Accessibility links

المونديال.. تماهي السياسي بالرياضي


مشجعتان للمنتخب الألماني

بقلم كوليت بهنا/

تتوحد البشرية هذه الأيام دون استثناء - كبارها وصغارها سياسيوها وأطباؤها ومحاموها ومثقفوها وحرفيوها وأناسها العاديون - بملاحقة تلك الكرة الصغيرة التي تتدحرج بين أقدام لاعبي فرق العالم، كل منها يبذل أقصى طاقته للفوز بمونديال روسيا 2018 الثري والطريف في التعليقات المصاحبة له على وسائل التواصل الاجتماعي، والمفاجئ في كل نتائجه التي تشير حتى اللحظة إلى تغير في موازين الكرة التقليدية العالمية.

بعض السوريين من الجانب المعارض في الخارج، كانوا قد صالوا وجالوا قبل أشهر قليلة لحشد التأييد العالمي لمناهضة المونديال ومقاطعته لأن موسكو التي تنظم هذا الحدث الرياضي العالمي الأهم؛ هي موسكو بذاتها اللاعب الأكبر في المصير العسكري والسياسي والاقتصادي السوري، والتي قتلت، ولا تزال طائراتها تقتل، عشرات السوريين من المدنيين بشكل شبه يومي.

كل أربع سنوات تتذمر معظم نساء العالم من المونديال ومن "سخف" هذه الرياضة

لكن ما إن بدأ ضجيج المونديال وارتفعت حرارة الملاعب، شاركت بعض هذه الأصوات المعارضة ذاتها بتعليقات خجولة على وسائل التواصل الاجتماعي توحي بمتابعتهم الدقيقة للمباريات، وبدوا كمثل الذي يدعي اتباعه لنظام غذائي لكنه يأكل سرا، إذ تناسوا أو تساهلوا في دعوتهم الفاشلة للمقاطعة وبات المونديال أمرا واقعا لا مهرب منه.

وفي محاولة مكشوفة لإخفاء عشقهم للكرة، برروا متابعتهم عبر إقحام آرائهم ووجهات نظرهم السياسية السورية بالشأن الرياضي، فشمتوا شماتة كبرى بخسارة المنتخب الإيراني، وصبوا جام غضبهم على المنتخب السعودي الذي خسر خسارة مدوية أمام الفريق الروسي الذي تمنوا سحقه ولو بهدف واحد، وتشاجروا كالمعتاد مع الموالين الشامتين الفخورين بنصر فريقهم الروسي الذي يؤيدونه حتى العظم، ومعه يؤيدون "أبو علي بوتين" كما يسمونه.

اقرأ للكاتبة أيضا: جاذبية 'دراما البيئة'

وفي التعامل مع الفرق العربية الأربعة المشاركة، ارتفع لدى الجميع بداية منسوب المشاعر القومية حتى الذروة، لكنه سرعان ما هبط هبوطا مدويا مع خيبة الأمل الكبرى التي منيت بها هذه الفرق، وبدأت التحليلات السياسية التي تشرح الخسارة العربية الرياضية وربطها مرة بالتدين ومرة بقمع الحريات وغياب الديمقراطية التي تسبب الوهن النفسي في كل مناحي الحياة وتكبل أقدام اللاعب العربي حتى في مقدرته الجسدية على ركل كرة في شبكة مرمى!

وقد يكون التفسير الأصح الوحيد المقنع هو أن اللاعب الأجنبي يلعب ليفوز لنفسه ولفريقه، فيما اللاعب العربي يلعب وهو يطمح للفوز فقط لكي يهدي فوزه لزعيمه الكبير الخارق. باختصار، وخلال أيام قليلة تحول الشعور من التفاخر بالقومية العربية، إلى التفاخر بالانتماء للجنسيات الأجنبية اللاعبة التي بات العديد من اللاجئين، موالين ومعارضين، يحملون جوازات سفرها ويؤكدون أن الأمر يعني نجاح اندماجهم الذي يكدون منذ سنوات لتحقيقه.

بانتظار الفائز بالمونديال، ستبقى الأنظار معلقة بدورها على نهاية اللعبة الدموية السورية

وفيما معظم رجال العالم باختلاف مشاربهم وطبقاتهم يعشقون كرة القدم عشقا يكاد يصل إلى الوله، تتذمر كل أربع سنوات معظم نساء العالم من المونديال ومن "سخف" هذه الرياضة التي تعطل مفاصل الحياة وتشغل أزواجهن وأبنائهن عنهن. وفيما يستغل الذكور وسائل التواصل الاجتماعي بكثافة هذه الأيام للمتابعة والتعليق لحظة بلحظة على مجريات الحدث السعيد، تستغل معظم النساء وسائل التواصل للتعليقات الطريفة في الغالب والتعبير عن مشاعر الحنق على الذكور، آكلي حقوق المرأة عموما، وصغار العقل الذين تشغلهم مجرد كرة صغيرة.

اقرأ للكاتبة أيضا: فسبك ـ كمثقف: عن السخرية من المثقف والثقافة

ويبدو أن التفسير السيكولوجي الأقرب لتبرير عشق الذكور لرياضة كرة القدم ونفور النساء منها، هو الشكل الذي تتخذه هذه الرياضة من حيث انقسامها إلى فريقين يضمان لاعبي هجوم (قوات مهاجمة) ولاعبي دفاع (قوات دفاع) ولاعبي احتياط (قوات احتياط) وحارس مرمى (حارس للحدود) وكل هدف يخترق شباكه يعني هدرا للكرامة الوطنية واختراقا للحدود، بمعنى أن هذه الرياضة تبدو كحرب يخوضها فريقان لكن سلميا وبروح رياضية؛ والذكور بطبيعتهم ميالون للحروب وتأييدهم لفريق ضد فريق آخر يتماهى تماما مع تأييدهم لدولة في حربها الضروس ضد دولة أخرى. ورغم أن معظم ألعاب الرياضة تقوم على مبدأ الفريقين المتصارعين، إلا أن كرة القدم هي الأكثر وضوحا ومتابعة وعشقا كونيا.

وفي ظل الملل وروتين الحياة اليومي، تبقى أيام المونديال هي الأكثر متعة وتشويقا وإثارة للمشاعر، وبانتظار الفائز بالمونديال، ستبقى الأنظار معلقة بدورها على نهاية اللعبة الدموية السورية التي يتصارع فيها اللاعبون الكبار، وتغيرت خلالها كل موازين القوى التقليدية، ويبدو أن معالمها الأخيرة ترتسم هذه الأيام في الجنوب السوري، وكأن تجنب الربط اللغوي السياسي بالرياضي لا مهرب منه فوق هذه الأرض الكروية الكبيرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG