Accessibility links

اليأس العربي.. من يأسٍ إلى يأس


لا يتوقعن أحد أن هذه القضية ستحرك ثورة جديدة أو تسيل الدماء لأجلها

كوليت بهنا/

لم يكن صباح الأربعاء الموافق للعشرين من شباط/فبراير الجاري يوما عاديا بالنسبة للمصريين وعموم العرب ونشطاء حقوق الإنسان حول العالم، حيث قامت السلطات المصرية بإعدام تسعة من الشبان المتهمين باغتيال النائب العام "هشام بركات" 2015.

حدث كان كفيلا بإشعال مواقع التواصل الاجتماعي بمنشورات عبرت عن الغضب والاستنكار والتنديد والحزن والتعاطف، إضافة إلى التعبير عن اليأس والاحباط الشديدين من الأنظمة العربية والقوانين والقضاء، وخيبة الأمل من المنظمات الحقوقية الدولية وأنظمة العالم الحر.

الفرد العربي منسي، يواجه الريح وحيدا، ويقتلع أشواكه بيديه

الملفت في هذه الأصوات أنها لم تأت من إسلاميين متشددين يتوقع المرء أن يتعاطفوا مع إخوانهم التسعة فحسب، بل شملت جميع الأطياف من مسيحيين ومسلمين وعلمانيين وملحدين ولادينيين، ينتمي أصحابها إلى اليسار واليمين والوسط وكافة الأيديولوجيات، ويعمل معظمهم في الشأن الثقافي أو الاعلامي أو الفني أو الأدبي أو غيرها من الشؤون العامة.

جميع هذه الأصوات لم تتوقف عند الانتماء السياسي والعقائدي لهؤلاء الشبان التسعة إلى جماعة الإخوان المسلمين المحظورة في مصر ومعظم الدول العربية، وهو تنظيم، شأنه شأن كل التنظيمات الإسلامية الراديكالية، غير محبب ومرفوض لدى غالبية هذه الأصوات ومعظم الشارع العربي رفضا قاطعا ولا يلقى قبولا أو مجرد تعاطف أو ترويج بينهم.

اقرأ للكاتبة أيضا: عام التسامح.. ما له وما عليه

كما اتفق الجميع دون مواربة على إدانة جميع أشكال الارهاب الذي تتعرض له كل دول العالم بما فيها مصر التي اغتيل فيها النائب العام "بركات" وأدينت عملية قتله في حينه كما تدان كل العمليات الإرهابية.

لكن ردود الفعل الغاضبة والحزينة على إعدام الشبان التسعة جاءت مختلفة بالمطلق؛ حيث أعرب الجميع عن رفض عقوبة الإعدام، والمطالبة بإلغائها أسوة بالعديد من دول العالم أو تجميدها في بعض الحالات والقضايا، والمطالبة بمنح فرص الحياة وتحويل السجون إلى مراكز تأهيل للسجناء والمعتقلين، والتنديد بالاختفاء القسري، وهو ما تعرض له هؤلاء الشبان بحسب اعترافاتهم المتداولة في الإعلام، والتشكيك بنزاهة المحاكمات والاعترافات التي تنتزع من المتهمين نتيجة للتعذيب المفرط الذي يحدث في معظم السجون العربية وبعض دول العالم، وهو ما أكده الحوار الذي ورد في مقطع الفيديو المتداول على منصات التواصل الاجتماعي، وجرى بين "محمود الأحمدي"، أحد المتهمين التسعة، وبين القاضي في جلسة إقرار حكم الاعدام، حين قال الأحمدي: "إحنا تكهربنا كهربا تكفي مصر لعشرين سنة".

باختصار، التعبير عن الإحساس بالظلم الذي تعرض له هؤلاء الشبان التسعة كان سيد الموقف المهيمن على المشاعر الغاضبة للمحتجين على تنفيذ الاعدام، إحساس عززته صور الشبان بنضارة شبابهم والذين تتراوح أعمارهم بين 24 ـ 30 عاما وتوحي ملامح وجوههم ببراءة كوامن نفوسهم، كما أوحى مظهرهم العام بملابس ذات طراز غربي وشبابي بأنهم غير متشددين، (وهما أمران يجب الإشارة إلى عدم دقتهما في قضايا الإرهاب، أي خداع ملامح الوجوه والمظهر)، إضافة إلى أن معظم هؤلاء الشبان، تخرجوا من الجامعات المصرية بشهادات متقدمة، مما عزز نبرة التعاطف معهم والإحساس بمظلوميتهم، وهو أمر لم يسبق أن حدث بهذه القوة مع إعدامات سابقة، فلماذا كل هذا الغضب والتنديد هذه المرة مع هؤلاء الشبان التسعة؟

ربما كانت صدفة زمنية لا أكثر توافق يوم إعدامهم مع اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية

الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن في كل ما تقدم وحسب، بل يمكن اعتبار أن هذه القضية جاءت كدافع ومسبّب إضافي لتفجير مشاعر الغضب الشامل الكامنة في النفوس، وتريد أن تقول بالصوت المرتفع بأن "طفح الكيل" من الاستهزاء والاستخفاف بحياة ومستقبل الإنسان العربي، واتساع هوة أزمة الثقة بين القضاء والشارع، وبين الأنظمة وشعوبها، إضافة إلى تراكم القهر وقمع الحريات وتراجع أو انعدام أبسط مقومات حياة الفرد العربي، وصناعة الخوف المستمرة من قبل الأنظمة لمنتقديها وارتفاع معدل الاستبداد.

كل هذا ترك آثاره العديدة والمدمرة في نفوس الشباب العربي، فارتفع في المقابل معدل التشدد الديني والانتماء لمنظمات إرهابية أو عصابات الجريمة المنظمة والمخدرات والتوجه للرذيلة وسواد مشاعر عدم الانتماء للوطن أو الإحساس بالمواطنة، والحلم الدائم بالهروب والهجرة مهما كانت طرقات الهجرة غير الشرعية محفوفة بالمخاطر، بما يتلخص بغلبة اليأس العام على المشهد الإنساني العام، والعربي بشكل خاص.

على إحدى المحطات الإخبارية العربية، أجاب ضيف مصري في معرض رده على تنفيذ حكم الإعدام رغم كل المناشدات الدولية لتخفيف العقوبة؛ فأجاب بأن هؤلاء الشبان "لم يقدموا "التماسا" للسيد رئيس الجمهورية"، مما يعني تسييس القضاء وأن "الريس"، يمكنه بعد استعطاف وتوسل منهم أن يمنحهم حق الحياة لو شاء!

اقرأ للكاتب أيضا: الدراما لا تحب الفقراء

مصر أدرى بشعابها وقضائها، ولا أحد يستطيع أن يجزم ببراءة أو إدانة هؤلاء الشبان، لكن المؤكد أنهم أثاروا تعاطفا وإحساسا عاليا بالمظلومية لم يسبق له مثيل، وربما كانت صدفة زمنية لا أكثر توافق يوم إعدامهم مع اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، ولا يتوقعن أحد أن هذه القضية ستحرك ثورة جديدة أو تسيل الدماء لأجلها، ولن تؤثر تقارير الاستهجان والتنديد التي تنشرها منظمة "هيومن رايتس ووتش" أو منظمة العفو الدولية أو كل المنظمات والهيئات الحقوقية في العالم، فالجميع كان يعلم أن هذا ما سيحدث، وأن الفرد العربي منسي، يواجه الريح وحيدا، ويقتلع أشواكه بيديه، بموافقة وغطاء دوليين، وهو ما يزيد اليأس يأسا.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG