Accessibility links

انقلاب عسكري في لبنان؟!


تحرك للعسكريين المتقاعدين أمام مصرف لبنان

فارس خشّان/

– انقلاب عسكري؟ أين؟ في لبنان؟

بباقة من علامات الإستفهام، علّقتُ، قبل ثلاثة أشهر، على معلومات ذكرها أمامي نائب حالي ووزير سابق، كان عائدا لتوّه، من لقاء اجتماعي انعقد في بيروت، على شرف زائر دبلوماسي غربي رفيع المستوى.

المعلومات التي لم يتبنّاها السياسي اللبناني ووصلت إليه، تفيد بأنّ هناك تفكيرا جديا بإحداث انقلاب عسكري يؤدي إلى تسليم القوات المسلّحة كامل السلطة في لبنان.

ونتيجة لعدم دفاع "صاحب المعلومة" عن مصداقيتها في مواجهة ردة فعلي المستهجنة، أهملت هذه "الفرضية" التي طالما تحدث كثيرون عن استحالتها في بلد مثل لبنان، حيث الكلمة العليا للقوى الطائفية وليس للقوى العسكرية، الأمر الذي كان قد أسقط إمكان اعتمادها، عندما طرحها "أقوياء الإقليم" أكثر من مرة، خلال الحرب التي أغرقت لبنان، بين العامين 1975 و1990.

الطبقة السياسية التزمت الصمت، حيال خطاب قائد الجيش، ووجدت ما يلهيها عنه

ولكنني عدتُ وسحبتُ هذه "المعلومة" من "درج الإهمال" إلى "برج المراقبة"، عندما شكّل ضباط متقاعدون حركة احتجاجية مرتفعة الصوت، قاسية الأسلوب وعنيفة الألفاظ، رفضا للمس بمخصصاتهم التقاعدية.

ولم تتطوّر النظرة السياسية إلى هذه الحركة العسكرية، على الرغم من وصولها إلى تخوم السراي الكبير، المقر الرسمي لرئيس الحكومة في لبنان.

ولكن، مع الخطاب الأخير لقائد الجيش العماد جوزاف عون في متحف الرئيس الراحل اللواء فؤاد شهاب، أخذت "النظرية" بعدا جديدا وأكثر جدية.

واللواء شهاب، هو المثل الأعلى للعسكريتاريا اللبنانية، إذ أنه أول قائد للجيش يتولّى السلطة السياسية، بالتعيين بداية كرئيس حكومة، لملء فراغ أنتجته استقالة الراحل بشارة الخوري، تحت ضربات اتهام عهده بالفساد، وبالإنتخاب، لاحقا، كرئيس للجمهورية، في ضوء ثورة العام 1958 التي منعت الرئيس الراحل كميل شمعون من تجديد ولايته.

وتعطّرت سمعة شهاب، فهو، كان يُستدعى منقذا، وهو عمل على"مأسسة" الدولة، وهو حاول الاستقالة احتجاجا على نفوذ الفاسدين في البلاد الذين سمّاهم بـ "أكلة الجبنة"، وهو رفض التجديد، وهو لم يكن له لا أبناء يتباهون، ولا إخوة يستقوون، ولا أصهار يتسلبطون.

ولهذا، ففي حضرة روح فؤاد شهاب، يكون لأوّل كلام مكتوب يطلقه قائد الجيش، ضد السلطة التنفيذية، بما يتقاطع إلى حد كبير مع أدبيات "حركة الضبّاط المتقاعدين"، كثير من المعاني التي تتخطّى الحروف الجامدة إلى الرمزية المتحرّكة.

وكان يمكن لكلام العماد جوزاف عون أن يبقى محصورا في إطار الإعتراض على المس بمكتسبات المؤسسة العسكرية، لو أنّه لم يذهب إلى حد اتهام الحكومة بالتآمر على لبنان، عندما قال في خطابه المكتوب الآتي:

"إن ما ذُكر يؤسس لسلوك متعمّد لتطويق المؤسسة العسكرية، بهدف إضعافها وضرب معنويات ضباطها وجنودها ومنعهم من الحصول على أبسط حقوقهم. حقوق العسكريين ليست منّة من أحد، واستهداف معنوياتهم هو جريمة ليس قط بحقهم إنما بحق الوطن".

هذه الفقرة لا تحتاج إلى كبير عناء لفهمها، خصوصا إذا ما أعدنا صوغها بلغة قانونية، بحيث تصبح كالآتي: الحكومة أقدمت، عن سابق تصوّر وتصميم، على ارتكاب جريمة بحق الوطن، وذلك من خلال إضعاف الجيش وضرب معنويات الضباط والجنود.

هذا ليس كلاما عاديا صادرا عن لسان عادي، بل هو كلام استثنائي نطق به قائد مؤسسة من صفاتها أنها "الصامت الأكبر".

فهل يعطي كلام مماثل المعلومة التي نقلها ذاك السياسي عن "الانقلاب" مصداقية؟

لو جلت بين اللبنانيين الذين ينامون على فضيحة ويصحون على أخرى، ويمسون على اتهام ويصبحون على آخر، لوجدت، ربما لأوّل مرة، ترحيبا لدى قسم كبير منهم، بحصول انقلاب، إذ أنه، في ظل خوفهم الكبير على غدهم، يفتشون عن أيّ حل، ولو كان وهما، مثلهم مثل ذاك الذي لم يبق في جيبه سوى مبلغ زهيد، فيقرر أن يشتري به ورقة يانصيب بدل ربطة خبز.

وإذا كانت المصادر العسكرية تنفي أن يكون لهذا الكلام المكتوب الذي تلاه قائد الجيش أي هدف إنقلابي، إلا أن من يتحرّك في كواليس المؤسسة العسكرية يحذّر من مغبة إهمال الإعتراضات التي سجّلها هذا الخطاب، لأن الجيش، والحال هذه، قد لا يجد مشروعية لمواجهة أيّ تصعيد جديد يمكن أن تقدم عليه "حركة الضباط المتقاعدين" التي سبق لها ووصلت إلى أبواب "السراي الكبير".

الطبقة السياسية التزمت الصمت، حيال خطاب قائد الجيش، ووجدت ما يلهيها عنه. وحده وليد جنبلاط أعلن، على طريقته، أنه فهم الرسالة، فدعا، بعد أيام من "التأمّل"، إلى "الحوار المباشر مع قائد الجيش الذي هو أحرص على المؤسسة العسكرية وعلى أمن الوطن".

المؤكد أن "الفوضى السياسية" التي يعاني منها لبنان اليوم معطوفة على "الترهيب الاقتصادي" وعودة "الإرهاب الداعشي" ومواصلة استقواء الدويلة على الدولة، وأزمة اللاجئين، تخلق البيئة المؤاتية لانقلاب عسكري.

كلام استثنائي نطق به قائد مؤسسة من صفاتها أنها "الصامت الأكبر"

هذا ما هو حاصل في دول غير بعيدة إلا أن ما يمنع انضمام لبنان إلى منظومتها، أقلّه حتى تاريخه، هو البعد الطائفي الذي يبقى عائقا حقيقيا أمام نجاح أي سيناريو انقلابي كامل.

في المقابل، فإن خطاب قائد المؤسسة اللبنانية الأحب إلى عقل واشنطن، أحدث انقلابا من نوع آخر، فهو وضع حدّا لطموحات الحكومة بالوصول إلى موازنة عامة متقشّفة فعلا، قادرة أن توحي للمانحين الذين سبقوا واجتمعوا في باريس، بالثقة.

وهذا الانقلاب الذي قد يطيح بكثير من الوعود "الإنقاذية" التي منّنت الحكومة نفسها بها، كفيل، في مرحلة لاحقة، أن يفتح الطريق أمام خطوة جديدة لمصلحة نظرية الانقلاب الكبير.

اقرأ للكاتب أيضا: هل يمكن أن ينجو اللبنانيون من الفقر؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG