Accessibility links

النقد والاختلاف في المجتمع التقليدي


التفجير الإرهابي في شرقي الرياض عام 2003

محمد المحمود/

يعرف المشتغلون على هموم الفكر/ الثقافة أن الممارسة النقدية هي من أهم وأرقى صور المعرفة البشرية منذ إرهاصاتها الأولى، بل هي شرطها الأساس/ الأول الذي يستحيل وجودها بدونه. ويدركون ـ تبعا لذلك ـ أن هذه الممارسة النقدية، كما هي شرط نمو المعرفة وتكاملها المطرد، هي شرط نمو المجتمع وتكامله في مسيرة تحققه اللانهائية؛ على اعتبار أن الشرط المجتمعي شرط معرفي، وأن الشرط المعرفي شرط مجتمعي، في سياق التفاعل الجدلي المفتوح على أكثر من مستوى وأكثر من مجال.

المجتمع التقليدي أحادي الرؤية، أحادي التصور، أحادي في مسلكه الأخلاقي الذي يُنَظّم عموم مسلكه العملي. ومن هنا، فالمجتمع التقليدي لا يستطيع تصوّر الممارسة النقدية الفاحصة بوصفها تشخيصا معرفيا يعين على مزيد من الاستبصار، وإنما يتصورها سلاحا تدميريا، يتوهّمها طاقة هِجَائية عدائية، يجب أن تتوجه إلى الخصم/ الآخر، لا إلى الذات.

في المجتمع التقليدي المغرق في تقليديته يحاول سدنة الأوهام الموروثة تلوين الممارسة النقدية التي تتوجه إلى الذات بملامح قَدْحِيّة؛ فتجدهم يأخذون في الحديث عن سلبيات "جلد الذات"؛ فيما هم في الحقيقة يتحدثون عن "نقد الذات"؛ لأنهم يعرفون أن معمارهم التقليدي الذي التصقوا به عاطفيا، وبنوا عليه مصالحهم واقعيا، سيتهاوى حطاما كصرح من خيال؛ وليس بمقدورهم التكيف مع عالم جديد.

كان ثمن النقد باهظا، وكنت أدرك ذلك

لقد نشأتُ في مجتمع تقليدي تتراكم فيه مُوَاضعات التقليد، وتتعاضد مقولاته لتنتج واقعا تقليديا مُسْتَحكما بأقصى درجات الانغلاق. والأقسى من ذلك أن هذا الواقع اللاّطبيعي كان يجري تطبيعه بوساطة القوى "الصحوية"/ الإسلاموية الحركية التي أخذت على نفسها تفعيل منظومة التقليد الديني الموروث/ السلفي. وقد حققت هذه "الصحوية" كثيرا من النجاح في هذا المجال؛ حتى أصبح المجتمع يصدر عن رأي واحد/ عن اتجاه واحد/ عن هوية واحدة، بل وعن مزاج واحد، مزاج فقير ينفر من التعددية والاختلاف ولو في مجال اللهو والمزاح.

في بدايات عام 2002 بدأت أولى خطواتي مع الاختلاف/ مع النقد. كنت معيدا في كلية اللغة العربية في جامعة تنتمي إلى المجال التقليدي الانغلاقي بامتياز. كنتُ ألقي محاضراتي في الجامعة/ الكلية التقليدية التي يحتضنها مجتمع تقليدي، فيما كانت هي/ الجامعة تُمثّل للمجتمع رأس حربته الفكرية.

ولسوء حظي كنت أُعِدُّ رسالتي العلمية في الجامعة التقليدية ذاتها، فكنت مشروطا بها على مستوى العمل، وعلى مستوى الدراسة أيضا. فمن "المجتمع" الصغير في حدود المنطقة، إلى "العمل" إلى "الدراسة"، كان تقليدا على تقليد على تقليد. هي ثلاث دوائر من الانغلاق تحاصرني لأتنمّط بالسائد التقليدي من حولي.

لا مجال للاختلاف. لأحقق نفسي/ ذاتي في مجتمعي الصغير وفي مجتمعي الكبير؛ كان عليّ أن أكون تقليديا، ولكي أستمر في عملي التعليمي؛ كان عليّ أن أكون تقليديا، ولكي أستطيع إكمال دراستي العليا؛ كان عليّ أن أكون تقليديا، كان عليّ أن أكون نسخة من آلاف النسخ التي يُعاد تدويرها جيلا بعد جيل.

رَفضُ التقليدية أو حتى محاولة التحلل منها ـ فضلا عن نقدها ـ كان يعني أن أكون منبوذا، بل ومحاربا على كل هذه الجبهات. ثلاث جبهات (المجتمع ـ العمل ـ الدراسة) ستنفتح عليّ في وقت واحد؛ إن نطقت ـ ولو همسا ـ بما يعدونه ارتيابا بما سطّره الأسلاف في غابر القرون.

لم أكن أنوِ الصدام ابتداء. في بدايات عام 2002 كتبت أول مقال لي في نقد بعض ملامح هذا التطرف الأصولي. كان نقدا لبعض المسلكيات، ولم أرد للنقد أن يصل إلى المضامين الفكرية الكامنة وراءها. كنت حريصا على التوافق مع واقعي، ولم أكن على استعداد لفتح جبهة واحدة من هذه الجبهات؛ فكيف بفتحها جميعا في وقت واحد!

كنت أتصور أن الانفتاح التدريجي كفيل بأن يطمر كل "الجهنميات الفكرية" التي أعرفها ابتداء من ثمارها حتى جذورها، وأن يلقي بها في محيط النسيان. كنت أتصوّر أن الانغلاق مقولات وأنماط تفكير، وليس بنية ذهنية مستحكمة، لا يمكن حلحلة جزء من دون حلحلة بقية الأجزاء. كانت استراتيجية المهادنة تجعلني أدفع في اتجاه نقدي يبدأ من مساءلة السلوك ليصل إلى مساءلة الفكرة، بينما كان كل شيء (كل شيء معرفي) يقول لي بأن تفكيك الفكرة هو البداية، وكل بداية تتجاوزها هي محض خداع للذات.

مع هذا، رأيت المهادنة ـ بالتركيز على السلوك، دون الأفكار ـ هي كل ما أستطيع. نعم، كنت ابنا بارّا لواقع لم أرد أن أخسره بالكامل، أو ـ على نحو أدق ـ لم يكن في استطاعتي أن أخسره؛ لأني لا أملك من الدنيا إلا هذا المرتب الشهري الذي يُمسك رمقي، وبدونه سأقف على رصيف البطالة والحرمان.

كان ثمن النقد باهظا، وكنت أدرك ذلك. لكن هذا لم يكن يعني الاستسلام لهذا الواقع الصحوي الذي كنت أستشعر كارثيته بعمق. ولم يكن "الحل الوسط" إلا مقاربة هذا الواقع الانغلاقي في تمظهراته المسلكية دون الدخول إلى "عش الدبابير" كما يقال، أي دون الإشارة إلى الأصول الفكرية: الاعتقادية والفقهية لهذا الانغلاق.

رَفضُ التقليدية أو حتى محاولة التحلل منها كان يعني أن أكون منبوذا

المقال الأول كان صدمة لي؛ قبل أن يكون صدمة للانغلاقيين. ردة فعلهم اللاّمتوقعة ـ في درجتها وليس في نوعها ـ على نقدي لسلوكيات متشنجة/ غوغائية صدرت عن خطيب أصولي متطرف، كشفت لي عن حقيقة موقفهم المتطرف من الاختلاف. ما صدمني حقا، هو أنني اختلفت معهم على نقد ظاهرة مسلكية، ومع هذا كان كل هذا الغضب، فكيف لو بدأت بتشريح الأفكار التكفيرية والإقصائية والانغلاقية التي تغض بها الكتب المعتمدة عندهم، والتي يتدارسونها بكل تبجيل وتعظيم آناء الليل وأطراف النهار، الكتب التي يعرفون أني أعرف أسرارها كما أعرفهم تماما!

كان المقال الثاني يُمثّل خطوة أخرى إلى الأمام، أو إلى الصدام. لم أجْلد مقولاتهم التأسيسية بسياط النقد، ولكن ـ في الوقت نفسه ـ لم أبقَ في حدود النقد المسلكي؛ كما كان الحال في المقال الأول. عُدت إلى التاريخ، وبدأت أناقش مسألة غياب الخطاب العقلاني، وكيف أن هذا الغياب كان سببا في تصاعد خطاب نقلي تقليدي غوغائي متطرف. ومع أني لم أضع نقاطي على حروفهم بشكل صريح؛ إلا أنهم عرفوا أنهم المقصودون بهذا النقد. ومن ثم غضبوا أشد من غضبهم الأول، وكشفوا لي ـ بغضبهم هذا ـ عن تطرف وإقصاء لم أتصور وجوده في هذا العصر، والأهم أنهم كشفوا لي ـ بالأدلة المادية الملموسة ـ أن الأفكار التقليدية الإقصائية التي تستبطن الكتب المتداولة بينهم ليست مجرد تنظيرات متعالية، بل هي تنظير ينتظر التطبيق، هي أشبه ببرامج عملية تنتظر التطبيق، من أول مقولات الإقصاء: "هجر المبتدع" إلى مقولات: تكفير المجتمع واستباحته بالقتل والتفجير.

يُقال عن السلاح النووي إنه سلاح غير قابل للاستخدام. أي أن كل هذه كل هذه القنابل النووية القادرة على تدمير العالم مرات ومرات؛ لا يمكن استخدامها؛ لأن كل أحد يفكر في استخدامها يعرف أنها ستدمر الجميع. والمقصود أن قوتها التدميرية الهائلة هي قوة الردع المتبادل، قوة الردع التي تجعل استخدامها خارج نطاق التفكير أصلا. وكنت أنظر لمنظومة العقائد التقليدية التي هي أكبر مخزون للسلاح النووي الفكري/ العقائدي أنها ـ لطاقتها التدميرية الهائلة ـ غير قابلة للتفعيل أصلا؛ لأن تفعيلها يعني بالضرورة أن يقتل الأخ أخاه، والولد أباه، وأن يتناحر أبناء الحي الواحد، ويصبح التدمير والتفجير في الأهل وشركاء الوطن من فضائل الأعمال!

لكن، خاب ظني، إذ جاءت تفجيرات 12 مايو 2003 الإرهابية شرقي الرياض لتؤكد على أن الأفكار لا بد وأن تأخذ طريقها إلى الواقع؛ طال الزمان أو قصر، وأنها في كل الأحوال تنتظر الفرصة المناسبة، أو حتى الفرصة غير المناسبة؛ لتكون واقعا يتجسد على يد متطرف امتلك شجاعة التطبيق، بينما يصمت الأصوليون الجبناء تأييدا، أو يتهامسون بالتأييد، أو يُلَغِّمون به بيانات التنديد التي يجدون الظروف تضطرهم إليها، على نحو صريح، أو مداهنة؛ لتسلم من المساءلة النقدية منظومتهم العقائدية التي هي المحفز الأساس لهذا الفعل الإجرامي المتدثر برداء الدين.

الفعل الإرهابي الإجرامي ـ بطبيعته الواقعية ـ صادم، التجسيد العيني المباشر للأفكار الإرهابية يصدم الوعي الجماهيري العام أكثر بكثير مما تصدمهم به الأفكار الإرهابية ذاتها في مستوى حضورها النظري. لهذا، سارع الجميع إلى إدانة الفعل الإرهابي وتجريمه بأقسى عبارات الإدانة والتجريم. وطبعا، أدانه الأصوليون المتطرفون الانغلاقيون تحت وطأة تثير الرأي العام والرسمي.

لكن، بينما هم يدينون هذا الفعل صراحة، لا يتعرضون ـ ولو بالكلمة عابرة ـ للمقولات العقائدية التي يقف هذا الفعل على متاريسها، يصمتون أو يُراوغون؛ عندما يطرح عليهم أحد المفكرين سؤالا عن العلاقة بين التبديع/ التضليل/ التكفير وعموم مقولات الإقصاء، والتفجير الإرهابي.

التيار الأصولي استطاع التأثير على أغلبية المتدينين بسهولة واستلحقهم

عندما بدأت أكتب عن الإرهاب رابطا ما بين أفكار الإقصاء التضليلية التكفيرية...إلخ مقولات التطرف، وأفعال الإرهاب التي تتجسد في الواقع أشلاء ودماء ودمارا، كان الانغلاقيون التقليديون يغضبون أشد الغضب، ويحاولون الإضرار بي على أكثر من صعيد لأتوقف عن تعرية تراثهم التكفيري الإقصائي.

كانوا إذا أدانوا الإرهاب ونددوا به، أطالبهم بأن يقوموا ولو بمراجعة خجولة للمقولات المتطرفة التي يؤمنون بها، والتي تقف خلف عمليات الإرهاب؛ حتى يكون لإدانتهم وتنديدهم معنى، وكانوا يعدّونني عدوا لهم لأننا أفضحهم بمثل هذه المطالبة، بل ولمزيد من الإقصاء والتحريض والتشويه، ينقلونني من موقع الناقد المعادي لهم كتيار ديني/ كمذهب ديني، إلى موقع الناقد المعادي لدين الإسلام.

كل هذا متوقع من أصوليين متطرفين انغلاقيين. ولكن، ما ليس متوقعا هو أن يستطيع هؤلاء (الذين يعتقدون عقائد تكفيرية ويمارسون تطرفهم عن وعي وعن سبق إصرار)، تحويل كثير من شرائح المجتمع إلى قطيع تابع لهم. حتى أولئك الذين يتمظهرون بشيء من الانفتاح والاعتدال كانوا من ضحايا هذا التحريض الأصولي المتطرف. هذا التيار الأصولي استطاع التأثير على أغلبية المتدينين بسهولة، واستلحقهم ـ واعين أو غير واعين ـ بتصور تزمتي انغلاقي عام؛ لأن ثمة ما يجمع بينهم في قاع الوعي الاجتماعي، ويُسَهّل مثل هذا الاستلحاق، حيث هؤلاء وهؤلاء في النهاية أبناء وعي تقليدي بدائي بسيط، وعي أحادي يرفض الاختلاف، ويضيق بالنقد الذاتي للأفكار والمقولات الموروثة، بل يعده عدوانا صريحا على الذات.

اقرأ للكاتب أيضا: "داعش" والفكر الداعشي

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG