Accessibility links

المواجهة حول مبيعات الأسلحة إلى الخليج: 'حالة طارئة' أم إنذار كاذب؟


"يو أس أس أبراهام لينكولن" في مياه الخليج

دانا سترول/

في 5 حزيران/يونيو، أعلنت مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي من الحزبين الجمهوري والديمقراطي عن اثنين وعشرين قرارا مشتركا منفصلا بالرفض، تهدف إلى منع مبيعات الأسلحة الأميركية المختلفة إلى السعودية والإمارات.

وجاءت هذه الخطوة غير المعتادة ردا على استخدام إدارة ترامب في 24 أيار/مايو لاستثناء الحالات الطارئة المنصوص عليه في "قانون مراقبة تصدير الأسلحة" لعام 1976، الذي يُنظم كيف تبيع الولايات المتحدة الأسلحة إلى الحكومات الأجنبية.

فمن خلال الإعلان عن هذه "الحالة الطارئة" والاستغناء عن فترة المراجعة المطلوبة في الكونغرس الأميركي لمدة خمسة عشر أو ثلاثين يوما، مهّدت الإدارة الأميركية مسارا للمضي قدما في بيع أسلحة تقدر بنحو 8.1 مليار دولار. ولتبرير هذه الخطوة، أكد المسؤولون على الحاجة إلى دعم الحلفاء في المنطقة ضد التهديد المتزايد من إيران.

قرارات الرفض الحالية لن تمنع البيت الأبيض من المضي قدما في أي من عمليات البيع

وتؤدي المواجهة إلى تفاقم النقاشات المتداخلة بين البيت الأبيض والكونغرس الأميركي حول ثلاث قضايا ملحّة هي: سياسة الولايات المتحدة تجاه السعودية، والاستراتيجية الإقليمية الأميركية لمواجهة إيران، والرقابة التشريعية في صياغة السياسة الخارجية وتنفيذها.

وتشمل المجابهات السابقة قرارا لسلطات الحرب دعا إلى إنهاء المساعدة العسكرية الأميركية لعمليات التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، وهو قرار نقضه الرئيس الأميركي في أيار/مايو بعد إقراره من قبل مجلس النواب الذي يسيطر عليه الديمقراطيون ومجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون.

وفي شباط/فبراير، رفضت الإدارة الأميركية الرد بحزم عندما لجأ الكونغرس إلى "قانون ماغنتسكي العالمي" لعام 2016 لطلب البت بشأن دور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في اغتيال الصحفي جمال خاشقجي.

وفي كلتا الحالتين، تركز النقاش في الكونغرس حول ما إذا كانت علاقة واشنطن الحالية بالمملكة العربية السعودية تعزز الأولويات الأمنية للولايات المتحدة أو تقوضها؛ كما ركز الأعضاء على القضية الأوسع المتمثلة في تأكيد دور الهيئة التشريعية في صياغة السياسة الخارجية.

واليوم، يواصل الكونغرس الأميركي تكريس جزء كبير من طاقته في مسائل السعودية والإمارات والتدخل الأميركي في اليمن، ويجب أن تقلق الإدارة الأميركية من مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ التي تضم كلا الحزبين والتي أعلنت عن القرارات الأخيرة. وتضم هذه المجموعة ثلاثة من كبار الأعضاء في اللجان القوية للأمن القومي (العلاقات الخارجية، والخدمات المسلحة، والمخصصات)، بالإضافة إلى عضويْن من الحزب الجمهوري اعترضا باستمرار على سياسة الإدارة الأميركية تجاه الشرق الأوسط.

وأثار أعضاء مجلس الشيوخ في بيانهم الصحفي مخاوف بشأن حقوق الإنسان، وسلوك ولي العهد محمد بن سلمان، والأزمة الإنسانية المتفاقمة في اليمن. كما أصروا على أن هناك وسائل أكثر إقناعا لمواجهة إيران من مبيعات الأسلحة. وعند الدفاع عن الدور الرقابي للكونغرس، وصفوا استخدام الإدارة الأميركية لاستثناء الحالات الطارئة من "قانون مراقبة تصدير الأسلحة" بـ"سوء الاستخدام" الذي "خرق عملية بيع الأسلحة".

ما هي المبيعات التي يحاول أعضاء مجلس الشيوخ وقفها؟

تتضمن صفقات الأسلحة الخليجية الاثنتي والعشرون التي سعى البيت الأبيض إلى الدفع باتّجاهها ذخائر دقيقة التوجيه، ودعم/صيانة الطائرات، وبرامج تدريب، وطائرة استخبارات ومراقبة واستطلاع.

والبند الأول هو الأكثر إثارة للجدل. وعلى مدار العام الماضي، اعترض الكونغرس على بيع ذخائر دقيقة التوجيه خشية أن يؤدي ذلك إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن التي مزّقتها الحرب. لذلك يرى بعض الأعضاء أن استخدام الإدارة الأميركية للاستثناء في "قانون مراقبة تصدير الأسلحة" بمثابة تهرّب من الكونغرس، وليس حالة طارئة حقيقية.

وبالمثل، فإن صفقات صيانة الطائرات والتدريب مهمة لدعم القوات الجوية الشريكة، ولكن ضرورتها القصوى أمر مشكوك فيه، وهي بالكاد تستوفي المعايير العالية للبند المتعلّق بالحالات الطارئة في "قانون مراقبة تصدير الأسلحة".

وفي الوقت نفسه، تشمل بعض المبيعات حلفاء الولايات المتحدة الذين يشكلون جزءا من سلاسل التوريد ذات الصلة واتحادات التكنولوجيا (مثل أستراليا وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل والأردن وإسبانيا)، لذلك فإن إيقاف مثل هذه الصفقات يمكن أن يضر هذه الدول.

الزاوية الإيرانية

إن جوهر النقاش هو تأكيد الإدارة الأميركية على أن التهديد الإيراني يشكل حالة طارئة تتطلب اللجوء فورا إلى مبيعات الأسلحة. وقد أعرب أعضاء الكونغرس عن خيبة أملهم من إصرار الإدارة الأميركية على أن التهديد الإيراني أكثر حدة من ذي قبل.

وفي حين لا أحد يشكك في أن إيران تنقل أسلحة متطورة إلى المتمردين الحوثيين في اليمن، إلا أن بعض الأعضاء يقولون إن العمليات التي تقوم بها السعودية والإمارات في اليمن قد فتحت المجال لقيام علاقة أعمق بين الحوثيين وإيران.

وسعى آخرون إلى التمييز بين التهديدات الأمنية "المشروعة" ـ على سبيل المثال، يدعمون عمليات نقل الأسلحة الأميركية التي تساعد في مواجهة هجمات الحوثيين الصاروخية وطائرات بدون طيار التي تدعمها إيران داخل السعودية، لكنهم لا يريدون مساعدة الحملة الجوية للتحالف أو الجماعات اليمنية المحلية التي أدت إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وجعل الحل السياسي بعيد المنال.

صفقات صيانة الطائرات والتدريب مهمة لدعم القوات الجوية الشريكة، ولكن ضرورتها القصوى أمر مشكوك فيه

ولا تعالج أنواع المبيعات التي تمضي قدما بموجب استثناء الحالات الطارئة بشكل خاص المسائل التي يوافق معظم أعضاء الكونغرس على شرعيتها، مثل الدفاع الصاروخي.

كما تواجه الإدارة الأميركية معايير عالية مطلوبة مقارنة بكيفية استخدام الإدارات السابقة للسلطة نفسها. على سبيل المثال، استند الرئيس بوش على الاستثناء في عام 1990 بعد غزو العراق للكويت، فباع دبابات وطائرات "أف-15" إلى السعوديين. إلا أن هذه الأسلحة جاءت من المخزونات الأميركية الموجودة في السعودية وليس من عملية إنتاج جديدة. وفي الحالة الراهنة، لا تزال هناك حاجة لتصنيع العديد من الأسلحة وتسليمها على مر السنين، مما يشدد على الطبيعة المراوِغة "للحالة الطارئة".

هل يستطيع الكونغرس الأميركي إيقاف هذه المبيعات حقا؟

إن قرارات الرفض الحالية لن تمنع البيت الأبيض من المضي قدما في أي من عمليات البيع. فقد كان الهدف الرئيسي للإدارة الأميركية في استخدام استثناء الحالات الطارئة هو تجنب فترة المراجعة المعتادة لمدة خمسة عشر أو ثلاثين يوما، والتي يمكن لأي عضو في الكونغرس أن يحاول خلالها إيقاف البيع من خلال اتخاذ قرار مشترك بالرفض. ومبدئيا، يستخدم أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي ذلك المعيار المعتاد نفسه لحالة غير مألوفة. ومع ذلك، ففي حين يمكن للقرارات الاثنين والعشرين أن تساعد على تصدّر العناوين الرئيسية وإرسال إشارة إلى السلطة التنفيذية والحكومات الأجنبية وقطاع الدفاع، إلا أنها لا يُرجَّح أن تُلزِم مجلس الشيوخ على النظر فيها سريعا على الصعيد التشريعي. وحتى لو وافق مجلسا الشيوخ والنواب الأميركيين على إقرار بعضها، فلا شك أن الرئيس ترامب سيستخدم حق النقض لرفضها، ومن غير المرجح أن يتغلب عليه مجلس الشيوخ بالنظر إلى هامش الثلثين المطلوب [لتجاوزه].

والأكثر إثارة للقلق هي التبعات على المدى الأطول. فالتشريع الرئيسي التالي الذي يتعلق بالأمن القومي ويتم ترقب مناقشته في الكونغرس الأميركي هو "قانون إقرار الدفاع الوطني" السنوي. فإذا واجه أعضاء الكونغرس رفضا للخيارات المألوفة للتعبير عن القلق والمعارضة، سيتطلعون على الأرجح إلى الحصول على خيارات أشد وقعا وأطول أمدا، مثل إجراء تعديلات على "قانون إقرار الدفاع الوطني". على سبيل المثال، يمكنهم محاولة الحد من مبيعات الأسلحة المستقبلية إلى السعودية والإمارات على وجه التحديد. كما يمكن توقع محاولة رفع المعايير إلى مستوى أعلى للرؤساء في المستقبل فيما يتعلق باستخدامهم لبند الحالات الطارئة من "قانون مراقبة تصدير الأسلحة"، مما يُنشئ في المستقبل حالة طوارئ ذات مصداقية قد تقيّد البيت الأبيض.

لا أحد يشكك في أن إيران تنقل أسلحة متطورة إلى المتمردين الحوثيين في اليمن

وبالفعل، عبر اللجوء إلى استثناء الحالات الطارئة، ربما يكون البيت الأبيض قد فتح مجالا لظهور أطياف متعددة في السياسات الخارجية والاقتصادية تتجاوز حدود صفقات الأسلحة الخليجية الحالية والتهديدات الإيرانية. فمع هذه السابقة، يمكن أن تتوقع السعودية والإمارات حاليا مثل هذه المعالجة السريعة لكافة مبيعات الدفاع نظرا إلى موقعهما على الجبهة الأمامية ضد إيران. وفي الوقت نفسه، من المرجح أن يقابل الكونغرس الأميركي بالمثل مراوغة السلطة التنفيذية لعملية المراجعة المعتادة من خلال إبطاء الموافقة على مبيعات الأسلحة المستقبلية لهاتين الحكومتين، مما يزيد من تدهور علاقاتهما المتوترة بالفعل مع واشنطن. وقد تسعى دول أخرى إلى تلقي معاملة تفضيلية أيضا، نظرا للحالات الطارئة غير الإيرانية مثلا، كالتهديدات المتأتية من روسيا أو الصين. وفي وقت يرى فيه عدة مسؤولين أجانب أنه لا يمكن الوثوق بالولايات المتحدة، فمن غير المرجح أن يكون تصوّر المزيد من المعاملة التي لا تحقق المساواة بين الشركاء عاملا مساعدا.

أخيرا، قد ينتج عن الوضع تداعيات غير متوقّعة في قطاع الدفاع. فظاهريا، ستتلقى شركات الدفاع الأميركية الكثير من الأرباح عبر المبيعات المعجَّلة التي ستنفّذها الإدارة الأميركية بقيمة 8.1 مليار دولار. لكن إذا قرر الكونغرس فرض قيود على المبيعات إلى بعض البلدان أو تعزيز الرقابة على المدى الطويل، فقد يقرر عدد أكبر من الزبائن العالميين أن تكاليف ممارسة الأعمال التجارية مع الشركات الأميركية تفوق الأرباح. فإجراءات مبيعات الأسلحة الأميركية ووتيرتها تُقلق بالفعل راحة الكثير من المشترين الذين أصبحوا يبحثون أكثر فأكثر عن منافسين أجانب، وخاصة روسيا والصين. إن أي تحول أكثر وضوحا في هذا الاتجاه سوف يؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد الأميركي ويقوض إحدى الأدوات الأساسية في جهود واشنطن للبقاء الشريك الأمني المفضل في الشرق الأوسط.

دانا سترول هي زميلة أقدم في "برنامج جيدلد للسياسة العربية" في معهد واشنطن، وهي موظفة أقدم سابقة في "لجنة العلاقات الخارجية" في مجلس الشيوخ الأميركي.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG