Accessibility links

"النموذج الصيني": بديل عن الإطار السياسي "الغربي"؟


الرئيس الصيني (يسار الصورة) في مجلس الشعب الصينى

حسن منيمنة/

بعد قرن كامل على انتقال الإطار السياسي الغربي من مواقعه الأولى في القارة الأوروبية ودول الاستيطان الأوروبي في العالم الجديد، إلى مقام المعيارية الحضارية على مستوى العالم ككل، يشهد هذا الإطار تحديات أساسية في الشكل والمضمون.

تختلف أشكال نظم الحكم التي يحتويها الإطار السياسي العالمي، الغربي بأصوله، لتشمل الجمهوريات كما الممالك، وتضم الدول الرأسمالية والاشتراكية، ذات الاقتصاد الموجه وذات الاقتصاد الحر، المركزية كما الاتحادية، غير أنها تلتقي جميعا على مبدأ "سيادة المواطن"، وإن كان الأمر بالنسبة للعديد منها، إن لم يكن معظمها، اسميا وحسب.

فمن الدول التي تعتمد الأنظمة التمثيلية الصادقة إلى السلطويات القمعية، كان ما يقارب الإجماع أن الحكم يتم باسم المواطنين. وقد سعت بعض التوجهات، للتخفيف من مقتضى مبدأ استقاء الحكم من القاعدة إلى تمييز ضمني أو صريح بين "المواطن" و"الشعب"، ليُتهم الحديث عن "سيادة المواطن" بأنه ترف فكري، مع تبدية مفهوم "سيادة الشعب"، وصولا إلى قلب المضمون، حيث الحزب، أو الثورة، أو الوطن، يختزل الشعب، والقائد أو الرئيس أو الملك يختزلها جميعا.

الاهتزاز في مقام مبدأ "سيادة المواطن" يساهم في تمكين البديل الآخر له

ولكن باستثناء المملكة السعودية، والمحكومة بالسلطوية المطلقة، إذ تحفّظت في المحافل الدولية عن القبول بمبدأ سيادة المواطن لاعتبارات وصفتها بالدينية، فإن هذا المبدأ، سواء كان بمتناول اليد أو مجرد شعار، كان أساس الحكم على مدى القرن الماضي.

الخروج الصريح عن هذا المبدأ، وعن المنظومة الدولية كإطار توافقي، جاء أولا، في تسعينيات القرن الماضي، من الحركة الجهادية العالمية، والتي توسّعت بما كانت المؤسسة الدينية في السعودية قد ألزمت العائلة المالكة اعتماده كمنطلق ضمني لرفض الالتزام بالاتفاقات الدولية بشأن حقوق الإنسان، أي مبدأ "حاكمية الله".

غير أن هذا المبدأ، إذ أمسى مقياسا للحركات الإسلامية، يبقى طرحا شكليا ليس إلا، لغياب النظرية السياسية المتجانسة التي من شأنها الانتقال به إلى التطبيق الفعلي. فالموروث الفكري الإسلامي، كما الجهود المتوالية للعقائديين الإسلاميين، لا يقدم ما يتعدى الجزئي والرمزي في النظرية السياسية. ومحاولات الخروج عن هذا القليل، أو تجاوز البسط المسهب في شرح سوابقه المقتصرة على الدقائق، لم ينتج المادة المتوافق عليها والخاصة بالصفة الإسلامية، بل جاء وحسب بصيغ تلفيقية متضاربة للطروحات السياسية المتداولة تحت عنوان إسلامي.

وإذا كانت الحركة الإسلامية الجهادية قد فشلت في إرساء بديل "حاكمية الله"، فإنها بتحديها لمبدأ "سيادة المواطن" قد أسقطت عنه سمة الحالة الطبيعية البديهية الملزمة للإجماع، وأنزلته من موقع العالمية إلى صفة "الإطار السياسي الغربي" القابل للتحدي.

لا شك أن الاهتزاز في مقام مبدأ "سيادة المواطن" يساهم في تمكين البديل الآخر له، والذي يختلف عن البديل الأول، أي "حاكمية الله"، بأنه مبني على التطبيق وغير مقتصر على النظرية. هذا البديل الجديد هو مبدأ "سلطة أصحاب الكفاءة"، وليس هو حقيقة بجديد البتة، بل هو أساس البنية السياسية الاجتماعية في الصين على مدى قرون عدة، بل ألفيات، وإن جاء في معظم مراحل بتطبيق تشوبه الشوائب.

الصين ظاهرة حضارية فريدة، بل هي الأقرب، من منظور تاريخي حضاري، إلى الخصوصية إزاء غيرها. ففي حين يعمد المفكرون والمؤرخون في الغرب، انطلاقا من ذاتياتهم، إلى الحديث عن "الغرب وما عداه"، فإن الأصح، من حيث موضوعية الدورات الحضارية على مستوى الكوكب أن تكون الإشارة إلى "الصين وما عداها". وما عداها هنا هو "الغرب" بمفهومه الأوسع والذي لا يقتصر على الدول الثرية والمتطورة بل يجمعها مع ما هو مرتبط بها في الزمان والمكان والدين والتاريخ. فمهما ثارت الحمية والاستهجان لدى الأطراف كافة، فإن الإسلام والمسيحية والعلمانية والإلحاد هي أوجه لسجال ديني واحد، وأفريقيا وأميركا اللاتينية، بل والهند ومعظم الجنوب الشرقي لآسيا، وإن بالتباس، هي أيضا أجزاء من هذا "الغرب الكبير" والذي لم يغمر من الصين إلا سطوحها.

في أوساط النخبة الفكرية ضمن الحزب الشيوعي الصيني، ريبة من الطروحات الديمقراطية الغربية

نعم، حين أرادت الصين في القرن الماضي السعي إلى النهوض، اعتمدت كسائر العالم الإطار السياسي والمعرفي الغربي. فكان الحزب الشيوعي، باسم الشعب، هو المحرّك. غير أن "الشيوعية" الصينية، وإن أشهرت وجوه ماركس وإنغلس ولينين وستالين إلى جانب وجه ماو، بقيت صينية في عمقها الثقافي، في سعيها إلى الانضباط والإنجاز، وفي إصرارها على المركزية والتجانس.

ليس أن الصين على مدى تاريخها لم تعرف الفئويات والعصبيات. على أن القيم الصينية الأساسية، والتي صاغتها المؤسسات الراسخة السلطانية والإدارية والاجتماعية الصينية، تمجّد تقدّم الإنجاز على الهوية. تكفي مقارنة الصين بالعملاقة السكانية الأخرى بجوارها أي الهند، لتبيّن عمق الاختلاف. ففي حين أن الهند تحضن آلاف القوميات المتباينة واللغات والطبقات المتنافرة والديانات المتخاصمة والأعراق المتعمدة في تباعدها، فإن الصين، دون إنكار التعدد الحتمي طبعا، تبدو بأشواط أكثر انسجاما وتآلفا، على المستويات العرقية واللغوية والدينية. بل إن مفهوم الدين في الصين هو في الجمع بين المعتقدات والنظم. فالدين الصيني تقليديا قائم على التداخل والتكامل بين الكونفوشية والطاوية والبوذية، الأولى تقدّم أساسا ما يقابل الفقه، الثانية العقيدة (أو الكلام)، والثالثة السلوك (أو التصوف). والصين، على مدى تاريخها، كان إطارها "الفقه" الكونفوشي، وإن شعرت في القرن التاسع عشر بالوهن والعجز أمام محاولات الاختراق الغربي، ورضخت لاعتماد أشكاله.

فشيوعية ماو وما شهدته الصين بعد ماو من رأسمالية موجّهة ليس تذبذبا في العقيدة، بل متابعة، وإن غير خطية، للفقه الكونفوشي المنتقل من عباءة إلى أخرى. وهذا الفقه يختلف في عمقه مع مقولة المساواة القطعية التي يبنى عليها مبدأ "سيادة المواطن"، فالتراتبية قائمة فيه بين الآباء والأبناء، والشيوخ والأحداث، والكتاب والأميين، والقادة والمأمورين. على أن هذا الفقه ينفي كذلك منطق الطبقات الثابتة والأجناس الراسخة، بل يلتزم معيارا للنجاح هو الإنجاز والترقي. والحزب الشيوعي ليس اليوم حزب الثورة وحزب الكادحين، بل هو مجمع النخبة، في شروط عضويته وتدرجّه المبني على الامتحان. وهو بالتالي شكل معاصر للمؤسسة الإدارية القيادية الصينية الضاربة في أعماق أصولها التاريخية.

في أوساط النخبة الفكرية ضمن الحزب الشيوعي الصيني، ريبة من الطروحات الديمقراطية الغربية، وإشارات متكررة إلى العلاقة بين الحاصل الانتخابي والاستثمار المالي في الدعاية له. فاختيار من يصل إلى موقع المسؤولية ليس حتما انطلاقا من اعتبارات المصلحة الموضوعية، بل قد يتحقق الفوز لمن يفتقد الكفاءة نتيجة ظروف خارج السياق. هل هي "سيادة المواطن" بالتالي أو وهم سيادة لمواطن تسيّره المصالح القادرة على التأثير على توجهاته؟ منطق أعضاء الحزب هو أن المواطن، في بلدته النائية وفي خضم همومه اليومية، ليس بموقع القرار بشأن مقتضيات السياسة الدولية والمالية والعلمية، وزعم خلاف ذلك مداهنة مغرضة. والمساواة من وجهة نظرهم ليست الإنصاف، بل الإنصاف بأنه لكل مواطن دور ورأي بقدر كفاءته.

المسألة هنا ليست بنقد هذه الأفكار، بما تنضوي عليه من معارضة لأوجه ضعف الديمقراطية بأوجه قوة النخبوية، بل بالإشارة إلى شجاعة مستجدة في الصين إلى المجاهرة بقناعة "سلطة أصحاب الكفاءة" كبديل لمبدأ "سيادة المواطن".

الإصلاحات و"التوضيحات" التي يعتمدها ويقرّها الرئيس الصيني شي جينپينغ على النظم القائمة، بما يبتعد عن الشكل الغربي في الفصل بين السلطات، باتجاه التشديد على المركزية في القرار وعلى التراتبية والمحدودية في المشاركة في الحكم، تشكل صيغة بديلة متكاملة للمنظومة العالمية القائمة على مبدأ المساواة و"سيادة المواطن".

النموذج الصيني القائم على إشهار سلطة أصحاب الكفاءة أكثر جاذبية بالنسبة للعديد من النخب والقادة في مختلف أنحاء العالم، سواء اقترن ذلك بحسن نوايا، كالسعي إلى تجنب طغيان الأكثريات العددية الطائفية والفئوية، أو كان قناعا وحسب للاستبداد. على أن هذا النموذج، عند الانتقال في تطبيقه من المستوى الوطني إلى المستوى الدولي، يقرّ بتراتبية بين الدول تستفيد منه الصين الصاعدة على المدى البعيد، بعد أن كان الهدف المعلن للمنظومة الدولية في القرن الماضي التدرج نحو مجتمع دولي قائم على المساواة بين كافة الدول.

حين أرادت الصين السعي إلى النهوض، اعتمدت كسائر العالم الإطار السياسي والمعرفي الغربي

الواقع بأن الإفراط بزعم المساواة هذا، وإن اقتصر على الشكلي، كأن تمنح بعض جزيرات المحيط الهادي، المتضائلة بعدد سكانها ومساحتها وأثرها، صوتا في الجمعية العمومية مساويا للصين والهند وغيرها، قد أتاح المجال لأن يبقى القرار، ضمن مجلس الأمن، بيد مجموعة غير متجانسة من الدول الدائمة العضوية. أي أن المساواة الفعلية لم تكن يوما حقيقة، ومن شأن النموذج الصيني إذ يدعي السعي إلى استبدال المساواة الوهمية بالإنصاف الحقيقي، أن يظهر أكثر واقعية.

غير أن هذا البديل الصيني، في ابتعاده عمّا يتيحه النموذج الغربي من رقابة تفاعلية إزاء الحاكم، يعتمد لحسن تحققه على مناقبية وأخلاقية لدى النخبة. وتاريخ الإنسانية جمعاء، بما في ذلك سجل الصين نفسها، لا ينبئ بإمكانية التعويل على أبوية منصفة، بل الشواهد تتكاثر حول توجه واضح إلى الاستغلال والإجحاف.

وإذا كان للنموذج الصيني اليوم من استحسان، فهو نتيجة للاهتراء الذي تعرّض له الإطار السياسي العالمي في حواضنه الغربية الأم. فالمطلوب بالدرجة الأولى ليس جهد تفنيد للنموذج الصيني، بما ينضوي عليه من مواطن خلل قاضية، بقدر ما هو جهد ترميم لرؤية سياسية إنسانية فشلت في إدراك مواضع الضعف في ذاتها وصولا إلى خروج من جوانحها لمن ينقدها وينقض مبادئها.

اقرأ للكاتب أيضا: معترضون على عالم يتوحد بحضارته ويزداد سمارا

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG