Accessibility links

باكستان: مظلة نووية للإرهاب والفشل


متظاهرون باكستانيون إسلاميون يحرقون مجسما لرئيس الوزراء الهندي

عريب الرنتاوي/

مثير للدهشة، هذا التجاهل العالمي لمجريات الوضع في باكستان؛ فهذه الدولة "الإسلامية" النووية، لا تكاد تذكر إلا لخلاف بين واشنطن وإسلام آباد، كما حصل قبل عام تقريبا عندما قرر الرئيس دونالد ترامب وقف المساعدات الأميركية عن باكستان واتهامها بإيواء جماعات إرهابية وممارسة "الخداع"... أو مثلما يحصل اليوم بفعل تصاعد حدة التوتر مع جارتها الهند، وبلوغه حد الاشتباك الجوي المباشر، كنتيجة للعملية التي نفذتها جماعة إرهابية تطلق على نفسها اسم "جيش محمد"، تتخذ من باكستان مقرا لها، وأودت بحياة أكثر من أربعين جنديا ومواطنا هنديا في منطقة كشمير المتنازع عليها.

مع أن باكستان، التي تتوفر على أكثر من مئة وثلاثين رأسا نوويا، لعبت ومنذ أزيد من أربعين عاما، دور "الملاذ الأكبر والأكثر أمنا" للعديد من الجماعات الإرهابية، أبرزها حركة طالبان وتنظيم القاعدة فضلا عن عشرات المنظمات "السلفية الجهادية" التي يستهدف بعضها الهند، ويتولى بعضها الآخر ضرب أهداف في إيران، من دون أن تنجو باكستان ذاتها، من عمليات إرهابية لجماعات متشددة، بين الحين والآخر.

لا يمكن تصنيف باكستان على أنها "دولة فاشلة"، مع أنها تقف على حافة الفشل

وتكشف أبحاث وتقارير نشرت في العقود الأربعة الماضية عن علاقات عمل وطيدة أنشأتها أجهزة الاستخبارات والمؤسسة العسكرية الباكستانية مع جماعات "جهادية" مختلفة، بعضها كان بعلم ورضى وتشجيع من الولايات المتحدة والغرب و"عرب الاعتدال" زمن الحرب الباردة وفي مواجهة التهديد الشيوعي والاتحاد السوفياتي وحكومة نجيب الله الموالية لموسكو، وبعضها الآخر، خدم أجندات خاصة بإسلام آباد في صراعها الممتد مع جارتها الهند، والذي بدأ عمليا، وبدرجات متفاوتة من الحدة والتوتر، منذ الأيام الأولى لاستقلال البلدين عن الاستعمار البريطاني في العام 1947.

وفي الوقت الذي ينظر فيه العالم إلى الهند بوصفها أكبر الديمقراطيات المستقرة في العالم، والدولة التي تنافس على المواقع الأولى في الاقتصاديات العالمية، فإن تاريخ "شقيقتها التوأم"، باكستان، يبدو كتاريخ للانقلابات العسكرية المتعاقبة، حيث تلعب المؤسسة العسكرية الباكستانية، دورا حاسما في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد، يذكّر بهذه الصورة أو تلك، بالأدوار التي لعبتها المؤسسة العسكرية التركية طوال أزيد من نصف قرن.

وتتحدث التقارير والأبحاث ذاتها، عن شبكة علاقات "خاصة" نشأت تاريخيا بين المؤسسة العسكرية والعائلات الإقطاعية والأرستقراطية في البلاد، التي تحرص على أن تبعث بأبنائها لتولي أرفع المناصب فيها، بوصفها ضمانة لزواج غير شرعي بين "الجنرالات" و"الأرستقراطية" الاجتماعية... وزاد الطين بلّة، ما أكدته تقارير وتحقيقات استقصائية، عن وجود روابط بين هذه المؤسسة و"أباطرة" المخدرات، زراعة وتصنيعا وتوزيعا، الذي يجدون في باكستان ملاذا آمنا لهم كذلك، وهي العلاقة التي ازدادت وثوقا بعد تراجع موارد الدولة وحاجة جنرالات المؤسسة العسكرية للتمويل من خارج الموازنة العامة للدولة.

طوال العقود الأربعة الماضية، اعتمدت باكستان الجماعات "الأصولية المتشددة والعنيفة" بوصفها أداة من أدوات سياستها الخارجية، خصوصا مع جارتها الهند، ففي ظل الاختلال الكبير في موازين القوى البشرية والاقتصادية والعسكرية بين البلدين، اعتمدت باكستان على هذه الجماعات لاستنزاف الهند وابتزازها واللعب على "ورقة المسلمين" الهنود البالغ عددهم قرابة الـ 180 مليون نسمة، من أصل 1.2 مليار نسمة عدد سكان الهند الإجمالي، والذين يقطن أقل من عشرة بالمئة منهم فقط في كشمير، في حين تنتشر أغلبيتهم الساحقة في مختلف الأقاليم والولايات الهندية.

في نزاعها التاريخي الممتد مع الهند، حظيت باكستان بدعم كبير من الصين، جارتها الكبيرة والمنافس الطبيعي للهند على الموارد والأدوار في ذلك الشطر من آسيا... كما حظيت بدعم من عدة دول عربية وفي مجالات اقتصادية وسياسية مختلفة، وبخاصة من قبل المملكة العربية السعودية، وثمة تقارير موثوقة بدرجة عالية، تؤكد دعم المملكة للبرنامجين النووي والصاروخي الباكستاني، فيما المؤسسة الدينية السلفية/الوهابية، قدمت دعما وفيرا للحركات الجهادية والسلفية الباكستانية، وتحديدا تلك التي تقاتل الهند في كشمير، وأدى ذلك إلى تراجع في منسوب دعم الهند للقضايا العربية في المحافل الدولية، واقترابها المتسارع من إسرائيل.

إذ بحجة دعم مسلمي كشمير، وحقهم في الانفصال عن الهند في دولة مستقلة أو ملتحقة بباكستان، "قامرت" دول عربية وإسلامية بمصائر ثالث أكبر تجمع سكاني للمسلمين في العالم، فالهند بعد إندونيسيا وباكستان، تعد الدولة "الإسلامية" الثالثة في العالم، وتجربتها الديمقراطية المستقرة، نجحت في اجتياز محاولات خلق الفتنة والتسبب بمزيد من التشققات في المجتمع الهندي، على الرغم من الوضع الحرج الذي يعيشه إقليم جامو ـ كشمير.

اليوم تبدو الصورة مختلفة عن الأمس، فالسعودية التي كانت (وما تزال) الداعم الأكبر لباكستان والحليف السخي لإسلام آباد، تتقرب من الهند، وولي عهدها محمد بن سلمان، أبرم اتفاقات في نيودلهي وتحدث عن مشاريع مستقبلية بين البلدين، تتعدى بخمسة أضعاف ما قدمه لإسلام آباد... والإمارات العربية المتحدة، قررت دعوة وزيرة خارجية الهند للمشاركة كـ"ضيف شرف" في مؤتمر لمنظمة التعاون الإسلامي، الأمر الذي أثار حفيظة باكستان ودفعها لمقاطعة المؤتمر.

لقد تبدلت "مكانة" باكستان من منظور الخليج والسعودية، بعد انتهاء الحرب الباردة... وفي مناخات الحرب الكونية على الإرهاب والدولة الداعمة له والحاضنة لمنظماته... وجاءت حرب اليمن، واستنكاف إسلام آباد عن المشاركة المباشرة فيها والاكتفاء بتقديم الدعم السياسي والمعنوي للتحالف العربي بقيادة السعودية لتسهم في "إعادة تعريف" العلاقات الخليجية ـ الباكستانية، وإعادة رسم أولوياتها ومكانتها...

لكن هذا التبدل لا يعني للحظة واحدة، أن باكستان قد فقدت قيمتها الاستراتيجية في الحسابات السعودية بخاصة، فالدولة الإسلامية السنيّة النووية الوحيدة، تحتفظ بحدود واسعة مع إيران وأفغانستان، ومن هناك يمكن التسبب بإزعاج طهران واستنزافها، والرهان معقود على باكستان بوصفها الممر الذي يمكن من خلاله، "نقل المعركة إلى الداخل الإيراني" كما تعهد ولي العهد السعودي ذات مرة.

وكان لافتا أن العملية التي نفذتها جماعة "جيش محمد" الإرهابية في كشمير، قد جاءت متزامنة مع عملية أخرى نفذتها جماعة "جيش العدل"، ذات الخلفية العرقية البلوشية، والمرتبطة أيديولوجيا بالقاعدة، ضد أهداف إيرانية وأودت بحياة 27 عنصرا من الحرس الثوري، امتدادا لسلسلة من العمليات سبق لهذه الجماعة أن نفذتها ضد أهداف داخل إيران...

تبدلت "مكانة" باكستان من منظور الخليج والسعودية، بعد انتهاء الحرب الباردة

وإذا كان للعملية الأولى موقعها في سياق الصراع الهندي ـ الباكستاني، فإن العملية الثانية لا يمكن فصلها عن صراع المحاور العابر للشرق الأوسط الكبير الممتد من بيروت وغزة وحتى المثلث الحدودي الباكستاني ـ الإيراني ـ الأفغاني.

لا يمكن تصنيف باكستان على أنها "دولة فاشلة"، مع أنها تقف على حافة الفشل، فالدولة تعجز عن تقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها، ومعدلات البطالة والفقر فيها تضرب أرقاما قياسية، ومستويات الجريمة والعنف على خلفيات جنائية ودينية وثقافية واجتماعية، عالية جدا، وتعاني من مديونية مرتفعة وعجز متركم في الميزانية، فضلا عن هبوط حاد متكرر في إجمالي الإحتياطات من العملات الأجنبية، يهبط في بعض السنوات عن الخمسة مليارات دولار، واليوم يقف عند حافة الثمانية مليارات فقط، وبما لا يكفي لتغطية المستوردات لبضعة أسابيع.

وفي مناخات "الفشل" هذه، تبدو النخب العسكرية والسياسية الحاكمة بحاجة دائما لاستحضار فزاعة العدو الخارجي، واللعب على وتر العصبيات الدينية والقومية والاثنية مع الجارة الكبيرة: الهند، وإشهار "خطاب المظلومية" المُغلّف بشعارات الثأر والانتقام، بدل الانتباه إلى حاجات السكان ومستقبل الأجيال القادمة، وإيلاء الاهتمام بالتنمية البشرية وإلحاق البلاد بركب الديمقراطيات المستقرة.

اقرأ للكاتب أيضا: خيارات أنقرة الشمال السوري... تزداد ضيقا

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG