Accessibility links

أحدهم يحتفظ بمفتاح منزل أجداده في الأندلس.. من هم الموريسكيون؟


عبد الغفّار العاقل مع أسرته في غرناطة في إسبانيا

فاطمة بوغنبور - الرباط

كأنها حكايات خارجة من رحم الأساطير، تلك التي تتحدث عن زمن حكم المسلمين في الأندلس. ورغم مرور قرون، لا تزال الصور المنسوجة عن تلك الحقية حاضرة لدى سلالة الموريسكيين، المسلمين واليهود الذين طردوا من الأندلس بعد سقوطها.

فردوس مفقود، يصف المؤرخون زمن الأندلس، وذروة الإبداع العمراني والفني والثقافي في عالم ذلك الزمان.

بعد سقوط غرناطة عام 1492 بوصفها آخر الثغور المسلمة في الأندلس على يد إيزابيلا ملكة قشتالة وفرديناند ملك أراغون، وقبلها إمارات سرقسطة وإشبيلية وقرطبة ومالقة وغيرها، أبحر المسلمون المطرودون من الأندلس نحو شمال إفريقيا، واستقروا في مدن تطوان وفاس وشفشاون والرباط وسلا ومدن أخرى في الجزائر وتونس.

لكن أكثر من نصف الموريسكيين رست سفنهم في الساحل المغربي نظرا للقرب الجغرافي، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ المغرب شكل فيها الوافدون الجدد عنصرا هاما منصهرا في الهوية والنسيج والثقافة المغربية وكل مظاهر الحياة في المملكة.

وبعد قرون، تحضر الأندلس في دستور المملكة المغربية الذي يعترف بها رافدا ثقافيا هاما في ديباجة تعريف الهوية، "المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية".

ولم يطرد المسلمون فقط بل طرد أيضا يهود الأندلس الذين اختار بعضهم الاستقرار في المغرب، وكانت أعدادهم، حسب مؤرخين، أقل بكثير من الموريسكيين، لكنهم طردوا في مرحلة واحدة، فيما أُخرج الموريسكيون على مراحل خلال قرن ونصف القرن من الزمن.

وبعكس الموريسكيين، نال يهود الأندلس اعترافا من الدولة الإسبانية التي وفرت برنامج مصالحة مع التاريخ، وأقرت قبل ثلات سنوات قانونا يسمح بمنح الجنسية الإسبانية لكل يهودي يثبت بأوراق ومستندات تاريخية أنه من سلالة سفارديم الأندلس، أو يتقن لغة اللادينو التي كان يتحدث بها اليهود في المملكة الأيبيرية في القرن الخامس عشر.

قرار إسبانيا أعلن في حفل رسمي، خاطب فيه الملك فيليب الخامس، ممثلي الجاليات اليهودية قائلا إن إسبانيا قد اشتاقت لكم. وبعد ثلاث سنوات على سريان هذا القانون، نال آلاف اليهود الجنسية الإسبانية، وتدرس مدريد ملفات عشرات آلاف الأشخاص من السفارديم الذين تقدر سلالتهم في العالم بنحو ثلاثة ملايين سفاردي.

مفتاح من القرن 15

عبد الغفار العاقل مسؤول مصرفي سابق وفنان تشكيلي، حصل على تقاعده وعانق ريشته وألوانه يخط بها مسار رحلة أجداده المسلمين الذين نزحوا من الأندلس وما عانوه زمن الطرد والتجهير.

يقول العاقل إنه أندلسي أبا عن جد ويفتخر بامتلاكه مفتاحا أثريا قديما تناقله أجداده جيلا بعد آخر، يقول إنه لمنزل أجداده الموريسكيين في غرناطة، حملوه معهم إلى المغرب على أمل العودة إلى الفردوس المفقود. لكن لم تكن ثمة عودة.

ميزات المفتاح شرحها العاقل، لقناة الحرة، في بيته ذي الطابع الأندلسي، والمطل على ضفة البحر الأبيض المتوسط في ضواحي مدينة تطوان. "هذا المفتاح له ميكانيزم وقفل خاص تفحصه خبراء إسبان وأثبتوا أنه يعود للقرن 15".

وتابع العاقل الذي يعيش وزوجته بين مدينتي تطوان الملقبة ببنت غرناطة وشفشاون الملقبة بغرناطة الصغرى، فيما يعيش عدد من أبنائه وبناته في غرناطة في إسبانيا ويدرسون هناك.

ويتقن العاقل اللغة الإسبانية. وحيثما يممت وجهك في بيته تجد اللمسة الأندلسية في الديكور والموسيقى والمعمار واللوحات والطبخ، بل حتى التلفزيون لديه يبث على مدار اليوم أخبار الضفة الأخرى حيث أبناؤه وماض عريق أسسه أجداده الأوائل.

يؤكد العاقل أن ارتباطه بإسبانيا "لا يعني أننا نتنكر لمغربيتنا، فنحن مغاربة ونفخر بهذا الانتماء وبهذه الأرض التي أوتينا، وأصبحت جزءا لا يتجزأ من كياننا، لكن إسبانيا مدينة لنا باعتذار عن الرعب والاضطهاد والتقتيل والتهجير ومحاكم التفتيش التي مورست في حق أجدادنا الذين تَرَكُوا قسرا هناك عمرانا باذخ الجمال وحضارة شامخة تعد المقصد السياحي الأول لإسبانيا الحديثة بعد كل هذه القرون".

وقبل أن يختم كلامه، أوضح العاقل "أورثت أصغر أبنائي هذا المفتاح وعشق القضية وسيحمل المشعل بعدي، والتاريخ سينصفنا. بالتأكيد، بعد قرن ربما أو قرنيين سيعتذرون لنا على غرار السفارديم، وإلى ذاك الزمن أرفض أن يحمل أبنائي وأحفادي الجنسية الإسبانية كمهاجرين رغم إقامتهم الدائمة في غرناطة فهم من سلالة بناة تلك الأرض".

آراء حقوقيين

تثار قضية الموريسكيين في الكثير من اللقاءات العلمية والمناسبات التي تستحضر تاريخ العلاقات المغربية الإسبانية المتأصلة بفعل الجوار والتاريخ المشترك الذي غذاه الاستعمار الإسباني لمدن شمال المغرب.

محمد سعيد السوسي إعلامي وناشط حقوقي من مدينة تطوان، قال لقناة الحرة، إن الدولة الإسبانية تعاملت مع مطلب المورسكيين بالاعتذار وإعادة الاعتبار بنوع من التمييز غير المبرر، بحيث أقرت قانون حق اليهود في الجنسية الإسبانية دون تفعل الشيء ذاته مع المورسكيين المسلمين.

ذلك القرار حسب السوسي، وإن كان يحمل في خلفياته أهدافا اقتصادية تتمثل في تشجيع يهود أميركا اللاتينية على العودة مع أموالهم واستثماراتهم إلى إسبانيا، يبقى قرارا عنصريا يميز بين المورسكيين على أساس الدين.

وبالتالي لا يمكن نسيان المطلب التاريخي للموريسكيين المسلمين في حقهم بالاعتذار عن الأذى الذي لحق بأجدادهم، حتى لو كان اعتذارا رمزيا يعيد لهم الاعتبار، وفق السوسي.

المكتبة الداودية وكتب نفيسة عن تاريخ الأندلس

تنتمي حسناء داود إلى أحد أعرق العائلات الأندلسية في المغرب، وتوصف بالأيقونة الفكرية والثقافية في مدينة تطوان. فهي ابنة أحد رموز المقاومة ضد الاستعمار، وهو المؤرخ والأديب المغربي والعلامة في الفقه والتاريخ الراحل محمد دَاوُدَ. وهي مؤسسة المكتبة الداودية، إحدى أشهر المكتبات في تطوان، وتزخر بمراجع وكتب عن الحضارات التي تعاقبت على منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط.

ومن تلك المراجع "موسوعة تاريخ تطوان"، المكونة من 12 مجلدا ألفت خلال نصف قرن، وترصد أبرز محطات المدينة من العهد الفنيقي والروماني إلى زمن هجرة مسلمي الأندلس وما تلاه. وألف الموسوعة محمد دَاوُدَ، وأتمت أجزاءها الأخيرة ابنته حسناء.

وقالت السيدة داود في حديث مع الحرة، أجري في مقر المكتبة الداودية، "في الواقع تشكلت أول نواة لمسلمي الأندلس في تطوان قبل سقوط غرناطة آخر معاقل الحكم الإسلامي، على يد إليزابيت وملك قشتالة فرديناند، بل بدأ ذلك مع بدايات تضعضع أحوال المسلمين في ممالك الأندلس والتشرذم السياسي الذي عرفه ملوك الطوائف".

وتابعت أن "أسرا محدودة وصلت حتى عام 1492 حين حدث نزيف بشري لآلاف المسلمين الذين رست سفنهم في موانئ شمال أفريقيا، وعلى الخصوص تطوان التي كانت شبه مدمرة آنذاك بعد انتهاء الحكم الروماني فيها".

وعن أعداد القادمين، أوضحت داود، أن "هناك مراجع تاريخية تعتمد عد الأفراد، وبعضها يعتمد عد الأسر والعائلات ووثائق أخرى تعد الرجال فقط من دون النساء والأطفال"، وأضافت أن بين من وصلوا آنذاك أبو الحسن علي المنظري وهو سياسي وقائد عسكري وحاكم إحدى قلاع الأندلس التي استولى عليها الكاثوليك.

وتابعت أن المنظري أبحر إلى المغرب مع بعض حاشيته وجزء من جيشه، ولم تكن لديه رغبة في التوغل كثيرا في المغرب لأنه احتفظ بأمل العودة إلى الأندلس، لذلك استقر في تطوان أقرب نقطة جغرافية للضفة الأندلسية، فوجد تطوان مدمرة بحكم غارات البرتغاليين وحروب الرومان، فأعاد بناءها وشيد أسوارها وقلاعها وبنى مساجد ومدارس للعائلات الأندلسية النازحة وأسس قاعدة مهمة للعائلات الأندلسية التي كانت تبحث عن الاستقرار والاستيطان في البلاد الجديدة والحفاظ على عاداتها وتقاليدها وهويتها".

وتدريجيا، وفق داود، تكاثرت أعداد الوافدين فأصبح لازما حينها التشاور مع حاكم المغرب آنذاك السلطان محمد الشيخ الوطاسي في العاصمة فاس، بخصوص التطورات السياسية الكبيرة في شمال أفريقيا والنزوح الكبير لمسلمي الأندلس. فسمحت الدولة الوطاسية لهم بالاستقرار والانصهار في المجتمع المغربي، وأعاد المنظري بناء مدينة تطوان وجهزها لاستقبال آلاف النازحين الجدد خصوصا عام 1609 عندما أصدر الملك الإسباني فيليب الثالث قانونا يقضي بالتنصير أو التهجير فتم طرد كل من بقي من المسلمين ومعهم اليهود.

تطوان كانت دائما أقرب مكان يصل إليه الفارون من إسبانيا. لكنهم تعمقوا أكثر في باقي المدن المغربية، فأسس علي بن الراشد سليل عائلة غرناطية والصديق المقرب لآخر ملوك غرناطة عبدالله بن الأحمر مدينة شفشاون التي سميت بغرناطة الصغرى، وأسسوا جمهورية خاصة في مدينة الرباط في قصبة الأوداية، واستوطنوا فاس ومكناس وسلا وغيرها.

وخاض المهاجرون حروبا لصالح المغرب ضد البرتغاليين والإسبان، وتفوقوا فيما سمي بالجهاد البحري وحموا الثغور وأطفأوا نعرات سياسية، وكان محركهم في ذلك الإحساس بالقهر وحرقة ضياع الأندلس، وفق داود.

وطوال حديثها المستفيض والمفصل للحرة، لم تستعمل داود كلمة الموريسكيين بل الأندلسيين. وعن ذلك توضح أن مصطلح موريسكي حسب الكثير من المراجع حمل في بداياته معاني قدحية ترادف المطرودين أو غير المرغوب فيهم، أو من تعمدوا واعتنقوا المسيحية قسرا، واستمر التعامل معهم كمسلمين أو حافظوا على إسلامهم سرا وخضعوا لمحاكم التفتيش. وأضافت أن والدها كان يرفض أيضا استعمال مصطلح موريسكي ويفضل بدله أندلسي.

وعن خصائص الفئات الاجتماعية التي نزحت آنذاك، تقول أن جلهم كانوا من الطبقة المتوسطة للأندلس، كالتجار والحرفيين والجنود والعمال، ونقلوا معهم حرفا وصناعات وفنونا أندلسية في المعمار وتصميم المدن والأحياء وفي الموسيقى والغناء والطبخ، وكل مظاهر الحياة تلك لاتزال قائمة حتى اليوم في الحياة اليومية للمغاربة .

عودة النبش

سعت إسبانيا كثيرا إلى طمس تلك الفترة من تاريخها. فما حدث كان مأساة إنسانية تعد الأكبر والأضخم في تاريخ حوض البحر الأبيض المتوسط، كما يصفها باحثون في هذه الفترة. لكن سجلت حسناء بنداود في السنوات الأخيرة محاولات لبعض ممن تصفهم بعقلاء إسبانيا في الزمن الحاضر، النبش في أوراق الماضي فظهرت وثائق ومستندات وسجلات موانئ وبلديات ودور ثقافة وكنائس إسبانية في مدن كفالنسيا وقادس ومالقا وقرطبة، تكشف معلومات مهمة ولوائح مفصلة عن أعداد النازحين من اليهود والمسلمين الذين عانوا في تلك الفترة بنفس القدر، وظلوا متضامنين قريبين من بعضهم البعض. وساهم كل منهم في بناء مدن وأحياء قديمة مغربية.

وتقدر أعداد سلالة الموريكسيين في الأندلس، بستة ملايين نسمة حسب مؤرخين. وتحمل عائلات مغربية كثيرة أسماء عائلية أندلسية، منها على سبيل المثال لا الحصر، القشتالي، قشتيلو، الطريس، الغرناطي، الرندي، القباج، برادة، بلكاهية، بنطوجة، الدقاق، كيليطو، طريدانو، ابن شقرون، القرطبي، فنيش، دينيا، الأحمر، الطيطلي، الأندلسي، الفاسي الفهري، الفلنسي، شماعو، الماروري، المالقي.

وعن تأكيد نسب هذه العائلات للأندلس توضح داود، أن المؤرخين لاحظوا أن كل الوثائق والسجلات العدلية للأحوال الشخصية للأفراد القريبين من هذه الفترة كوثائق الزواج والطلاق والوصية والبيع والتعاملات التجارية والإرث، كانت تتضمن ما تصفه بإشارة ضبط الأصل، إذ تردف دائما في هذه الأوراق عبارة (فلان ذو الأصل الأندلسي) فقد كان سائدا إحساس عام بالهزيمة والحرقة والإحباط والمصير المجهول، وفي إشارة الأصل كان أيضا بصيص أمل بإمكانية العودة إلى الأراضي والديار وإقرار واقع وحفظ أمانة للتاريخ، وفق داود.

"خطأ تاريخي فادح في حق شعب بأكمله"

إصلاح الأخطاء التاريخية التي تعقبها تطورات وخيمة ومآس إنسانية، ليس بالأمر السهل، حسب داود، فما شهده شمال أفريقيا في العصور الوسطى بعد تهاوي قلاع الأندلس وسقوط غرناطة "كان ظلما وتسلطا وإجراما في حق شعب بأكمله أخرج من دياره وجُرد من ماله ومتاعه ومورست في حقه تجاوزات لن يغفرها التاريخ مهما جرت محاولات طمسها وإخفائها".

وقالت "كان أمرا جيدا من الملك الإسباني السابق خوان كارلوس أن يستحضر ما حدث ويحاول مداواة جرح قديم مفتوح، لكنه للأسف كان قرارا جزئيا خَص به اليهود فقط ولم يشمل المسلمين، فلا معنى لإقصائهم وخصوصا من يمتلكون الآن الأدلة والوثائق التي تثبت أنهم جزء لا يتجزأ من تاريخ إسبانيا".

وأردفت أن "هذا لا يعني أننا نتنكر الآن لمغربيتنا، فهذه الملايين المتنسلة من مهاجري الأندلس، لن تتجرد من شخصيتها الجديدة دينا وتقاليد، لأن إسبانيا بشكلها الحالي أصبحت غريبة عنا وما نريده اعتذارا رمزيا فقط وتعاونا اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وسهولة في التنقل بين البلدين".

فما يجمع الطرفين الآن هو تاريخ قديم مشترك وعلاقات دولية وتعاون في ملفات مشتركة هامة كالهجرة غير الشرعية، تعاون زاد من أهميته الاستعمار الإسباني في وقت لاحق وأيضا التعليم الإسباني الذي ساد مدن شمال المغرب زمن الاستعمار وقربنا بشكل كبير ثقافيا.

"ما نحتاجه الآن من إسبانيا هو اعتذار وحسن جوار"، تقول السيدة داود.

مرحلة تاريخية وانتهت!

عبد الواحد أكمير، المفكر المغربي المتخصص في العلاقات المغربية الإسبانية وتاريخ الأندلس ومدير مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، له رأي مخالف حول مطالبة الموريسكيين باعتذار من حكومة إسبانيا.

وقال في تصريح لقناة الحرة، "أنا لا أرى بإيجابية مطالب الاعتذار، هذا ملف منتهي ومرحلة تاريخية ينبغي تجاوزها، وتسييس لقضية يجب التعامل معها كحدث تاريخي لأننا إن تعاملنا بنفس المنطق مع كل حدث تاريخي وقع نطالب بشأنه بالاعتذار وكآننا نسقط ونقتل التاريخ بالأيديولوجية".

وأوضح أنه يصعب إيجاد موريسكي الآن لم يختلط عرقه بعد مرور أربعة قرون بفعل التزاوج، معتبرا أن المطالبة باعتذار إسباني "كأنك تفرض على دولة ما يجب أن تفعله، والأسرة الملكية التي حكمت آنذاك هي أسرة أوسترياس ذات الأصول النمساوية ويسمون أيضا الأوسبورغ، ومن يحكمون الآن هي أسرة البوربون التي حكمت ابتداءا من 1713. وبالتالي كأننا نتحدث عن العباسيين والأمويين. وإسبانيا ذاك الوقت ليست هي إسبانيا الآن".

أما المقارنة بين اليهود والمسلمين، فقال أكمير، إنها غير صحيحة. وأردف أن "اليهود هم حوالي 20 مليون نسمة في العالم أي عدديا أقل من المسلمين الذين يعدون بالمليارات، وإسبانيا تحاول استقطابهم خصوصا أن هناك يهودا من كبار الأغنياء في أميركا اللاتينية، وهذا الصنف يعطى كل التسهيلات أيا كانت ديانته في أي بلد من أجل الإقامة والتجنيس فالوضع مختلف والمقارنة لا تجوز".

"زفرة العربي الأخيرة"

يحكى أن أبو عبدالله محمد الصغير، آخر ملوك بني الأحمر الذين حكموا غرناطة، والذي استسلم بعد سنوات من الحصار وسلم مفاتيح قصر الحمراء آخر معقل للحكم الإسلامي في الأندلس إلى الملك الإسباني، غادر رفقة أسرته وحاشيته المدينة التي شكلت حينها قمة الإبداع الفني والعمراني في العالم.

وأثناء مغادرته، صعد ربوة شاهقة تطل على كامل غرناطة، فتأملها مليا وجثا على ركبتيه منهارا، باكيا متحسرا، وزفر زفرة أخيرة فخاطبته أمه عائشة قائلة "أجل، ابك مثل النساء مُلكاً مضاعا لم تحافظ عليه مثل الرجال".

المكان ذاته، أطلق عليه بعد ذلك اسم "زفرة العربي الأخيرة" أو Puerto del Suspiro del Moro باللغة الإسبانية.

ورغم أن مؤرخين يفندون هذه القصة، ويقولون إن أحد أساقفة تلك الفترة أطلقها ليثبط أكثر من عزيمة مسلمي الأندلس وينشر بينهم إحساس الاستسلام والهزيمة، لا يزال منفذ "زفرة العربي الأخيرة" قائما في الطريق الجبلي المؤدي نحو غرناطة، ولا تزال تلك الفترة من الزمن محفزا لخيال الكتاب الذين غاصوا في تفاصيل سقوط الأندلس ومعاناة الموريسكيين. ومن بين الروايات "الموريسكي "و"ربيع قرطبة" للأديب المغربي حسن أوريد، و"ثلاثية غرناطة" للكاتبة المصرية رضوى عاشور.

وفيما تختزن مدن فاس وتطوان وشفشاون وسلا والرباط آلاف العائلات الموريسكية الأصل، لا تزال تحفظ تقاليد وعادات الأندلس في المأكل والمشرب والملبس والمعمار والموسيقى، ولا تزال فرق الموسيقى الأندلسية وموسيقى الطرب الغرناطي التي تميز فنون المغرب، حية نابضة شاهدة على زمن الفن والإبداع في بلاطات حكام الأندلس.

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG