Accessibility links

لا، الولايات المتحدة لم تنشئ 'تنظيم الدولة' وليس فيها 'دولة عميقة'


الرئيس دونالد ترامب مع الرئيس السابق باراك أوباما_أرشيف

بقلم حسن منيمنة/

السجال السياسي في الولايات المتحدة محلي بامتياز. أي أن طروحاته وحججه ومناكفاته تتشكل وتتطور للاستهلاك الداخلي وحسب. نعم، كثيرا ما يأتي السياسيون في الولايات المتحدة على ذكر سمعة بلادهم عالميا، ولكن ذلك غالبا ما يكون في إطار المزايدة على الخصم السياسي الداخلي، وليس انطلاقا من قلق حقيقي لديهم بأن الضرر قد طال صيت الولايات المتحدة وهيبتها في أنحاء العالم.

ليس أن الإنسان الأميركي، شأنه شأن المواطنين في سائر الدول، لا يعتز بأن تكون بلاده في الموقع الأول، ولا يشعر بالإهانة حين تسخّف أو تسفّه، غير أن ما يجري في عالم السياسة هنا، في النادر الذي تثار فيه مسائل من هذا النوع، هو توظيف لهذه المشاعر، على ثانويتها أو عَرَضيتها، للمزايدة على المنافسين السياسيين المحليين.

الاستيعاب المتأني لهذا الإطار الراسخ في محليته ضروري لفهم بعض السلوك السياسي للرئيس الحالي للولايات المتحدة، دونالد ترامب.

فترامب قد أسعد الطاعنين بالولايات المتحدة في أرجاء العالم، حين قال خلال حملته الانتخابية إن حكومة الولايات المتحدة هي من "أنشأ تنظيم الدولة". وهو منذ أن تولى الحكم يطرب مسامعهم، ومعه حشد من مؤيديه، في حديثه عن "الدولة العميقة". ولكن لا. رغم أقوال ترامب والتي يجب أن تفهم في سياقها، الولايات المتحدة ليست هي من أنشأ تنظيم "الدولة" أو تنظيم "القاعدة" أو أي تنظيم جهادي. والولايات المتحدة ليس فيها "دولة عميقة".

لا بد من إدراج أقوال ترامب، الرئيس اليوم والمرشح بالأمس وقبله رجل المجتمع والأعمال، في إطار الاستعمالات السجالية التي تعمد إلى طي الوقائع وليّها وتطويعها بما يتناسب مع الحاجة الخطابية. فهذا أسلوب لم يبتكره ترامب وإن امتهنه من دون اعتذار ومن دون التفات إلى العواقب خارج الهدف المتوخى. نعم، فيه خروج عن الأعراف، ونقلة نوعية في التعامل مع الحقائق، ولكن مع رئاسة ترامب أمسى الواقع المتحقق في الولايات المتحدة، ومنها وعبرها، في العالم أجمع.

الولايات المتحدة ليست "بريئة" في موضوع تمكين الجهاد، وفيها بالتأكيد من الضوابط التي تقيّد الرئيس، رغم الصلاحيات الواسعة التي يمنحه إياها الدستور. ولكن ذلك لا يرتفع بتاتا إلى حد المسؤولية المزعومة عن إنشاء للجهاد بتنظيماته المختلفة، ولا يصل إلى مستوى الدولة العميقة التي تتربص بالحكم المنتخب هنا.

في الموضوع الأول، ما لا خلاف حوله وقائعيا هو أن الولايات المتحدة قد تعاونت مع حكومتي المملكة العربية السعودية وباكستان في الثمانينيات من القرن الماضي لمواجهة الاحتلال السوفياتي لأفغانستان، وهذه الحكومات اعتمدت على المجاهدين المندفعين من أنحاء العالم للتصدي لما اعتبره هؤلاء عدوانا على ديار المسلمين.

ليست هذه الدول من أطلق الحركة الجهادية، بل هي جاءت كنتيجة تدريجية لفشل الطروحات القومية والاشتراكية والثورية المتعاقبة، وليست هذه الدول من تحكّم بتفاصيل الحركة الجهادية ومتغيراتها العديدة، بل كان السعي للاستفادة منها وتوجيهها قدر المستطاع لاستنزاف الاتحاد السوفياتي من دون عناية بالعواقب. يمكن اتهام واشنطن فعلا بالاستهتار وسوء التقدير والتخلف عن تحمل المسؤولية بعد تحقيق المرجو من النشاط الجهادي في أفغانستان، وهي قد دفعت، ولا تزال، ثمن هذا التفريط غاليا. فاعتداءات الحادي عشر من أيلول عام ٢٠٠١، وما سبقها وما تلاها، والاضطرار الناتج في الولايات المتحدة إلى تبديل جوهري في النظم الأمنية والأولويات الخارجية هو من التبعات المباشرة لهذا الإهمال.

وفي حين أن هذه الاتهامات بذاتها خطيرة، فإن أوساط عديدة في المحيط العربي وما يتعداه، فضلت أن تعتبر أن الحركات الإسلامية صنيعة أميركية، مبرئة بذلك ساحاتها المحلية من المسؤولية، وأن استفحالها جاء بقرار متعمد من واشنطن، والتي فيها على ما يبدو، وخلافا لما يراه من يعايش صياغة القرار فيها، من يتحكم بدقائق الأمور بكل ثقة وإطلاق. فإذا لحق الضرر بالولايات المتحدة، فإن ذلك، وفق تصوراتهم المحصنة، سحر انقلب على الساحر، أو تمويه متعمد، أو غيره من التوصيفات المتباعدة والمتضاربة، والتي تتشاطر وحسب بأن في الأمر سر وقرار.

كان بالإمكان اعتبار الموضوع مسألة خلافية لو أن الجهات التي شاءت تحميل الولايات المتحدة مسؤولية إنشاء الجهاد من العدم واستخدامه وظيفيا ثم تصفيته، أي كامل الحل والربط، بنت قراءاتها على الوقائع والمعطيات، ورضت باختلاف وجهات النظر حيث يقتصر الحكم على الظن. ولكن السائد إلى حد الإجماع لدى هذه الجهات هو الانطلاق من تقرير المسؤولية المطلقة للولايات المتحدة، واعتبار القرائن الضعيفة والموضوعة براهين يقينية، ثم الانتقال إلى تسفيه المعارض أو تخوينه أو تكفيره.

لسان حال هؤلاء اليوم، بعد أن قدم لهم ترامب شهادته أن "الولايات المتحدة هي التي أنشأت تنظيم الدولة"، هو أن المسألة لم تعد موضوع بحث ونقاش، وكيف تكون كذلك، طالما أن رئيس الدولة العظمى والتي تتحمل المسؤولية يقرّ هو بنفسه بالفعل؟

واقع الأمر هو أن ترامب لم يقدم لهم شيئا، ذلك أن قراءاتهم وقناعاتهم لا تعنيه البتة، بل لو كان لها أي اعتبار لديه لكان تروّى قبل إطلاق التهمة. فقوله هذا جاء حصرا في إطار التلاذع السياسي خلال الحملة الانتخابية. كان بوسعه أن يقول إن أوباما أساء تقدير قوة تنظيم "الدولة" في أول نشأته، وأوباما بالفعل أخطأ، وكان بوسعه أيضا أن يعيب على هيلاري كلينتون ترددها في اتخاذ المواقف الحاسمة ما أتاح المجال لاستقواء الجهاديين. ولكنه بدلا من هذا وذاك، وسعيا إلى إرساء الرسالة الصارمة في أذهان الناخبين، قال كلمته بأن أوباما وكلينتون هما من شكلا تنظيم "الدولة".

أن يعمد المحللون والمتابعون والباحثون من الخصوم الخارجيين إلى التمحيص بهذا الكلام، وأن يبنوا عليه التصورات والقراءات، وأن تشحن جراءه المواقف السياسية والخطابية لديهم، هي نتائج جانبية لا اعتبار ولا قيمة لها إذ هي لا تؤثر لا سلبا ولا إيجابا على الهدف المقصود من الكلام، أي الطعن بخصوم ترامب الانتخابيين وإثارة الشبهات بشأنهم، لتحقيق غاياته، وهو ما كان.

الصيغة تتكرر اليوم في موضوع "الدولة العميقة". نشأة هذا المصطلح مرتبطة بتوصيف الدول التي تعتمد نظاما انتخابيا يفترض أن ينتج قيادة سياسية وفق الإرادة الشعبية، إلا أن هذه الإرادة تنتفي على أرض الواقع والقيادة تُكبّل نتيجة لوجود مراكز قوى غير منتخبة وغير خاضعة للمساءلة تمسك فعليا بزمام الأمور، وغالبا ما تكون هذه القوى الخفية مرتبطة بالأجهزة الأمنية أو العسكرية. هذا كان حال تركيا لعقود طويلة، وهذا هو حال باكستان اليوم، إذ من يفوز بالانتخابات ليس الطرف الأقوى، بل المؤسسة غير الخاضعة للمساءلة والتي مكّنت فوزه هي صاحبة القول الفصل، وإن همسا.

طبعا ثمة من يسقط هذا التوصيف على الولايات المتحدة ويتصيد التفاصيل الهامشية لدعم تصوّره. على أن هؤلاء غير قادرين على تحديد اليد الخفية التي يفترض أن تكون هي المتحكمة بالواقع الأميركي. والواقع المخالف لهذه الطروحات هو أن طبيعة النظام السياسي في الولايات المتحدة تنتفي معها إمكانية قيام "الدولة العميقة" بهذا الشكل، ذلك أن كافة المناصب ضمن السلطة التنفيذية، بما فيها الأمنية والعسكرية، هي تحت أمرة الرئيس المنتخب. فهو من يعيّن قادة كافة الأجهزة ويقيلهم كيفما شاء، وهذا ما يحدث بالفعل مع كل تداول انتخابي. وإذا كان ثمة قيود للتصرّف ببعض هذه المناصب، فهي مرتبطة بالرقابة المناطة بالسلطة التشريعية والتي توازن الصلاحيات الواسعة للرئيس. وفي حالة ترامب، فإن السلطة التشريعية منذ فوزه بيد محازبيه. وترامب أقال من شاء من المسؤولين.

وهو ومؤيدوه قد اشتكوا بالفعل بأنهم في مواجهة مع "الدولة العميقة"، ولكنه في إقالات الرئيس المتكررة ما يناقض زعم أنها صراع بينه وبين "الدولة العميقة" المزعومة، إذ أن الغالبية العظمى منهم من الذين عيّنهم هو نفسه قبل إقالتهم بفترات تتراوح من الأشهر الطويلة إلى الأيام القصيرة.

رغم الصلاحيات الفائقة للرئيس، فإن النظام السياسي الأميركي مبني على تشابك المؤسسات وعلى الاستمرارية والتدرج في سير العمل. الرئيس هو من يقرّر في السلطة التنفيذية، ولكن المسؤوليات المتوقعة من كافة العاملين في دوائر هذه السلطة ووزاراتها التقدم للرئيس بواسع التفصيل في الدراسات والاحتمالات والتوصيات، فله أن يأخذ بها أو أن يهملها. فإذا تراجع ترامب عن بعض المواقف، على ندرة ذلك، فإن تراجعه عائد إلى نجاح العاملين لديه بإقناعه بإعادة النظر، وليس كما يتوهم المتابعون المتشبثون بمقولة "الدولة العميقة" لأن هذه أرغمته على الفعل.

أما الذي يدعو ترامب ومؤيديه إلى تكرار مقولة "الدولة العميقة"، فهو الأسلوب عينه بالجنوح إلى المبالغة المركبة المبنية على القرائن الواهية والتي تطرح على أنها حجج قطعية، وذلك لأغراض تعبوية انتخابية بشكل عام، وللتحضير لمواكبة نتائج التحقيقات التي يجريها المحقق المكلف بمتابعة احتمال التورط بين حملة الرئيس وجهات روسية، بشكل خاص.

وكما في مسألة "إنشاء الجهاد"، فإن ترامب ومن معه غير معنيين بالطريقة التي سوف يعتمدها جمهور المحللين في الشرق الأوساط لكشف "خفايا" القول.

وافتراض وجود طغمة سرية حاكمة في الولايات المتحدة ليس جديدا في أوساط الطاعنين بها. هي ماسونية أو صهيونية عالمية وفق قراءات الحد الأدنى. أو مرتبطة بالأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وفق متابعات الستينيات وجوارها والتي شهدت بالفعل تجاوزات من هذه الأجهزة، إذ كانت جديدة وغير مؤطرة، قبل أن تطوّقها وتعيد هيكلتها السلطة التشريعية في منتصف السبعينيات. أو هي تابعة للشريحة الاقتصادية العليا حيث المصالح المالية تحكم، مع التذكير بالتحذير الذي أصدره الرئيس الأسبق دوايت آيزنهاور قبيل تسليمه الحكم عام 1961، وإن مع تحميله ما لا يحتمل. أو هي نتاج "المحافظين الجدد" و"الفوضى الخلاقة" التي أرادوها وفق العبارة العرضية لكوندوليزا رايس والتي شاء من شاء أن يرى فيها عنوانا لقرار سري ومشروع ضخم للمنطقة وللعالم. في جميع هذه الحالات، يغيب عن هذه الطروحات إدراك مدى الشفافية في النظام السياسي في الولايات المتحدة، ومدى قدرة المواطن، بنفسه أو من خلال مؤسسات المجتمع المدني والإعلام، على الاطلاع التفصيلي على مجريات العمل في دوائر الحكم.

أما وقد كثر الكلام في الولايات المتحدة نفسها، ومن أعلى مواقعها، عن "الدولة العميقة"، فيبدو أن الطاعنين بالولايات المتحدة قد وجدوا ضالتهم وأصبح بإمكانهم الظهور بمظهر البحث الرصين عند الخوض بالطروحات المؤامراتية التي تشتت التحليل وما يبنى عليه من سياسات.

فاستعمال ترامب ومن يواكبه لمصطلح "الدولة العميقة"، كما اتهامه لسلفه بإطلاق الجهاد (أو بالتجسس عليه وغيرها من الاتهامات غير المعقولة وصولا إلى اتهام والد أحد خصومه بالضلوع بمقتل الرئيس الأسبق جون كينيدي) لا يخرج عن نطاق المزايدات الكلامية ضمن السجال السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، أي لا يشكل بالنسبة للرئيس الأميركي التزاما مبدئيا برؤية تضع هذه الدولة المفترضة بالفعل بموقع الخصم الفاعل.

أما تلقي هذا المصطلح في أكثر من مقام خارج الولايات المتحدة فيجري وكأن العالم أصبح مع هذه المهاترات الكلامية أمام مادة دسمة للفرز والتحليل والتقييم. وهكذا يكون الرئيس الأميركي من حيث لا يدري، ومن دون أدنى اهتمام، قد أوفد حشدا من خصوم الولايات المتحدة إلى بحث عقيم يزيدهم ارتباكا وشطحا.

______________________

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG