Accessibility links

انتصار.. بشار!


تظاهرات ليلية لمعارضين لنظام الأسد في إدلب

بقلم فارس خشّان/

بشار الأسد... انتصر!

كم سمعنا هذه العبارة في الأشهر الأخيرة على ألسنة المؤيدين للنظام السوري.

بعضهم راح يعِد نفسه بالجلوس في مقاعد الاحتفال المرتقب. بعضهم الآخر، بدأ يتلو مقاطع من خطاب النصر العظيم.

وجميع هؤلاء راحوا يلقنون العالم الطريقة الفضلى لاستدرار عطف بشار الأسد الممسك بمصالحهم وبأمنهم وبمصيرهم بيد من حديد، والذي إليه وحده يؤول قرار من يجب أن يجلس إلى طاولة الكبار ومن يجب أن يرمى خارجها.

هذا المحور لا يرى في ترهيبه إرهابا، بل يعتبر صرخة يائس وأنين جائع وتأفف فقير هو الإرهاب، كل الإرهاب

وفي أول قمة عقدها كبار اللاعبين الميدانيين في سورية للبحث في مصير سورية عموما وإدلب خصوصا، كان الجميع، على وقع أنشودة "بشار انتصر"، ينتظرون رئيس النظام السوري، فإذا به غير مدعو.

وعندما لم تتوصل هذه القمة إلى النتائج المرجوة، عقدت قمة ثنائية بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ونجحت في رسم تصور لإدلب، التي كانت تقرع طبول الحرب عليها. حصل ذلك من دون وجود "المنتصر العظيم".

ووسط قمم القرارات، وسّعت إسرائيل رقعة غاراتها على المراكز العسكرية في سورية، مستهدفة بشكل خاص كل ما هو إيراني، وذلك تحت مظلة الخط المفتوح بين الكرملين وتل أبيب وصيحات "انتصر.. بشار".

اقرأ للكاتب أيضا: 'تيميس' في... لبنان

لدي صديق لم يعد يتعاطى الشؤون السياسية منذ فترة بعيدة نسبيا، فهو يفضل أن يحصر كل اهتمامه بمشاريعه العملية الناجحة، وعندما نلتقي يحدثني دائما عن الأعمال وتقدمها وآفاق الاستثمار وما شابه.

هذه المرة فاجأني. جاءني يتحدث في السياسة من المدخل السوري.

قال لي: "إذا كان بشار الأسد قد انتصر فأنا امبراطور اليابان".

وتابع: "في حمأة الاحتلال السوري للبنان، كان المسؤولون الدوليون يأتون إلى سورية للبحث في مصير بلاد الأرز، ولكنهم حفظا لماء الوجه، كانوا يعرجون على لبنان ويلتقون المسؤولين فيه".

أضاف: "نحن كنا دولة فاقدة القرار ومصيرها بيد النظام السوري، ومع ذلك كانوا يراعون خواطرنا، لأنهم يدركون أننا يوما ما سنستعيد وطنا، ولكنهم لا يفعلون ذلك مع بشار الأسد. يأخذون قراراتهم بشأن سورية، إما في أستانة أو في طهران أو في أنقرة أو في موسكو، وهو يتبلغها عبر قنوات استخباراتية، كما لو كان مجرد قائد مجموعة مرتزقة يخدم الممسكين بسورية وبمصيرها".

وقال: "وللدلالة على موقعية بشار الأسد، فإنه فيما مضى كان المسؤولون اللبنانيون يذهبون إلى دمشق، ويعودون منتفخي الصدر. في هذه الأيام، يعود المسؤولون السوريون كذلك، إن ذهبوا إلى موسكو".

كل ما قاله صديقي لا يحيد عن الصواب، بل هو يدفع باتجاه السؤال عن معنى الانتصار الذي ينسبه البعض إلى بشار الأسد.

ربما، لم يتأقلم الناس، على الرغم من تجربتهم المديدة والمريرة، مع المفاهيم التي يطلقها "محور الممانعة"، وأهمها الانتصار.

فهذا المحور لا ينتصر على العدو، بل على فئات متمردة من شعبه يصنفها عدوا، وهو لا يدخل في اشتباك مع العدو، إلا عندما يتلمس حاجة إلى شرعية ما، لانقضاض متجدد على شعبه.

هذا المحور لا يهتم بالسيادة المطلقة، فينسى أرضه المحتلة ويُبرد جبهاتها وينتظر ما يقرره الآخرون عنه وينصاع لهم. همّه ينحصر بتسيده التسلطي على الناس وعلى المؤسسات.

هذا المحور يحتاج إلى تدخل عالمي ليقبل أن يعيد نازحا من شعوبه إلى منزله ولاجئا من شعوبه إلى وطنه.

هذا المحور لا تعنيه العدالة إلا إذا كان المتحكم بها خريج معاهد استخباراته.

هذا المحور لا تعنيه الحقيقة، إلا إذا جاءت مشوهة لتدعم طموحاته.

هذا المحور لا يخشى إعلان انتصاره، فيما دوله تُدمر وناسه تُذل واقتصاده يتقهقر

هذا المحور لا يرى في ترهيبه إرهابا، بل يعتبر صرخة يائس وأنين جائع وتأفف فقير هو الإرهاب، كل الإرهاب.

هذا المحور لا يكف عن الشكوى، بعبارات متشابهة ومملة، من حملات تحاول النيل منه، وهو في كل يوم يستهدف الناس بكراماتهم وبحقوقهم وبكبريائهم.

هذا المحور لا يتوقف عن تسجيل الانتصارات، وهي لا تعني تقهقر العدو بل تعني أنه لا يزال واقفا على رماد المدن وجثث الناس.

اقرأ للكاتب أيضا: يائسون و... طامح!

هذا المحور يطلب منك أن تتنازل من أجل حفظ الاستقرار، ومن ثم يعرض عليك استقرار القبور.

هذا المحور لا يخشى إعلان انتصاره، فيما دوله تُدمر وناسه تُذل واقتصاده يتقهقر.

بهذا المعنى، بشار الأسد لا يمكن أن يكون إلا.. منتصرا.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG