Accessibility links

بانوراما السقوط التاريخي المتكرر


لحظة سقوط تمثال صدام حسين في بغداد عام 2003

مالك العثامنة/

يوم التاسع من نيسان عام 2003 كنت في مطار فرانكفورت في ألمانيا في توقف لساعات نهار ذلك اليوم، متوجها إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد ذلك.

على شاشات التلفزة المنتشرة في المطار، كنت أشاهد الصورة الشهيرة لإسقاط تمثال الدكتاتور العراقي صدام حسين وقد دخلت القوات الأميركية إلى بغداد فعليا.

لا أزال أذكر المطار الألماني المزدحم بالمسافرين ولم يكن معي إلا قلة في المطار ممن كانوا مهتمين بالمشهد، كان العالم مستمرا في صيرورته العادية وكان الشرق الأوسط يحبس أنفاسه حد الاختناق من هول الحدث.

انتهى عهد صدام في ذلك اليوم، وهو العهد الاستبدادي الذي تسلح منذ توليه السلطة بالقوة والعنف بكل أغطية القومية العربية وأدبياتها ثم حين وجد نفسه في مأزق ما بعد احتلال الكويت انعطف انعطافته التاريخية نحو "المقدس الديني" فوضع عبارة "الله أكبر" على علم الدولة وقام بتضمين خطاباته كلها ما يكفي من مورفينات الاصطلاحات الدينية والاقتباسات القرآنية ومأثور الشعر العربي القديم، مع ملاحظة ان التيارات الدينية في العراق كانت دوما خصما شرسا ولدودا لحزب البعث الحاكم "العلماني افتراضا" وبكل طوائفها.

كان هذا جزءا من سياق تاريخي عربي حافل بالحيل والالتفافات لمداعبة مشاعر الناس، طبعا مع تقديم وجبة استهلاكية شهية من الطبق المفضل للجميع في الشرق الأوسط، القضية الفلسطينية والهجوم على إسرائيل!!

لا أنكر أنني تأثرت بسقوط مدينة عربية مركزية لها دور كبير في التاريخ حتى وصلت إلى مرتبة عاصمة العالم في مرحلة وإن كانت وجيزة من تاريخها المديد، وأن مشاعر مختلطة انتابتني وأنا أشاهد بغداد على الحافة مثل السندباد يتعلق بمخالب الرخ العظيم كما روت أقاصيص ألف ليلة وليلة التي ارتبطت ببغداد وعالمها الأسطوري.

وقتها كانت النظرية الشائعة أن ما حدث في بغداد مقدمة لما سيحدث بعد ذلك في دمشق والقاهرة، ولأنني لست من المتحمسين لنظرية المؤامرة فإن موافقتي كانت أن الديكتاتوريات العربية على اختلاف درجة اعتناقها للقمع ستستفيد من درس بغداد وستحاول تجنبه، لا أن الأمر مكيدة ستعمل على حصد الرؤوس تباعاً من أجل التمهيد لحل شرق أوسطي كبير، ومع توالي نفس المشاهد مع تغيرات طفيفة في السياق بين عاصمة وأخرى، أراجع كل ما دار في رأسي من أفكار في تلك الظهيرة في مطار فرانكفورت.

--

في نورث كارولاينا، تلك الولاية الجنوبية كنت على موعد مع جامعتها ومركز الدراسات فيها، ضمن حزمة مشاريع ظهر الحماس لها فجأة عند الأميركيين بعد سبتمبر 2011 حين استيقظوا على اختفاء الأطلسي فجأة.

كان كل ما يحيط بي حينها في الجامعة والمدينة الأميركية رافضا للغزو العسكري الأمريكي ومناهضا للإدارة الأمريكية نفسها، لكن هذا المحيط نفسه كان أيضا مؤمنا بضرورة التغيير الذاتي والفعلي في العالم العربي من خلال أنظمة ديمقراطية ودول مؤسسات وقانون لا استبداد فيها!!

كانت تلك أحجية من الصعب تفكيكها أمام هؤلاء المثاليين جدا كما كنت أتصورهم.

كيف يمكن أن تفسر لهؤلاء أن الوضع القائم في الشرق الأوسط هو أصلا بائس من دون تدخل أميركي أساسا؟ كنت أرفض نظرية المؤامرة الغربية العميقة التي يحلو لبعض منجمي التحليل على الطريقة الفلكية الخوض بها إلى حدود هستيرية تصل إلى ثني ورقة الدولار مثلا للخروج بعين واحدة في الرسمة دلالة على المؤامرات الغريبة والغامضة.

كان اليسار الأميركي ساذجا "دوما" وأقصى تجلياته هي الحالة الهيبية في السبعينات، بينما كان اليسار العربي لا يزال يفتح مظلاته كلما أمطرت في موسكو (ما بعد الشيوعية) او هافانا بأسوأ الأحوال، ويجتر نفس خطابه الإنشائي الخشبي محرضا على خصمه التاريخي المتمثل بالتيارات الإسلامية والأنظمة الرجعية، لكن واقع الحال بدون التباسات كان أن العالم العربي غارق حتى قمة رأسه بالاستبداد السلطوي والجهل المتخم بالخرافات.

كان العدو الحقيقي للأنظمة المستبدة (رجعية او تقدمية أو عسكرية او دينية أو أيا كانت) هو دخول فكرة دولة المؤسسات والقانون، والديمقراطية التي تفرض تداول السلطة.

في أحد جلسات العصف الذهني تحضيرا لمشروع قادم، سألني أكاديمي أميركي متخصص بالشرق الأوسط (هكذا كان تعريفه) عن مدى إمكانية محاربة التطرف الديني بالصوفية، وخلق أنظمة عربية تتماهى مع القبلية بروح التصوف!! أدهشني سؤاله وحتى اليوم لا أجد طريقة ألملم بها إجابة متكاملة على سؤال من هذا النوع!

اليوم، وبعد سلسلة خيبات ما بعد الربيع العربي، وثورات الشعوب على "رؤوس" أنظمتها، أجد أن الأنظمة لم تتغير بسقوط الرؤوس، وفي آخر حلقات تلك الخيبات المتراكمة التي يعيشها العالم العربي، كان السودان، الذي انتفض على طاغيته المستبد، لا على نظام تمكن من مد جذوره في مؤسسات الدولة لتستمر عملية اختطاف تلك الدولة بشكل وصيغة لا تختلف في جوهرها عن سابقتها.

وتتجلى الفكرة التي كنت أبحث عنها في مطار فرانكفورت عام 2003، اليوم وأنا أراقب السودان والجزائر وقبل ذلك مصر والمتاهة السورية.

لقد كان مشروع دولة المؤسسات والدولة المدنية في العالم العربي دوما يفشل في مواجهة مشروعين استبداديين رئيسين، لا مجال للدولة المدنية المؤسساتية المنشودة أن تعيش ولو بالحد الأدنى في ظل أي منهما: دولة العسكرتاريا والبوليس ومقابلها كان دوما هناك الدولة الدينية والتي يقود مشروعها الإخوان المسلمين، أو الدولة الدينية الحالمة باستعادة وهم الخلافة التاريخي.

في مصر مثلا، اختطف التيار الاخواني ثورة المصريين وبتواطؤ العسكر، وبعد استلامهم السلطة انقلب عليهم العسكر لننتهي باستبداد السيسي وجهازه الأمني والعسكري.

لكن الاخطر في حالة السودان أن الموضوع ليس ارتجالا شعبيا كما يبدو، بل هو ممنهج من فترة وبتخطيط تم تمويله بهدوء لننتهي بحكم الإسلاميين وقد سيطروا على العسكرتاريا طوال عقود.

(غالبية الإعلام الأهلي والشعبي ركز على زيارة البشير إلى دمشق ولقائه بالأسد، لم يستذكر أحد زيارته إلى الدوحة مع بداية الحراك ضده).

فننتهي بعد "خلع البشير" إلى مجلس عسكري مؤدلج بفكر إخواني صرف، أوامر المرشد العام للإخوان فيه أكثر حسما من أوامر كل ضباطه.

هذه تركيبة خطيرة، وخطيرة جدا، تضع الدولة المدنية الموعودة على هامش الأحداث من جديد وكالعادة.

هي تركيبة مزدوجة وأكثر شراسة وخبثا.

في المحصلة، نعم أؤمن بالمؤامرة، لكنها مؤامرة يصنعها اللاوعي "المدجج بالخرافات والمدمن على الاستلاب الذاتي" على الوعي الإنساني وكرامة ذلك الإنسان.

هي مؤامرة نصنعها نحن ونتقن تنفيذها باحتراف متكرر كل مرة.

--------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG