كثير من الحالات، يمكن للدراما الحديثة أن تقتدي بأصولها التقليدية في الأفلام الكلاسيكية القديمة، ولا تسمح لفاعلي الخير بالانتصار، دون أن تنهي مصائرهم بالإيقاع بهم والعقاب الشديد لهم ولمن يدفعهم أو يدفع لهم، والانتباه إلى ما قد تلقنه الدراما للمشاهدين من دروس مجانية في كيفية ووسائل ممارسة القرصنة "التهكير" الإلكترونية وكافة الأساليب الخبيثة التي يتبعها "فاعل الخير" من أجل الخراب.

هل تأثر الجمهور بشخصية "فاعل الخير" منذ بدء انتشار الدراما العربية وتقمصها وأعاد إنتاجها في الواقع وطورها إلى ما وصلت إليه اليوم من أذيات كبرى، أم أن الدراما بريئة من هذا الاتهام وجسدت الشخصيات البشرية الحقيقية على الأرض وتأصل الشر فيها؟ تكمن الإجابة على هذا السؤال في رسوخ المنظومة الأخلاقية للفرد والمجتمع وكيفية تكريس هذه المنظومة وقيمها الفاضلة عبر الدراما، وأهمية تكريس الاستخدام السلمي للوسائل الإلكترونية الحديثة وعواقب ومخاطر العبث بها، لأن كل الدراسات الحديثة الخاصة بمخاطر سوء استعمال العالم الإلكتروني تؤكد هول النهايات غير السعيدة.

اقرأ للكاتبة أيضا: صورة لبنان الناصعة في الدراما اللبنانية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG